طبقة جديدة من «أثرياء المرحلة»: السوريون لا يلمسون انفراجاً اقتصادياً (الأخبار 20 حزيران)

على الرغم من مرور عام ونصف عام على التحوّل السياسي في البلاد، لم تنفرج الأوضاع الاقتصادية والمعيشية مثلما كان يتمنّى السوريون، بل باتت مرشّحة لأن تكون أكثر سوءاً من ذي قبل. فالغلاء المتدحرج وضعف الدخل الحقيقي، يطْبقان اليوم على حياة نحو 83% من الأسر، التي يوصف أمنها الغذائي رسمياً بالهشّ أو بالمعدوم. ويحدث ذلك على الرغم من الانفتاح الخارجي الواسع على النظام الجديد، الذي تُوِّج بإلغاء الإدارة الأميركية لقانون «قيصر»، وتعليق الأوروبيين العديد من عقوباتهم المفروضة على بعض مؤسّسات الدولة وجوانب التعاون الاقتصادي والفني.
على أن ما يحدث اقتصادياً اليوم، كان متوقَّعاً في خضمّ ما شهدته البلاد خلال الفترة الماضية من إجراءات حكومية «صادمة»، وتلاشي الآمال في إمكانية الحصول على دعم استثماري خارجي مؤثّر، فضلاً عن الأحداث الإقليمية والدولية التي أثّرت في اقتصادات جميع الدول، ولا سيما في ما يتعلّق بتبعات الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، وإغلاق مضيق هرمز. هذه العوامل مجتمعةً انعكست آثارها سلباً على معظم المؤشرات الاقتصادية في البلاد، ومن أبرزها مؤشران أساسيان هما: واقع الإنتاج المحلّي، والإيرادات العامّة المتحقّقة. فالمؤشر الأول له تأثير مباشر على سوق العمل وتوفير السلع، وبالتالي على مستوى القوة الشرائية للفرد والأسرة، في حين يُظهِر الثاني حجم الإنفاق الجاري والاستثماري لمؤسّسات الدولة، الذي يقود بدوره إلى تحديد مستوى الخدمات الأساسية التي تقدّمها تلك المؤسسات للسكّان.
نتائج لا تكذب
لا تتوفّر حتى الآن بيانات إحصائية مستقلّة وموضوعية يمكن الاستناد إليها في تقييم واقع الإنتاج المحلّي خلال العام الفائت. إلّا أن المؤشرات الأوّلية تتحدّث عن استمرار اتّساع الفجوة المتشكّلة بين حجم الإنتاج المحلّي الفعلي والاحتياجات الوطنية. وهذا لا يتناقض مع التصريحات الرسمية التي تتحدّث عن زيادة عدد المعامل المُرخّصة أو تلك التي عادت إلى الإنتاج؛ فالزيادة العددية هنا ليست وحدها كافية ما لم ترتبط بزيادة حقيقية على مستوى وحدات الإنتاج، خاصة أن العديد من المعامل والشركات التي يجري الحديث عنها لم تدْخل ميدان الإنتاج بعد، بينما يعمل بعضها الآخر بحذر شديد. وكانت شهدت الفترة الماضية صدور عدّة قرارات حكومية من شأنها أن تؤدّي بطبيعة الحال إلى تباطؤ الإنتاج المحلّي أو التسبّب بتراجعه. ومن بين أهمّ تلك القرارات: تحرير أسعار المشتقّات النفطية، وزيادة أسعار الكهرباء، وفتح باب استيراد السلع والبضائع المُصنّعة ونصف المصنّعة، وإعطاء الأولوية للمستثمر الأجنبي، وفرض سلف ضريبية، وغيرها. وهكذا وجد المنتج الوطني نفسه في مواجهة منافسة غير متكافئة، وارتفاع في كلف الإنتاج والتسويق من ناحية، وإغراق سلعي واسع، مستورَد ومهرّب، من ناحية أخرى.
ولربّما يمكن تلمّس حقيقة الوضع المتأزّم للإنتاج المحلّي من خلال النتائج المتحقّقة فعلياً، والمتمثّلة في: انخفاض سعر الصرف واستعادته المستوى المُسجَّل قبل نحو عامَين، استمرار ارتفاع معدّلات البطالة من جرّاء محدودية فرص العمل المتوفّرة، الشكوى الشعبية الواسعة من ضعف الدخول والغلاء المتصاعد، تراجع دورة النشاط الاقتصادي العام في البلاد، تدنّي حجم الصادرات، وغير ذلك.
لا تتوفّر حتى الآن بيانات إحصائية موضوعية يمكن الاستناد إليها في تقييم واقع الإنتاج المحلّي خلال العام الفائت
أولويات الإنفاق
مع أن وزارة المالية أعلنت تحقيق إيرادات في العام الماضي بلغت قيمتها نحو 384 مليار ليرة جديدة (3.4 مليارات دولار)، إلا أن ما تمرّ به البلاد، من استمرار العمل بسياسة حبس السيولة لدى المصارف، وتأخّر صرف رواتب العاملين وأجورهم في مؤسسات الدولة، وترشيد الإنفاق الحكومي بشقَّيه الجاري والاستثماري ليطاول حتى قطاعَي الصحة والتعليم، ورفع أسعار السلع والخدمات، كلّها مؤشرات تطرح تساؤلات حول مدى صحّة هذا الرقم من الإيرادات، وأوجه إنفاقه، والأهمّ مصادره الحقيقية.
