«حزب الله» المعارض الوحيد… والصحناوي المستفيد الأول | حكومة سلام: ثناء على «سوليدير» وتمديد لـ14 عاماً! (الأخبار 7 آب)

لا يختلف اثنان على أن مشروع «سوليدير»، الذي أُطلق لإعادة إعمار وتنظيم وسط بيروت بعد الحرب الأهلية، تحوّل سريعاً إلى إشكالية كبرى في لبنان، بعدما أسهم عملياً في إفراغ قلب العاصمة من دوره الاقتصادي والاجتماعي، وتحويله مع مرور الوقت إلى عملية سطو على الأملاك الخاصة. فقد انتُزعت عقارات اللبنانيين مقابل منحهم أسهماً في الشركة، قبل أن يتبيّن لاحقاً أن قيمة هذه الأسهم لا تعكس القيمة الفعلية للأملاك التي استُبدلت بها. ثم اكتملت الحلقة عبر إقناع عدد كبير من المساهمين بعدم جدوى الاحتفاظ بأسهمهم، لتعود الشركة وتشتريها منهم بأسعار متدنية.
وقد جرى كل ذلك بغطاء تشريعي وتنفيذي وقضائي استثنائي، بدأ منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي، ما سمح للشركة بتوسيع نطاق عملها وإضافة أنشطة جديدة إلى مهامها الأساسية، من بينها شراء وبيع العقارات والاستثمار في لبنان والخارج. كما جرى تمديد مدة عملها من 25 إلى 35 عاماً بموجب مرسوم حكومي، أي حتى عام 2029.
إلا أن التطور الأكثر إثارة للقلق في السنوات الأخيرة تمثّل في تمكّن رجال أعمال ومصرفيين كبار من الاستحواذ على حصص وازنة في الشركة، بما يتجاوز القيود القانونية على تملّك الأسهم. وتبرز في هذا السياق حال المصرفي أنطون الصحناوي، الذي تُقدّر ملكيته الفعلية بنحو ثلث أسهم الشركة، ما يمنحه، وفق القواعد الناظمة للأسواق المالية، القدرة على عرض هذه الأسهم للتداول في الأسواق الخارجية. وقد أثار ذلك مخاوف من احتمال انتقال جزء من ملكية الشركة إلى جهات أجنبية، بما فيها شركات صهيونية، تحت ذريعة ارتباط بعض العقارات التي كانت ضمن نطاق «سوليدير» بمالكين يهود لبنانيين سابقين.
لكن، يبدو أن حكومة نواف سلام لا تنظر إلى هذه الشركة من زاوية إنصاف أصحاب الحقوق، بل من عين الصحناوي، فتجنّد مجلس الوزراء في خدمة الصحناوي على حساب المواطنين، عبر منحه مزيداً من الامتيازات لمراكمة مزيد من الأرباح، وتبيّن أن اللجنة الوزارية التي شكلت لبحث مشروع تمديد مهلة عمل الشركة مجدداً، حاولت إيجاد «توليفة» لتبرير الخطوة، بعد الحملة الإعلامية التي شنّت ضدّ التجديد لـ«سوليدير». فخرجت بتقرير من المقرر عرضه على مجلس الوزراء اليوم، لا تحلم حتى الشركة العقارية بصياغته، وهو يتألف من أربع صفحات، الأولى والأخيرة مخصصتان للثناء على عمل «سوليدير»، والثانية والثالثة بمثابة براءة ذمة لتمرير التمديد.
وبحسب معلومات «الأخبار»، فإن اتصالات جرت مع الرؤساء الثلاثة جوزيف عون ونبيه بري وسلام ومع النائب السابق وليد جنبلاط ورئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع للحصول على التغطية اللازمة في الحكومة، إذ يتوقع أن يحظى مشروع القرار بأغلبية الأصوات، فيما قرر حزب الله التصويت ضد المشروع. علماً أن المسودة الأولى كانت تطالب بتمديد عمل الشركة لـ75 سنة إضافية.
