التراث الثقافي في زمن الحرب: توثيق وسرد حكاية الصمود (الأخبار 20 حزيران)

تطرح الحرب الإسرائيلية على لبنان أسئلة تتجاوز إعادة الإعمار إلى مصير الذاكرة الجماعية نفسها. مع استهداف مواقع أثرية وتاريخية، بينها قلعتا صور وبعلبك، وقلعتا يحمر الشقيف ودوبيه (شقرا)، إضافة إلى مقام شمعون الصفا في البياضة والمسجد الأثري في بليدا، تبرز أهمية توثيق التراث المادي وغير المادي وحفظه بوصفه جزءاً أساسياً من حماية الهوية الوطنية والذاكرة الجماعية
يشكل التراث الثقافي للأوطان والشعوب الوعاء الحامل للهوية الجماعية وجسر العبور من الماضي وضمان استمرارية الذاكرة الجماعية عبر الأجيال. لذلك، فإن الحرص على ديمومة الإنتاج الثقافي على تنوعه، ثم حفظه من الضياع، يُشكلان جوهر استمرارية الذاكرة الوطنية. ولأن تاريخ الشعوب لا يمكن اختصاره بالجوانب المادية كالأبنية الأثرية التي خلّفها لهم من سلف، فلا بد للتراث أن يشمل الجوانب غير المادية التي أنتجتها الدينامية المجتمعية كالمعارف والتقاليد والعادات.
ومع استمرار التطور في آليات الحفظ التقنية المُثلى لذلك التراث، تبرز الإشكالية حول حمايته في حالات الحروب تحديدًا، حيث يخرج النقاش من الحيّز الفكري- التقني ليستقر في خانة تجعل من الاهتمام بالتراث وصونه أداة فعّالة بيد المجتمع ليناضل بها نحو البقاء، فتوجب خطوات عملية وسريعة، ولو لم تُطابق الشكل المثالي من الناحية التقنية.
حماية الجسد دون الروح
ولما كان التشريع القانوني أحد أبرز أعمدة حماية التراث، ولا سيما في حالات الحروب والنزاعات، فإن الواقع يُظهر تأخر صدور القوانين الحمائية، كما الصعوبة في تطبيقها، مع التفاوت أصلًا بين جانبي التراث المادي وغير المادي. فقد استغرقت المؤسسات الأممية والدولية فترات زمنية طويلة حتى كرّست مبدأ حماية التراث غير المادي والالتزام بمكافحة تدميره المُتعمد.
وبعد طول انتظار كانت الخطوة البارزة في إعلان اليونسكو عام 2003 لاتفاقية دولية حول صون التراث الثقافي غير المادي لأنه عنصر مهم للتماسك الاجتماعي، وحددت الاتفاقية جوانب خمسة للتراث غير المادي: التقاليد الشفهية، فنون الأداء، الممارسات الاجتماعية، المعارف المتعلقة بالطبيعة، والمهارات المرتبطة بالحرف التقليدية.
لقد سدّت تلك الاتفاقية المتأخرة الثغرات التي خلّفها القانون الدولي الإنساني، حيث استحوذ التراث الثقافي المادي حصرًا على اهتمام المشرعين؛ فاتفاقيات جنيف 1949 تبعها في العام 1977 بروتوكولان هدفهما توفير إطار قانوني يعزز حماية المدنيين والأعيان غير العسكرية أثناء النزاعات المسلحة، وأُلحق أيضًا باتفاقيات لاهاي 1954 بروتوكولٌ في العام 1999 يعتبر أشمل معاهدة دولية ملزمة مخصصة لحماية التراث الثقافي المادي.
والسؤال الذي يُطرح هنا: هل يمكننا الفصل عند حماية التراث الثقافي لمجتمع ما بين الجانب المادي وغير المادي، فنصبح بذلك كمن يفصل الروح عن الجسد؟ ثم أليس الجانب المادي للتراث هو نتاج الإنسان بمعارفه وعاداته وفنونه وأدواته؟ فالأبنية التاريخية والقلاع الأثرية، على سبيل المثال، ليست مجرد مبانٍ من حجر، إنما هي مزيج من التجارب الإنسانية المكوَّنة من العلوم، الفنون، الأنظمة السياسية التي سادت ونمط العيش الذي خَبِره الإنسان وقتذاك.
