أخبار لبنانابرز الاخبارسياسة

آب الثاني يطوي آب الأول (نداء الوطن 7 آب)

في السياسة كما في التاريخ، لا تُقاس قيمة القرارات بما يُكتب في محاضر الجلسات، بل بما يترتّب عليها من نتائج على الأرض. ومن هذه الزاوية تحديدًا، يبدو أن آب 2026 جاء ليطوي صفحة آب 2025، أو على الأقل ليعيد تقويمها على ضوء الوقائع التي شهدها لبنان خلال العام المنصرم.

في آب 2025، أعلن مجلس الوزراء اللبناني إنجاز المرحلة الأولى من خطة حصر السلاح بيد الجيش اللبناني جنوب نهر الليطاني. يومها، قُدِّم القرار على أنه خطوة مفصلية نحو استعادة الدولة احتكارها للقوة العسكرية في منطقة كانت لعقود خارج السيطرة الكاملة للدولة.

لكن الأشهر اللاحقة كشفت أن الواقع كان مختلفًا. فالحرب التي اندلعت في الثاني من آذار 2026 لم تكن مجرد مواجهة عسكرية جديدة، بل كانت دليلا عمليًا على أن عملية حصر السلاح لم تكن قد اكتملت فعليًا.

اليوم، وبعد عام واحد فقط، تنعقد في روما مفاوضات لبنانية – إسرائيلية، والمفارقة أن هذه الاجتماعات تأتي في وقت تبدو فيه الظروف الميدانية مختلفة جذريًا.

وهنا تكمن أهمية اجتماعات روما. فهي لا تنطلق من فرضيات أو وعود أو خطط مستقبلية، بل من واقع جديد قائم بالفعل. فالدولة اللبنانية باتت، للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، تمتلك فرصة حقيقية لترجمة مبدأ حصرية السلاح إلى ترتيبات أمنية وسياسية ثابتة. كما أن المجتمع الدولي، والولايات المتحدة تحديدًا، ينظران إلى هذه اللحظة باعتبارها فرصة تاريخية لإغلاق أحد أكثر الملفات حساسية على الحدود اللبنانية الجنوبية.

ولعل أبرز ما يميّز مفاوضات آب 2026 أنها لا تبحث فقط في وقف التوتر أو منع الحرب المقبلة، بل في تثبيت واقع جديد يجعل الحرب أقل احتمالا من الأساس.

صحيح أن الطريق لا تزال طويلة، وأن أي تسوية دائمة تحتاج إلى توافقات داخلية وإقليمية معقدة، لكن الحقيقة التي يصعب تجاهلها هي أن ما عجزت عنه قرارات مجلس الوزراء في آب 2025 قد تتمكن من تحقيقه الوقائع التي نشأت بعد حرب آذار 2026. فالسلطة الفعلية على الأرض غالبًا ما تكون أقوى من النصوص، والتوازنات الجديدة قد تمنح الدولة اللبنانية ما افتقدته سابقًا من قدرة على التنفيذ.

لهذا، يمكن القول إن آب الثاني يطوي آب الأول. ليس لأن القرار الأول كان خاطئًا، بل لأنه كان سابقًا لظروفه.

بواسطة
جان الفغالي
المصدر
نداء الوطن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى