أخبار لبنانإقتصادابرز الاخبار

للمسؤولين: نتائج الجرم تتصاعد… شو ناطرين؟ (الجمهورية 7 آب)

الوعود كثيرة، والتطمينات أكثر. في كل مرّة يعِدون المودعين بحتمية إعادة حقوقهم وودائعهم، وفي كل قانون يقترحونه أو خطة عمل يضعونها تتكرّر العبارات نفسها: «الودائع مقدّسة» و»حقوق الناس محفوظة». لكن يبقى التأجيل سيّد الموقف، فيما تمرّ السنوات سنةً بعد أخرى، والمودع لا يزال ينتظر الفرج. فهل شعر المسؤولون بكل هذا الألم؟ هل أدركوا حجم الكارثة الاجتماعية التي تسبَّبوا بها؟ هل وخزهم ضميرهم يوماً أمام الآلام التي عاشها الناس؟ وهل تخيَّلوا، ولو للحظة، وهم يتنقلون بين مناسباتهم الاجتماعية الفاخرة، وجوه هؤلاء الضحايا وعذاباتهم؟ وهل تذكّروا، وهم يلتقطون صور زفاف أبنائهم في حفلات فخمة، وجوه آلاف الشباب والشابات الذين حُرموا من التعليم لأنّ أقساطهم التعليمية بقيت محتجزة مع ودائع أهلهم؟

فهل يدرك المسؤولون ماذا فعل هذا الانتظار بالمودعين؟ وهل رأوا حجم المأساة من قرب؟ ربُّ عائلة توقّف قلبه قهراً بعدما وجد نفسه، بعد عمر من الكدّ والتعب، مضطراً إلى طلب المساعدة لإعالة أسرته. وابنٌ شاهد والده يموت أمامه لأنّه لم يعُد قادراً على تأمين كلفة العلاج، فيما أمواله محتجزة في المصرف. ووالدٌ رأى مستقبل أولاده يضيع أمام عينَيه بعدما ادّخر طوال حياته لتعليمهم، فإذا بالمصرف يمنعه من الوصول إلى أمواله ويحرم أبناءه من حقهم في التعليم. وسبعينيّ اضطر إلى العودة إلى العمل بعدما كان يظن أنّه سيعيش تقاعداً كريماً، فإذا بحجز أمواله يسلبه حق الراحة ويجبره على مواصلة العمل حتى آخر أيامه. وربُّ عمل اضطر إلى صرف موظفيه وإقفال المؤسسة التي بناها حجراً فوق حجر بعرقه وتعبه، لأنّ المصرف رفض الإفراج عن أمواله. هذه المآسي مستمرة وتتصاعد وتتزايد مع الوقت.

نؤيّد ما قاله رئيس لجنة المال والموازنة، النائب إبراهيم كنعان، لجهة أنّ إعادة الودائع هي الخطوة الوحيدة القادرة على إعادة الثقة. وقوله إنّ لا نَيل رضى صندوق النقد الدولي، ولا أي إجراءات تقنية يمكن أن تعيد الثقة إذا بقيت حقوق المودعين مسلوبة. ونشكره على جهوده المتواصلة لاستعادة حقوق الناس.

لكنّنا نخالف رئيس لجنة المال والموازنة الرأي، عندما يربط استعادة الثقة بإقرار قانون إصلاح القطاع المصرفي بصيغته الحالية. فالثقة لا تُفرض بقانون، بل تُبنى بالمحاسبة والعدالة وردّ الحقوق. والسؤال الذي يفرض نفسه: فهل يتوقعون أن يستعيد المودع علاقته بالمصارف نفسها وكأنّ شيئاً لم يكن، بعد سنوات من حجز أمواله، والإذلال اليومي، والقيود التعسفية، والوعود التي لم تُنفّذ، والآلام والعذابات التي عاشها مئات آلاف المودعين؟

