أخبار لبنانابرز الاخبارسياسة

سوريا… نقطة انطلاق تطويق “الحزب” (نداء الوطن 7 آب)

ليست المرة الأولى التي يُطرح فيها ملف سلاح “حزب الله” على الطاولة الدولية، لكنها المرة الأولى التي تُطرح فيها سوريا جديًّا، بعد التحولات السياسية التي شهدتها، كجزء من هذا النقاش. وهذا بحد ذاته يكشف أن المسألة لم تعد تقتصر على مستقبل سلاح “الحزب”، بل باتت تتصل بإعادة رسم موازين النفوذ في المشرق.

فلو كان الهدف فعلا إرسال الجيش السوري إلى لبنان، لكانت دمشق أول الرافضين. فهي تدرك أن أي عودة عسكرية إلى لبنان ستنسف الصورة التي تعمل على ترسيخها منذ وصول أحمد الشرع إلى السلطة، والقائمة على استعادة الشرعية العربية والدولية، لا إحياء إرث الوصاية السورية. لذلك، جاء نفي الشرع السريع لهذا السيناريو تأكيدًا على هوية سياسية جديدة لسوريا، أكثر منه مجرد رد على تسريب إعلامي.

لكن إذا كانت دمشق لا تريد هذا الدور، فلماذا خرجت الفكرة إلى العلن أصلا؟

بالتوازي، اكتسبت التحركات العسكرية السورية الأخيرة على الحدود مع لبنان أهمية استثنائية، بعدما عززت دمشق انتشار قواتها تحت عنوان ضبط الحدود ومكافحة التهريب. غير أن تزامن هذه الخطوة مع تصاعد الضغوط على “حزب الله” جعلها تبدو جزءًا من مشهد سياسي أوسع، عنوانه إعادة تنظيم الحدود باعتبارها أحد مفاتيح المرحلة المقبلة.

من هنا تبدأ القراءة السياسية. فمجرد طرح الفكرة، حتى وإن لم تكن قابلة للتنفيذ، يحمل في ذاته أكثر من رسالة. فالولايات المتحدة تبدو وكأنها تؤكد أن الضغوط على “حزب الله” لم تعد تقتصر على الضربات الإسرائيلية أو العقوبات الاقتصادية، بل امتدت إلى إعادة تشكيل البيئة الإقليمية التي وفرت له عمقًا استراتيجيًا لعقود. وفي المقابل، توجه رسالة إلى دمشق مفادها أن أي انفتاح عربي أو غربي عليها سيظل مرتبطًا بمدى انسجامها مع الترتيبات الإقليمية الجديدة، لا بمجرد تغيير القيادة السياسية.

في المقابل، يدرك أحمد الشرع أن أي خطوة غير محسوبة قد تضعه في مواجهة مع إيران، أو مع شريحة من اللبنانيين، أو حتى مع الداخل السوري الذي أنهكته سنوات الحرب. لذلك، يبدو حريصًا على الحفاظ على هامش من التوازن بين القوى الإقليمية، وتقديم نفسه كشريك في الاستقرار، لا كطرف في صراع جديد.

أما “حزب الله”، فمن المرجح أنه ينظر إلى هذه التطورات من زاوية تتجاوز البعد العسكري. فالمسألة لا تتعلق بالسلاح وحده، بل بالبيئة السياسية والجغرافية التي سمحت ببقائه وتطوره. وإذا كانت سوريا تمثل في السابق عمقًا استراتيجيًا لـ”الحزب”، فإن تشديد الرقابة على الحدود، إلى جانب مجرد الحديث عن دور سوري مختلف، يوحي بأن قواعد اللعبة التي حكمت المنطقة طوال العقود الماضية بدأت تتغير.

لكن السؤال الأهم يبقى: هل المقصود فعلا أن ينزع الجيش السوري سلاح “حزب الله”؟

الوقائع لا تدعم هذا الاحتمال. فلا الجيش السوري يملك القدرة السياسية والعسكرية على خوض معركة بهذا الحجم، ولا الولايات المتحدة تبدو راغبة في التورط في سيناريو قد يفجر لبنان، ولا إسرائيل تبدو معنية بفتح جبهة جديدة إذا كان بالإمكان تحقيق النتيجة نفسها بوسائل أقل كلفة.

لذلك، قد يكون الهدف الحقيقي مختلفًا تمامًا. فبدلا من نزع السلاح بالقوة، يبدو أن العمل يجري على تفكيك البيئة التي تحميه تدريجيًّا. فالحدود تصبح أكثر إحكامًا، وخطوط الإمداد أكثر صعوبة، والتمويل أكثر تعقيدًا، والحركة أكثر مراقبة، فيما يتراجع الغطاء الإقليمي تدريجيًا. إنها استراتيجية تقوم على استنزاف عناصر القوة خطوة بعد أخرى، حتى يتحوّل السلاح من ورقة نفوذ إلى عبء سياسي واقتصادي.

ومن هنا، قد لا يكون إدخال اسم سوريا في هذا النقاش سوى مؤشر على إعادة تموضع إقليمي أوسع، تتبدل فيه الأدوار والتحالفات أكثر مما تتبدل الجيوش على الأرض. فالرسالة ليست أن الجيش السوري سيعبر الحدود، بل أن الحدود نفسها لم تعد تؤدي الدور الذي لعبته طوال السنوات الماضية.

إذا صح هذا التقدير، فإن إدخال سوريا إلى هذا النقاش لم يكن هدفه البحث عن قوة تنزع سلاح “حزب الله”، بل الإعلان عن ولادة مرحلة إقليمية جديدة تتبدل فيها قواعد النفوذ. ففي السابق، كان التركيز ينصب على السلاح نفسه، أما اليوم فيبدو أن الجهد يتجه إلى إعادة تشكيل البيئة التي أنتجته وحمته طوال سنوات. وإذا استمرت هذه المعادلة، فقد لا يكون السؤال في المرحلة المقبلة متى يُنزع السلاح، بل ما إذا كان سيبقى قادرًا على الاحتفاظ بالدور الذي منحه إياه ميزان القوى في العقود الماضية.

 

بواسطة
ناديا غصوب
المصدر
نداء الوطن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى