الضاحية تُلملِم رُكامها: هل تكون عودة النازحين نهائية؟ (الأخبار 20 حزيران)

لا يمكن وصف الحياة في الضاحية الجنوبية لبيروت بصورة واحدة. فالأوضاع تختلف بين منطقة وأخرى، وبين حي وآخر في المنطقة نفسها، وحتى في البناء نفسه، بحسب حجم الأضرار التي طاولت الأبنية، وظروف النازحين من هذه المناطق، وتقييمهم للوضع الأمني. لذا، قد تجد الأجواء طبيعية كما كانت عليه قبل الحرب في برج البراجنة، لجهة زحمة السير والمحال التجارية المفتوحة وعودة السكان إلى منازلهم بشكل دائم، من دون أي مظاهر لآثار الحرب، باستثناء الأضرار الناتجة عن الغارة التي استهدفت مبنى القرض الحسن في ساحة عين السكة، وغارة أخرى في حي المنشية.
في المقابل، تحاول حارة حريك التقاط أنفاسها، بعد تحمّلها النصيب الأكبر من العدوانية الإسرائيلية. فترى الجرافات تعمل على إزلة الركام، بالتوازي مع وصول عائلات من سكانها لتفقّد منازلها والعودة إلى الاستقرار فيها إذا ما كانت صالحة للسكن. وبالتزامن، باشر أصحاب بعض المحال المتضررة ورش الترميم، تمهيداً لإعادة فتحها.
إجمالاً، تعود الحياة تدريجياً إلى طبيعتها في الضاحية، ويجمع رؤساء بلدياتها أنه «في كل يوم نشهد عودة المزيد من العائلات»، مع ترجيحات أن يشهد الأسبوع المقبل عودة الكثيرين ممن انتظروا توقيع الاتفاق الإيراني – الأميركي، متأملين أن يُثبِّت وقف إطلاق النار في لبنان.
في حارة حريك، يقدّر رئيس البلدية زياد واكد ارتفاع نسبة العائدين من 10% بعد الهدنة في 17 نيسان، إلى 30% بعد الإثنين الماضي. ويشير إلى أن «المحال غير المتضررة تفتح أبوابها بشكل طبيعي، بينما تباشر بعض من المحال المتضررة جزئياً أعمال الترميم على نفقتها، محتفظة بالفواتير ريثما يتم صرف التعويضات».
ويروي موظف الأمن في مستشفى بهمن الذي يقع في المنطقة، كيف «هرعت الناس من منازلها» عندما وقعت الضربات الأولى في الأبنية الثلاثة المقابلة للمستشفى، فبقيت المنطقة «شبه مهجورة»، لا تقصدها سوى قلة من العائلات صباحاً لحمل بعض الأغراض والأوراق. غير أنه مع دخول الهدنة حيز التنفيذ، «بدأت الحارة تستقبل أبناءها، خصوصاً في الأيام الأخيرة، نظراً للتفاؤل الجماعي بأن وقف إطلاق النار حقيقي هذه المرّة، ولعدم قدرة النازحين على دفع بدلات إيجار إضافية».
الأمر نفسه ينطبق على مناطق أخرى كالكفاءات، المريجة، الليلكي وتحويطة الغدير. أما في برج البراجنة وحي السلم، فالعودة كانت أسرع، والحياة اليوم أكثر صخباً، علماً أن هاتين المنطقتين لم تشهدا نزوحاً كلياً، إذ بقي عدد من العائلات، ومنهم من استقبل نازحين من مناطق أخرى.
لا عوائق لوجستية، لكن الأضرار الكبيرة والعامل النفسي يعرقلان العودة
ليست هذه العودة الأولى إلى الضاحية. فكثيرون عاشوا تجربة النزوح ثم العودة أكثر من مرة خلال هذه الحرب، إذ كانت الضاحية تشهد حركة نزوح جماعية بعد كل تهديد أو استهداف، تنتهي مع عودة الهدوء نسبياً. لكن «الرجعة هذه المرة مختلفة»، عبارة تتكرر على لسان كثيرين. حسين، مثلاً، عاد إلى منزله في الحارة ثلاث مرات خلال الهدنة، لكن «هذه المرة حملت كل شيء من بيت النزوح، وسلمت المفتاح لأصحابه»، يقول لـ«الأخبار». كذلك، أفرغت مريم محفظة الطوارئ، لشعورها أن «رحلة التهجير قد انتهت».