إنّ إعادة الثقة بالقطاع المصرفي لا تكون بالشعارات، بل بالشفافية والعدالة. ولكي لا نظلم أحداً، نكرّر ونكرّر، أنّه يجب أولاً فتح حسابات المصارف أمام التدقيق الكامل، وكشف حقيقة ما جرى، ومحاسبة كل مَن يثبت القضاء مسؤوليّته عن المخالفات التي أوصلت إلى ضياع أموال اللبنانيّين، لا الاكتفاء بتقييم ما إذا كان المصرف متعثراً أم لا. فقد يكون المصرف المتعثر هو الأقل استفادة من السياسات المالية التي سبقت الانهيار، فيما تكون مؤسسات أخرى قد حققت مكاسب كبيرة. فأي منطق يسمح بالإبقاء على مصرف لأنّه لا يزال قادراً على الاستمرار، من دون مساءلة عن دوره خلال السنوات الماضية؟

إنّ الاكتفاء بإعادة تنظيم المصارف القديمة من دون محاسبة حقيقية لن يؤدّي إلى عودة الثقة إليها، بل سيكرّس الانطباع بأنّ استمرار المصارف الحالية أصبح أهم من مستقبل البلد نفسه.

ونذكّر، بأنّ ما حصل ما كان ليحصل لو كانت الشفافية قائمة منذ البداية. لذلك، لم يعُد مقبولاً معالجة أي ملف من الآن فصاعداً بعيداً من الشفافية المطلقة. ابدأوا بملف الودائع وملف صناديق التعويضات، فهما يمسّان حياة الغالبية الساحقة من الناس. صارحوا الناس بما حدث، وبكل خطوة ستتخذونها في المستقبل، لأنّ الحقيقة هي الخطوة الأولى نحو استعادة الثقة.

إنّ إعادة الودائع مع الفوائد لن تمح ما حدث. فالضرر لم يكن مالياً فقط، بل كان إنسانياً واجتماعياً ونفسياً. إعادة الأموال حق طبيعي وليست منّة من أحد. أمّا استعادة الثقة، فلا تتحقق إلّا عندما يطمئنّ المواطن إلى أنّ ما جرى لن يتكرّر، بفضل قوانين عادلة، وإدارة شفافة، ومحاسبة فعلية لكل مَن أساء الأمانة.

وأخيراً، إلى الحاكم السابق لمصرف لبنان، رياض سلامة: قد يكون همّك اليوم الدفاع عن نفسك في المحاكم وحماية حريّتك، لكن هل فكّرت يوماً بلقاء الخالق؟ وهل فكّرت بيوم الحساب، يوم لا تنفع السلطة ولا النفوذ ولا المال؟ إن كنت تبحث عن أن تخفّف الحمل الذي تحمله، فابدأ بكشف الحقيقة كاملة. قل للناس ماذا جرى، وكيف جرى، ومَن استفاد، ومَن اتخذ القرارات، ومَن تحمّل المسؤوليات. قد لا يغيّر ذلك ما حصل، لكنّه يمنح الناس حقهم في معرفة الحقيقة، وهي أقل ما يستحقونه بعد كل ما عاشوه. ولا تنسَ أنّ الإنسان لا يورّث أبناءه وأحفاده المال وحده، بل يورّثهم أيضاً إرث أفعاله وسمعته، وهذا سيجعل أولادك وأحفادك وأولاد وأحفاد شركائك المسؤولين عن جريمة القرن، يحملون هذا الصيت السيئ، ويبقون في حالة خوف من عقاب لن يعرفوا من أين سيأتي. مراجعجغرافية

والكلام نفسه موجّه إلى كل مسؤول شارك، بالفعل أو بالصمت أو بالتغطية، في هذه المأساة. قد تنجون من محكمة الأرض، لكن لا أحد ينجو من محكمة الضمير، ولا مَن يوم يقف فيه الإنسان أمام خالقه ليسأل عن الأموال التي ضاعت، والأعمار التي انهارت، والأحلام التي سُرقت، والآلام التي تسبَّب بها للناس. قبل فوات الأوان، راجعوا ضمائركم، فالتاريخ لا ينسى، والعدالة الإلهية لا تسقط بمرور الزمن.

 

بواسطة
فادي عبود
المصدر
الجمهورية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى