أميركا تعلن وقفاً جديداً لإطلاق النار والعدوّ لا يلتزم: «ملحق أمني» لـ«إعلان واشنطن» نهاية الشهر (الأخبار 20 حزيران)

عادَ أمس ملف وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله إلى الواجهة من جديد، لكن بصيغة تكاد تبدو مألوفة أكثر من اللازم: إعلان يتبعه تصعيد، وتهدئة تُنقض ميدانياً خلال ساعات أو أيام. فالمعادلة القائمة باتت أقرب إلى «وقف نار مُعلّق» يُختبر بالنار نفسها، في ظل استمرار الخروقات الإسرائيلية، مقابل تأكيد المقاومة أن أي استهداف سيقابله ردّ مباشر، ما يُبقي الجبهة اللبنانية داخل دائرة اشتباك مفتوحة بلا أفق حاسم.
وبعد دقائق على كشف مسؤول أميركي لـ«رويترز» أن إسرائيل والحزب اتفقا على وقف لإطلاق النار ابتداءً من الساعة 4 بعد الظهر (أمس) بالتوقيت المحلي»، شنّت إسرائيل عدة غارات على عدد من قرى الجنوب، علماً أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب كان قد أكّد لـ«إكسيوس» على قدرته منع إسرائيل من مهاجمة لبنان وقال: «سأكون قادراً على منع إسرائيل من مهاجمة لبنان، فهم يكنّون لي الاحترام ويفعلون ما أقوله». وأضاف: «علاقتي مع نتنياهو جيدة لكن علينا أن نحافظ على اتزانه قليلاً».
التصعيد الإسرائيلي يوم أمس، والذي جاء رداً على عمليات مؤلمة نفّذتها المقاومة ضد قوات إسرائيلية حاولت التوغّل في تلال علي الطاهر، لا ينفصل عن توقيته السياسي، إذ يأتي قبل أيام من جولة مفاوضات مُرتقبة في واشنطن بين لبنان وإسرائيل، وبعد مرحلة من التفاهمات الأميركية – الإيرانية التي لم تنعكس استقراراً ميدانياً، وسط مؤشرات على محاولات متبادلة لإعادة رسم قواعد الاشتباك الإقليمي. وفي خلفية المشهد، يبرز سؤال أكثر حساسية: هل تمتلك واشنطن فعلياً القدرة على ضبط السلوك الإسرائيلي ضمن مساراتها التفاوضية، أم أنّ تل أبيب باتت تتحرّك وفق حساباتها الخاصة حتى داخل ظلّ الرعاية الأميركية؟ وإلى متى ستواصل السلطة اللبنانية مسار التآمر على اللبنانيين بإعطاء العدو حبل خلاص من أزمته بترتيبات أمنية مشتركة؟
انطلاقاً من هذا التداخل بين السياسي والميداني، تتبدّى الساحة اللبنانية باعتبارها الحلقة الأكثر هشاشة بعد أن قرّرت هذه السلطة الاكتفاء بإدارة الانفجار بدلاً من محاولة استثمار اللحظة السياسية الدولية لفرض معادلات أكثر توازناً، سواء لجهة وقف الاعتداءات أو الدفع نحو انسحاب إسرائيلي واضح. وربّما هذا ما يدفع الأميركي إلى عدم الضغط كفاية على كيان الاحتلال لإجباره على الالتزام، وهو ما دفع أمس رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى رفض الخروج وإعلان وقف إطلاق النار «قبل أن يخرج الأميركي ويؤكّد التزام إسرائيل به» كما نقل مقرّبون منه.
وقد جاءت التطورات الميدانية لتَسبق المسار الدبلوماسي وتفرض إيقاعها عليه، حيث وسّعت إسرائيل نطاق تصعيدها ليطاول الجنوب والبقاع وصولاً إلى بعلبك، عبر غارات مُكثّفة أوقعت عدداً كبيراً من الشهداء. وهذا التصعيد لا يُقرأ كحدث ميداني منفصل، بل كرسالة سياسية مباشرة تُوجَّه قبل الدخول في جولة واشنطن، بما يعكس محاولة تحسين شروط التفاوض بالنار. وبدلاً من أن يدفع ذلك لبنان الرسمي إلى وقف التفاوض ولو مؤقّتاً أو بالحد الأدنى التهديد بذلك، حاول رئيس الجمهورية جوزيف عون تثبيت سقف سياسي مقابل هذا التصعيد، إذ اعتبر عون أن «ما يشهده الجنوب والبقاع من توسّع للاعتداءات الإسرائيلية يشكّل تصعيداً خطيراً ومُداناً، وقد طاول مدنيين أبرياء بينهم نساء وأطفال»، مشيراً إلى أن هذا المسار «لا ينبغي أن يعرقل الجهود الجارية للتوصّل إلى وقف شامل لإطلاق النار».
وفي قراءة سياسية أوسع، وضع عون هذا التصعيد في إطار اختبار مباشر لجدّية المسار التفاوضي، مؤكداً أن «وقف إطلاق النار الشامل هو المدخل الطبيعي لمعالجة كل الملفات الأخرى، وفي مقدّمتها الانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني وعودة الأسرى».