سلام في خدمة الصحناوي
يذكر التقرير مسائل ترغب الحكومة ببحثها مع الشركة قبل «إطالة» عمرها، بينها تقديم الشركة مستندات قانونية كبراءة الذمة الضريبية وتدقيق حسابي وقرار صادر عن الجمعية العمومية بالتمديد. غير أن المعروف للمواطن العادي، كما أصحاب المعالي، أن «سوليدير» معفاة من الضرائب ورسوم تسجيل الأراضي عند البيع. وبالتالي، هذه هي المخالفة الأولى التي تستدعي محاسبة الدولة، قبل الشركة. والمعروف أيضاً أن الجمعية العمومية لم تنعقد منذ عامين. وعليه، تسقط «سوليدير» في امتحان النقطة الأولى.
وفي التقرير، تطرح الحكومة «تمديداً على مراحل»: تمديد أولي لثماني سنوات، قابل للتجديد ست سنوات؛ ما يعني منح الشركة 14 عاماً إضافياً، إضافة الى السنوات الثلاث المتبقية من عمرها.
ثلاثة مسارات أمام الحكومة غير التمديد للواقع الحالي: التصفية الكاملة أو التفكيك المُدار أو التجديد المشروط
غير أن اللجنة، ومن باب الحرص على «المصلحة العامة»، لا تنسى وضع غرامات مالية على أي تأخير في تنفيذ عدد من الالتزامات التي تعهدت بها الشركة تجاه الدولة. ولمزيد من الاستخفاف بعقول الناس، تربط اللجنة الالتزامات بالبيان الوزاري لحكومة «الإصلاح والإنقاذ»، الذي تعهدت فيه «بقيادة لبنان نحو نموذج اقتصادي منتج». هكذا، تريد حكومة سلام «الإصلاحي» من الصحناوي الذي يحتجز أموال المودعين ويستحوذ اليوم مع رفاقه على شركة خاصة قامت كما مصرفه بنهب الأملاك الخاصة، أن يكون أميناً على المنفعة العامة ويعمل لأجلها! وبذلك، بات الصحناوي اليوم مكلّفاً بالحفاظ على المساحات العامة والواجهة البحرية (المردومة والمخصخصة)، واستكمال تطوير ساحة الشهداء عبر إعداد وتنفيذ خطة للنقل ومسارات المشاة، وإنشاء وإنجاز متحف تاريخ مدينة بيروت اللبناني (وليس الصهيوني!)، وترميم المسرح الكبير، وتطوير حديقة الغفران، واستكمال تطوير الحوض الشرقي، وغيرها من الالتزامات التي كان يفترض بالشركة تنفيذها منذ العام 1994، وباتت أقرب إلى الأحلام!
وتجدر الإشارة هنا إلى أن قانون إنشاء الشركة ينص على تصفيتها بحلول العام 2019، وتوزيع الأرباح على المساهمين وتسليم صلاحيتها إلى بلدية بيروت. لكنها استحدثت لنفسها العديد من المهام الجديدة في إطار السطو الإضافي على الأملاك العامة وردم البحر وبيعه.
بيع الدولة لـ«سوليدير»
في هذا السياق، أنجز «مختبر المدن – بيروت» في الجامعة الأميركية دراسة حول رخصة «سوليدير»، طارحاً ثلاثة مسارات أمام الحكومة: التصفية الكاملة أو التفكيك المُدار أو التجديد المشروط. وتعرض الدراسة واقع حصول الشركة على دعم من الدولة بقيمة ثلاثة مليارات دولار واحتيالها على أصحاب الحقوق واستفادتها من امتيازات مخالفة للقانون. وتقدر رصيدها العقاري بقرابة 1.35 مليون متر مربع، بعدما كان يتجاوز أربعة ملايين متر مربع.
وبحسب الدراسة، حصلت «سوليدير» على إعانات عامة بنحو ثلاثة مليارات دولار، إضافة إلى حقوق ردم البحر واستحداث أرض على الواجهة البحرية بقيمة مليارَي دولار، وإعفاءات ضريبية تقارب 470 مليون دولار. ووضعت يدها على أراضٍ للدولة وخليج السان جورج، وعدّلت في بعض التصاميم التوجيهية لمصلحتها، واستفادت من قرار بلدي بتخفيض إيجار أراضٍ للبلدية من ثمانية دولارات للمتر المربع إلى دولارين فقط، وقروض مدعومة من الدولة، وحقوق استثمار المرفأ الشرقي لمدة 50 عاماً، أي لمدة تتجاوز عمر الشركة!