لكن لماذا لم يلمس السوري تأثيرات تلك الإيرادات من حيث الخدمات العامة المُقدَّمة له؟ بحسب بيانات وزارة المالية المُشار إليها آنفاً، زادت إيرادات العام الماضي بنسبة 220% عن نظيرتها المُتحقَّقة فعلياً في عام 2024. كما أن إيرادات الربع الأول، وفقاً لتقديرات موازنة العام الحالي، يُفترض أنها تجاوزت، كمعدّل وسطي، نحو مليارَي دولار، أي ما نسبته 62% من إجمالي نظيرتها العام الماضي.
مع ذلك، تُظهِر معاناة المواطنين مع خدمات المستشفيات العامّة وغيرها من الخدمات الأساسية التي تقدّمها مؤسّسات الدولة، وجود تراجع ملحوظ في توافر المستلزمات الأساسية والأدوية الضرورية مقارنة بما كان قائماً سابقاً. ويطرح هذا التراجع علامات استفهام حول أولويات الإنفاق الحكومي ومصير تلك الإيرادات، خاصة أن الحكومة تخلّصت، منذ الأيام الأولى للتحوّل السياسي، من عبء الدعم الحكومي، ومن رواتب ما بين 600 ألف و800 ألف شخص جرى تسريحهم من مؤسّسات الجيش السابق والأجهزة الأمنية والشرطية وبعض المؤسّسات المدنية، إضافة إلى تقليص الإنفاق الاستثماري أو تجميده طيلة العام الفائت.
يرى البعض في ما سبق تحليلاً غير موضوعي، مستشهداً بالزيادات العامّة والنوعية التي تمّت على رواتب العاملين في مؤسّسات الدولة وأجورهم، إلا أنه يغفل أن هذه الزيادات جاءت على حساب ملايين الأسر، سواء عبر تحميلها تبعات تحرير أسعار المشتقّات النفطية ورفع الدعم عن سلع أساسية أخرى بنسب مختلفة، أو عبر تحميل بعضها تبعات تسريح الآلاف من أبنائها. كما أنه يغفل أن إجراءات الحكومة التضخّمية المستمرّة أبطلت مفعول هذه الزيادات إلى حدّ كبير.
وهم الإصلاح
كما هو الحال في المرحلة السابقة، لا يمكن إلقاء مسؤولية تدهور الأوضاع الاقتصادية على تركة الحرب والاضطرابات الإقليمية فقط. فالسياسات المُتّبَعة حالياً في إدارة الملف الاقتصادي، التي تتّسم بالعشوائية والضبابية والمحسوبيات، تتحمّل جزءاً كبيراً من المسؤولية. فعلى سبيل المثال، جرت عملية إعادة هيكلة بعض المؤسّسات الاقتصادية الاستراتيجية في ظلّ غياب برنامج وطني متكامل لإصلاح القطاع العام، فكانت النتيجة تشكُّل مجموعة من الجزر المؤسّساتية التي تتنافس في ما بينها على الصلاحيات والسلطات، وصولاً إلى مرحلة الصدام المباشر، الذي تجلّى نموذج منه في ما حدث أخيراً بين هيئة المنافذ الحدودية و«القابضة للبترول». كذلك، فإن عودة ظاهرة المحاسيب السياسية والاقتصادية للعمل تحت عناوين وأسماء مختلفة، من شأنها إعادة تشكيل طبقة جديدة من «أثرياء المرحلة»، تستنزف ما تبقّى من موارد البلاد وثرواتها، وتكون سبباً في تأخير أو تعطيل أيّ تعافٍ منتظر، وهو ما تتوافر عليه أمثلة كثيرة ومتشعّبة.
في أوقات الأزمات والنزاعات، وما ينتج منها من غياب استراتيجيات وخطط طويلة الأمد، تصبح الموازنات السنوية هي الموجّه والمعبّر عن أولويات الإنفاق والاستثمار الحكومي للدول. لكن حتى هذه، للأسف، غابت في سوريا خلال العام ونصف العام الماضيين؛ فما أعلنته وزارة المالية من مؤشرات وتوجهات خاصة بموازنتَي عامَي 2025 و2026 لا يُعتدّ به، ولا يمكن اعتباره مؤشراً كافياً على سلامة التخطيط الحكومي. والواقع أن الوزارات لم تجرِ نقاشات مفتوحة حول أولويات مشاريعها الجارية والاستثمارية، وهيئة التخطيط المنوط بها تقييم تنفيذ الموازنة العامة لم تُصدِر أيّ تقرير بهذا الخصوص، وحتى الوزارات نفسها لم تقُم بمراجعة دورية من ذلك القبيل.