وكان الموضوع، محل تباحث في اتصال هاتفي جرى بين عون ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو الذي «أكّد على وقوف الولايات المتحدة الأميركية إلى جانب لبنان والعمل من أجل تحقيق الأمن والاستقرار فيه وبسط سلطة الدولة على أراضيها كافة ودعم مؤسساتها الشرعية والأمنية والعسكرية وفي مقدّمها الجيش».
وشدّد عون على «ضرورة توقّف الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية من خلال تحقيق وقف شامل لإطلاق النار الذي يعتبره لبنان ركيزة أساسية لتقدّم المفاوضات اللبنانية الأميركية الإسرائيلية».
«ملحق أمني» لـ«إعلان واشنطن»
في هذه الأثناء، تواصلت التحضيرات لجولة واشنطن المقبلة، حيث تشير المعطيات إلى أن «جدول الأعمال لن يقتصر على تثبيت وقف إطلاق النار، بل يتعداه إلى البحث في آليات التنفيذ، بما في ذلك الانسحاب الإسرائيلي وإعادة الانتشار، فضلاً عن مقاربات جديدة لترتيبات أمنية في الجنوب». وعلمت «الأخبار» من مصادر مطّلعة أن الأميركيين «أعدّوا بالتشاور مع الإسرائيليين وممثّلي السلطة في لبنان ورقة ترتيبات، سوف تتم إضافتها إلى «إعلان واشنطن» وتكون كـ»ملحق أمني» يجري العمل به، في مقاربة ملف تثبيت وقف إطلاق النار أو في ما يتعلّق بالانسحاب الإسرائيلي من لبنان».
السلطة تستعدّ لجولة المفاوضات الجديدة، وإيران تختبر قدرات ترامب في ضمان وقف الحرب على لبنان
ويُفهم من ذلك أن المفاوضات المقبلة تُبنى على محاولة تحويل وقف إطلاق النار من حالة ميدانية هشّة إلى إطار سياسي قابل للتثبيت، ولو بشكل تدريجي. وهذا المسار الدبلوماسي لا يتحرّك بمعزل عن ديناميات إقليمية أوسع، إذ تواكبه اتصالات أميركية – لبنانية متواصلة، مع تأكيد واشنطن دعم مؤسسات الدولة، في وقت يُطرح فيه احتمال زيارة الرئيس اللبناني للبيت الأبيض، بما يعكس رغبة أميركية في إبقاء بيروت ضمن دائرة التفاوض المباشر، واستغلالها للضغط على إيران وحزب الله».
وفي موازاة ذلك، يتحرّك الجيش اللبناني على خط ميداني – أمني أكثر حساسية، حيث أجرى قائده العماد رودولف هيكل جولة في جنوب الليطاني، اطّلع خلالها على انتشار الوحدات العسكرية. وتكتسب هذه الخطوة بعداً سياسياً يتجاوز الطابع الأمني، باعتبارها جزءاً من محاولة تثبيت دور الدولة في منطقة يُراد لها أن تكون محروقة وغير قابلة للحياة، وفق ما توعّد وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس الذي قال أمس: «لقد دُمّر الصف الأول بأكمله من القرى اللبنانية، لن يعود 200 ألف إلى منازلهم ولن يراها السكان منتصبة أمام أعينهم مرة أخرى».
في المقابل، تصعّد إسرائيل خطابها السياسي والعسكري بالتوازي مع عملياتها الميدانية، إذ تؤكّد على لسان مسؤوليها استمرار ما تسمّيه «المنطقة الأمنية» جنوب لبنان، وتوسيع نطاقها، مع التشديد على حرية الحركة العسكرية. ويعكس هذا الخطاب محاولة لترسيخ أمر واقع ميداني يُستخدم كورقة ضغط داخل أيّ مفاوضات مقبلة.
ويذهب هذا التصعيد إلى مستويات سياسية أكثر حدّة، مع تصريحات تؤكّد الرد الشامل على أي استهداف، في وقت أعلن فيه جيش العدو مقتل أربعة من جنوده خلال عمليات في جنوب لبنان، ما أضاف بعداً داخلياً ضاغطاً على الحكومة الإسرائيلية بين متطلّبات الرد العسكري والضغوط الدولية الداعية إلى ضبط التصعيد. في المقابل، يتمسّك حزب الله بمقاربته التي تعتبر أن استمرار الاعتداءات يُسقِط أي وظيفة لوقف إطلاق النار، وأن «المقاومة ستردّ على أي استهداف»، مع تأكيد أن بقاء القوات الإسرائيلية في الجنوب يفرض معادلة مواجهة مفتوحة لا يمكن تجاوزها قبل انسحابها. فقد أعلنت غرفة عمليات المقاومة الإسلامية في بيان أن «المقاومة ستبقى بالمرصاد لأيّ اعتداء، يدافع مجاهدوها بكلّ شجاعة وبروح كربلائيّة حسينيّة عن أرضهم وشعبهم، ويذيقون جيش العدو بأسهم، موقعين بين ضبّاطه وجنوده القتلى والجرحى بالعشرات، وفي آلياته إصابات مدمّرة، وبيننا وبينه الأيّام والليالي والميدان».