في هذا الوقت، بدأت تنشط أعمال الترميم البسيطة في عدد من المنازل والمحال. بعد التوصل للاتفاق الإيراني – الأميركي، شعرت رؤى بـ«أمان أكثر مما كان عليه الوضع عقب حرب الـ 66 يوماً»، كما تقول. لذا، انتقلت إلى منزلها المتضرر، واشترت خزان مياه، ووضعت عازلاً بدلاً من الزجاج المكسور، إلى أن «نحصل على تعويضات أو يبدأ فصل الشتاء». كذلك، أنهى صاحب سوبرماركت في حارة حريك أعمال التنظيف والترميم قبل أسبوعين، ثم وجد الوقت ملائماً ليفتحه الإثنين الماضي. تسأله زبونة: «متى ستعيد بيع الخضر»، فيجيبها: «قريباً، عندما يعود سكان الحي وتزيد حركة البيع أكثر».
عموماً، ليس هناك عوائق لوجستية أمام الراغبين بالعودة إلى الضاحية، لجهة «إزالة الردم وفتح الطرقات فور وقوع الغارات، وردم الجور من مخلفات الحرب، إضافةً إلى توفر البنى التحتية بعد إصلاح أي عطل في مجاري الصرف الصحي ومتابعة شركتي المياه والكهرباء أي أعطال أمام المستخدمين، وعودة أصحاب المولدات ومقدمي خدمة الإنترنت إلى العمل»، يشرح رئيس بلدية المريجة – الليلكي – التحويطة روني سعادة. كذلك، باشرت البلديات عمليات مسح الأضرار. ويشير سعادة، في هذا الإطار، إلى «وقوع 15 غارة ضمن نطاق البلدية تسببت بهدم مبانٍ كلياً، إلى جانب عدد من الأبنية المتضررة». ويلحظ بالمقارنة مع الحرب الماضية «تراجعاً في حجم الدمار، الذي سجلته هذه الحرب».
من جهته، يتحدث واكد عن هدم 26 بناء في الحارة كلياً، يضاف إليها عدد من الأبنية التي تحتاج إلى كشف لتقدير مصيرها بين: هدم أو ترميم، واعداً بـ«إطلاق أعمال رصف الطرقات الأسبوع المقبل إذا ما تجاوبت معنا وزارة الأشغال العامة والنقل وأمّنت حاجتنا من (الزفت)».
لكن، هل يعني ذلك كله، أن العودة متوقفة فقط على قرار الأهالي؟ الجواب، ببساطة: «كلا». أولاً، بسبب الأضرار الكبيرة التي طاولت الأبنية، ما يعيق عودة السكان الدائمة. فجولة في حارة حريك وبئر العبد والجاموس، تظهر تراجع عدد الأبنية التي تهاوت مقارنةً بالحرب الماضية، لكن المفارقة في الضرر الواسع الذي تسببت به الغارات في الأبنية المحيطة في الجهات الأربع. إذا يمكن ملاحظة تهدم طوابق عليا، أو فجوات في وسط أبنية، مع تصدع أبنية ملاصقة، تبيّنه الشقوق في الأسقف، وظهور الحديد المسلح، عدا احتراق مبانٍ بكاملها، فضلاً عن تلف الأثاث فيها.
ثانياً، لا يمكن تجاهل العامل النفسي، والقلق من تدهور الوضع الأمني في أي لحظة، خصوصاً بعدما عاش أبناء الضاحية ما عاشوه طوال السنوات الثلاث الأخيرة. لذا، «يتريثون قبل الانتقال تماماً، ويترقبون الأوضاع، وحتى من عاد يضع خطة للنزوح ولا يزال يحجز مكاناً ليذهب إليه إذا ما تجدد العدوان»، يقول سعادة.