تدمير العمران لطمس الهوية
وعن حالات الحروب وحماية التراث، تجسد الحرب الإسرائيلية على لبنان منذ خريف سنة 2023، نموذجاً حيّاً على التدمير المُتعمد، فالمعارك لم تقتصر على المنطقة الحدودية اللبنانية جنوباً لجهة فلسطين المحتلة حيث دُمرت القرى بأكملها، إنما امتدت إلى العمق اللبناني وصولاً إلى عاصمته وشماله وبقاعه.
وقد شمل التدمير شتى أنواع العمران اللبناني من منازل وحارات قديمة في القرى إلى أبنية تشبه الأبراج في العاصمة، أبنية بعضها يضم مؤسسات تعليمية واقتصادية وثقافية واجتماعية ودينية وحتى ترفيهية. ورغم ادعاءات الحماية للأماكن الأثرية، عند رفع الدرع الأزرق، لم تسلم قلاع صور وبعلبك ويحمر الشقيف ودوبيه (شقرا) من القصف المباشر أو من شظاياه.
كما طال التدمير المباشر مقام شمعون الصفا في البياضة قرب صور والمسجد الأثري في بليدا، وسجلات النفوس في مدينة بنت جبيل، واللائحة تطول وتحتاج إلى جهد توثيقي تفصيلي ودقيق لإحصاء تلك الانتهاكات بحق التراث بشقيه المادي وبالتالي غير المادي.
يستهدف العدو الإسرائيلي في حربه الأطول على لبنان الجسد العمراني كما الأرواح البشرية، فالعمران والإنسان يتناغمان في حركة متواصلة تُنتج ملامح الهوية الفردية والجماعية للأوطان. ولذلك يسعى العدو إلى القضاء على البشر كعقاب على رفض الاحتلال، وفي آن، يدمر البنيان بهدف اجتثاث الهوية الاجتماعية والثقافية لمن بقوا أحياء، فاستهداف المنازل يسلخ أفراد المجتمع من استقرارهم النفسي وعلاقتهم بالمكان والذكريات، واستهداف المدرسة والجامعة يحرم الطلاب من حقهم بالتعلم والتطور، واستهداف الأماكن العبادية والساحات في البلدات يمنع التواصل الاجتماعي بين أفراد المجتمع الواحد، واستهداف المراكز الثقافية والمكتبات يحد من التعبيرات والقدرة على الإبداع، واستهداف الأسواق في الريف والمدن يعيق الإنتاجات الحرفية والتراثية. وإزاء كل ذلك، كيف يمكن لهذا المجتمع حماية إرثه الثقافي من الطمس؟
مواجهة أصحاب الأرض
تكثر الإجراءات والخطط التقنية التي تسعى إلى حماية التراث قبل الحروب وخلالها وبعدها، كما تتعدد المؤسسات الدولية والحكومية والأهلية المعنية بذلك. فمن الجمع والتنظيم والحفظ، ثم الرقمنة والنسخ الاحتياطية المادية والسحابية، تقنيات في تطور مستمر، لكنها على أهميتها، لا تشكل الحل الحصري، أمام العدوان الإسرائيلي وأهدافه الإلغائية.
وللدولة ومؤسساتها دور واجب خلال الحرب في توثيق الانتهاكات وتسجيلها لدى المنظمات الدولية، ولكن عجز المؤسسات الدولية من جهة، وإهمال السلطة الحالية من جهة أخرى، الذي قد يكون متعمداً، أفقدا الناس ثقتهم بالمؤسسات، ورميا بالمسؤولية على المجتمع المحلي. وبالتالي انحسر التصدي على مستوى الأفراد، أصحاب الأرض أنفسهم، الذين اتخذوا القرار بالمواجهة المباشرة، وفي أثناء الحرب، عبر الاستمرار في إنتاج التراث الثقافي، وربما عبر خلق أشكال جديدة تتكيف مع الظروف المستجدة، فتحول المجتمع ليصبح إحدى أقوى أدوات الصراع لحفظ الهوية.
