«جريمة حرب تستدعي المحاسبة» | تحقيقات حقوقية دولية: إسرائيل قتلت آمال خليل عمداً (الأخبار 7 آب)

بعدما أهملت الدولة اللبنانية، بأجهزتها الرسمية والأمنية والقضائية، على مدار ثلاث سنوات، توثيق الجرائم الإسرائيلية بحق المدنيين والمسعفين والصحافيين، رغم توافر الأدلة الكافية، قامت منظمات حقوقية دولية بسدّ الفراغ.
وهو ما حصل في جريمة اغتيال الصحافية في جريدة «الأخبار» آمال خليل، في 22 نيسان الماضي، في بلدة الطيري الجنوبية، إذ خلصت تحقيقات أجرتها منظمات «العفو الدولية» و«هيومن رايتس ووتش» و«المفكرة القانونية» إلى توافر أدلة كافية تؤكد «قتل الجيش الإسرائيلي آمال (خليل) عمداً، مع علمه مسبقاً بصفتها المدنية والصحافية، ما يستوجب التحقيق في مقتلها بوصفه جريمة حرب تستدعي المحاسبة».
وفي مؤتمر صحافي عقد أمس، في سينما «متروبوليس» في مار مخايل، تحت عنوان: «اغتيال إسرائيل للصحافية آمال خليل: أدلة على جريمة حرب»، استعرضت الصحافية في «المفكرة القانونية» إيناس شري ثلاثة مؤشرات على أن قتل آمال ينبطق عليه تصنيف جريمة الحرب، وهي: استهداف مبنى لجأت إليه، عرقلة عمل المسعفين وسيارات الإسعاف وعِلم المعتدي المسبق بأن في الملجأ امرأة مدنية صحافية. صحيح أن آمال لم تكن تلبس الخوذة والدرع لأنها نزلت من سيارتها على عجل، لكن «الإسرائيلي كان يعرف أنها في الداخل ويعرف جيداً مَن تكون آمال خليل»، تؤكد شري.
وتشرح لـ«الأخبار» أن التحقيق «استغرق ثلاثة أشهر، وارتكز على شهادات حية ومواد بصرية خاصة تشمل صوراً ومقاطع فيديو، بالتعاون مع الصحافية الناجية زينب فرج وصحافيين آخرين وأهالي الضحية الذين تواصلت معهم آمال قبل استهدافها». لكن «التحدي الأكبر كان في الوصول إلى البيانات من المصادر الرسمية، مثل توقيت الحصول على أذونات الإنقاذ، إذ لم يجب الجيش اللبناني على أسئلتنا، بينما حصلنا على إجابات من مصادر غير رسمية في اليونيفل».
وبحسب الخط الزمني لجريمة قتل آمال الذي نشرته «المفكرة القانونية» (تجدونه كاملاً في الصورة المرفقة)، وقعت بين الساعة (15:21 و15:41) غارة من مسيرة إسرائيلية على سيارة آمال المتوقفة خلال وجود الأخيرة مع زينب على مقربة منها، فأصيبتا واحتمتا في مبنى قريب. ثم عند الساعة (16:25)، وقعت غارة أخرى من الطيران الحربي الإسرائيلي على المبنى الذي لجأتا إليه. وبعد دخول الصليب الأحمر إلى الطيري بموافقة حصل عليها عبر «الميكانيزم»، تمكن من إنقاذ زينب، إلّا أنه أُجبر على المغادرة قبل إنقاذ آمال، بسبب إلقاء قنبة صوتية عليه. بعدها، عند الساعة (18:23) تحديداً، طلب الصليب الأحمر الدخول إلى الطيري مجدداً عبر «الميكانيزم» و«اليونيفل»، فحصل عليها عند الساعة (20:15)، ووصل إلى الموقع بعد خمس دقائق. لكن قلب آمال كان قد توقف عند الساعة (19:00)، بسبب نزيف حاد ناتج عن إصابة في الرأس.
تحقيق «العفو الدولية»، وفقاً للصحافية سحر مندور، كذلك خلص إلى أن «الجيش الإسرائيلي كان يعلم أن امرأتين مدنيتين تحتميان داخل المبنى، ومع ذلك أغار عليهما في هجوم مباشر يصنف كجريمة حرب»، علماً أن «القانون الدولي واضح بشأن حماية المدنيين».