حتى أن الدولة باتت هي من تستأجر العقارات من «سوليدير» وتؤمّن لها الإيرادات، كمبنى «إسكوا» الذي يبلغ رسم إيجاره سبعة ملايين دولار سنوياً ومبنيين آخرين بنحو 15 مليون دولار. فيما لم تنفذ الشركة بالمقابل مشروع الحدائق العامة والمتحف ومواقف السيارات. وعليه، تشدد الدراسة على أنه ينبغي للحكومة قبل الشروع في أي تفاوض، محاسبة «سوليدير» على الالتزامات التي لم تنفذها، ووضع شروط مسبقة لأي تمديد، على أن يكون محدوداً، أي لمدة عامين، بغية إتاحة المجال أمام الشركة لإثبات حسن نيتها. وينبغي أيضاً تقييم القيمة السوقية للشركة التي تبلغ نحو 1.6 مليار دولار، فيما تدّعي هي أنها تبلغ 3.5 مليارات دولار. ومن ثمّ، إعادة كل ما يتجاوز خط الأساس، أي 1.6 مليار دولار، إلى المدينة أو للخزينة العامة.
وبعد ذلك، يمكن الركون إلى مسار من المسارات الثلاثة:
– التصفية؛ عبر بيع الأراضي بمزاد علني، على أن «طرح 1.35 مليون متر مربع دفعة واحدة يرجح أن تستحوذ عليها حفنة من المستثمرين ذوي العلاقات الجيدة، وﺗﻌﻴﺪ إﻧﺘﺎج السيطرة المركزة نفسها التي طبعت احتكار سوليدير».
– التجزئة؛ عبر تقسيم الشركة إلى اثنتين أو ثلاث لتتنافس في ما بينها، وهو الخيار الأنسب بحسب الدراسة، لكنه يتطلب رقابة مؤسسية من دون التواطؤ بين أصحاب المصلحة، ومساءلة وحوكمة يصعب ضمانها في لبنان.
– تجديد الشروط؛ وينطلق من سقف للأرباح وجدول زمني قابل للتنفيذ وقيمة مستعادة يعاد استثمارها في المدينة الأوسع. وفي حال عدم الحصول على التنازلات اللازمة، ينبغي على الحكومة بحسب الدراسة، رفض تجديد تفويض «سوليدير» والنظر في نقل إدارة العقارات إلى كيان مستحدث قائم على شراكة بين القطاعين العام والخاص أو إلى شراكة مع جهة غير ربحية.
فهل تحاسب حكومة «الإصلاح والإنقاذ» شركة «سوليدير» أم سترضخ لأصحاب النفوذ ورعاتهم 20 سنة إضافية؟
أصحاب الحقوق يحذّرون الحكومة
حذّر تجمع أصحاب الحقوق في وسط بيروت التجاري مجلس الوزراء من الإقدام على «تمديد عمر شركة سوليدير، بما هو بمثابة إعطاء امتياز تجاري طويل الأمد، بما يخالف المادة 89 من الدستور التي تنص على: عدم جواز منح أي امتياز لاستغلال مورد أو مصلحة ذات منفعة إلا بموجب قانون، وإلى زمن محدود». واعتبر التجمع، في بيان أمس، أن «الإقدام على هكذا خطوة سيكون خطأ جسيماً تقع فيه الحكومة، قانونياً أولاً، لأنه سيُرفض من هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل، وسياسياً ثانياً، لأنه سيضع وسط بيروت، وبالتالي قلب البلاد، تحت رحمة شركة غاصبة وظالمة وفاشلة».
يشار إلى أن أصحاب الحقوق كانوا قد طعنوا بالمشروع منذ سنواته الأولى، ثم جرت طعون بكل قرارات تمديد عمر الشركة أمام مجلس شورى الدولة، فيما أدت التدخلات السياسية إلى رفض الطعون.