إن فعل صمود المواطنين في لبنان في مواجهة آلة القتل والتهجير، يُعد من الصور الواقعية حول حماية الشعوب لممتلكاتها الثقافية. ولذلك لم يعد مستغربًا أنه عقب كل جولة تدمير تتعرض لها البلدات والمدن، يسارع المواطنون للإعمار بما تيسر لهم من إمكانات، واستئناف حياتهم وعملهم.
ورغم ذلك التهجير المتكرر الذي يتعرض له أبناء القرى والمدن من منازلهم، تراهم يحرصون على الكثير من الممارسات التي تنعش تراثهم وتضمن له الديمومة؛ حيث يقومون، ولو في أماكن النزوح، بممارسة حِرف ربما ورثوا بعضها عن آبائهم، ويجمعون الشمل في المناسبات الاجتماعية، مناسبات سعيدة كالأعياد الدينية ومراسم عقد القران أو الزواج والمباركة بالمواليد الجدد، ومنها مناسبات حزينة كالمشاركة في مراسم التعزية وتكريم أبناء الوطن الشهداء. أما الاحتفال بالمناسبات الوطنية في أيام الحرب، فله وقعه الخاص، مثل الإصرار على إحياء ذكرى عيد المقاومة والتحرير عام 2000، الذي يُجذّر في النفوس حق الشعوب بالمقاومة والتصدي للعدو للحفاظ على الأرض.
ثنائية الحياة
كما أنتج الأسلاف تراث الوطن بشقيه المادي وغير المادي، يتحرك الأبناء في زمن الحرب، في ثنائية مجتمعية من نوع آخر، حيث تتصدى ثلة من أبناء الوطن ببطولة عسكرية لمنع العدو من تحقيق أهدافه في التدمير والاحتلال، ويسعى أفراد المجتمع إلى منع تدمير ذاكرتهم ومحوها، عبر المحافظة تقنيًا، ما أمكنهم، على مضامينها، فيغدو العمل المقاوم فعلًا هادفًا لحياة الوطن وأبنائه، ويشكّل حفظ الذاكرة فعل حياة لضمان التماسك الاجتماعي.
هكذا، سلك المجتمع المقاوم، في زمن الحرب، مسارين متوازيين؛ قسم من أفراده يحمون الأرض بأرواحهم دفاعًا عن السيادة الوطنية، والقسم الآخر يحفظون في ذاكرتهم، ويوثقون بكل ما أوتوا من تكنولوجيا، مستندات القرى والبلدات، بما تحوي من صور وأرشيفات عائلية وسندات ملكية وشهادات علمية، ووصفات طعام الأمهات وقصصهن ورَدّياتهن. يحفظون الحكايات الشفهية ووصفات الأعشاب الطبية، كما يحفظون شهادات وتجارب الحرب والنزوح، وقصص التصدي للعدو وسيرة الأبطال وبسالتهم. ولكن هل الحفظ هو الهدف النهائي لصون التراث؟ حتماً لا، فنشر التراث ونشر الوعي حول أهميته هو التقدير الحقيقي لذلك التراث.
رواية السردية
لا تتوقف حكاية الناس عند ما يحصل خلال الحرب، بل سيكون من الأفضل حفظ الذاكرة بأفضل الطرق التقنية. حيث يفترض إخراج كل ما تم توثيقه إلى العلن. وأن تتم رواية الحكاية تلو الحكاية، للكبار والصغار، في الجلسات الاجتماعية أو قاعات الدراسة، حيث حوانيت الأشغال والحرف، ومن على خشبات المسرح، وأن يغرقوا بها وسائل التواصل الاجتماعي نشرًا وإعادة نشر. وعندها يغدو المجتمع قلعة عمرانية شامخة، راسخة في أذهان أبنائها، وعصية على محاولات محو وطمس حقائق الصمود، تمهيدًا لتسليمها حكاية ذاكرة ناصعة إلى الأجيال اللاحقة.