وأيضاً، كشف الباحث رمزي قيس خلاصة التحقيق الذي أجرته «هيومن رايتس ووتش» بعد جمع أدلة من ثمانية شهود، إضافةً إلى 35 صورة ومقطع فيديو، تظهر بعضها استهداف الفرق الإسعافية لقطع الطريق على إنقاذ آمال. وعليه، أكد أن جريمة استهداف الجسم الصحافي والإسعافي «متعمدة»، ولا سيما أن «تاريخ وفاة آمال بحسب تقرير المستشفى سجل عند السابعة مساء، ما يعني أن آمال كانت على قيد الحياة بعد الاستهداف، لكن الجيش الإسرائيلي قطع أي سبيل لنجاتها، ولم يسمح بالوصول إليها، إلا بعدما تأكد من وفاتها».
التحدي الأكبر في توثيق جريمة قتل آمال خليل كان الوصول إلى البيانات الرسمية
وفي السياق نفسه، تشير شري إلى أن «أغلب من التقيناهم لجمع الأدلة قالوا لنا: كان بدهم يقتلوها». وهذا ما تؤكده أيضاً رئيسة «اتحاد الصحافيين والصحافيات»، إلسي مفرج، معتبرةً أنه «لو دخل 30 مسعفاً لإنقاذ آمال لقتلتهم إسرائيل جميعهم، لأن الهدف كان قتل آمال، كونها لم تكن فقط تنقل المعلومة، وإنما كانت مصدراً للمعلومات لأكثر من وسيلة إعلامية».
غير أنها أسفت لـ«أننا لم نجد جميع هذه الوسائل بيننا اليوم». كما سخرت مما جاء في المادة 13 من اتفاق الإطار بين لبنان والعدو الإسرائيلي من تعهد بـ«وقف جميع الأعمال العدائية أو المناوئة في المحافل السياسية أو القانونية الدولية»، عبر إشارتها إلى أن «هذه الأعمال لم تنطلق أصلاً». وهذا ما استنكره شقيق آمال، علي خليل، مشيراً إلى أنه لجأ إلى الدولة «لتساعدنا في مقاضاة إسرائيل على عملها الإرهابي المكتمل الأركان، لكنها أسقطت حقنا عبر توقيع اتفاق الإطار».
وبوجه شاحب وصوت متعب، عبّرت المصورة الصحافية الجريحة كريستينا عاصي، التي نجت من استهداف إسرائيلي مباشر في بلدة علما الشعب الجنوبية، في 13 تشرين الأول 2023، عن خيبتها «بعد ثلاث سنوات من المطالبة بحق المصور الشهيد عصام عبد الله من دون أي نتيجة، وها نحن بعد ثلاث سنوات لا نزال نطالب بالعدالة». وبينما «نعرف جيداً ما هو هدف إسرائيل من قتلنا»، تسأل عاصي عن «هدف الحكومة من توقيع اتفاق إطاري يعفي إسرائيل من العقاب على الجرائم التي ارتكبتها في المحافل الدولية».
عموماً، هناك يأس جماعي من النظام الذي «يحمي المجرمين ويعطل القضاء ويشرع الإفلات من العقاب…» ومع ذلك الجسم الصحافي وأهالي الضحايا «مكفيين» في التوثيق وجمع الأدلة في سبيل تحقيق العدالة لآمال وعشرة صحافيين قبلها قتلتهم إسرائيل، ولمواجهة الإفلات من العقاب ودحض السردية الإسرائيلية. وفي إطار عملية التوثيق المستمرة، دعت مفرّج «كل من لديه معلومة أو صورة إلى مشاركتها مع المفكرة القانونية واتحاد الصحافيين والصحافيات». كما أشارت إلى «مسار آخر يقوم على التواصل مع أهالي الضحايا لمعرفة استعدادهم لرفع دعاوى جزائية فردية أمام القضاء اللبناني، هدفه وضع الأخير أمام مسؤوليته، وتعبيد الطريق أمام رفع دعاوى قضائية في الخارج».



