أخبار لبنانابرز الاخبارسياسة

“حزب الله” يحوّل الاستشهاد إلى أداة لتطبيع الكارثة (نداء الوطن 20 حزيران)

نتائج الحرب بالأرقام

ثمة لحظات في تاريخ الشعوب تصبح فيها الأرقام أكثر بلاغة من الخطب، وأكثر قسوة من الشعارات. في لبنان، لم يعد الموت خبرًا استثنائيًا، بل تحوّل إلى جزء من المشهد اليومي. فمنذ ثأر “حزب الله” لمقتل السيد علي الخامنئي في الثاني من آذار الماضي، سقط، بحسب أرقام وزارة الصحة اللبنانية، نحو 3912 قتيلا و أكثر من 11873 جريحا ، فيما اضطر أكثر من مليون شخص إلى ترك منازلهم بحثا عن الأمان. وقد وثّقت تقارير مقتل أكثر من 260 امرأة و247 طفلا، وإصابة 1167 امرأة بجروح نتيجة القصف.

أما خلال حرب الأيام الستة والستين، فقد تجاوز عدد القتلى اللبنانيين 4 آلاف شخص، فيما بلغ عدد الجرحى 16,638، بينهم 231 طفلا ومئات النساء. وهي أرقام تعكس واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية التي عرفها لبنان منذ عقود.

وفي خضم هذه الحرب، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن الجيش الإسرائيلي قتل نحو عشرة آلاف عنصر من “حزب الله”، في محاولة لتبرير استمرار العمليات العسكرية وإظهار حجم الإنجاز الإسرائيلي. لكن خلف الأرقام الرسمية، ثمة ملف أكثر غموضًا: ملف المفقودين.

تشير تقديرات صحافية متقاطعة إلى أن عدد المفقودين من عناصر “حزب الله” بعد حرب الستة والستين يومًا تراوح بين ألف وألف وخمسمئة عنصر، في واحدة من أكثر القضايا حساسية في تاريخ “الحزب” العسكري. وقد امتنعت قيادته عن إصدار أي حصيلة نهائية رسمية، ما ترك مئات العائلات معلقة بين انتظار عودة أبنائها أو تلقي نبأ موتهم.

أما منذ الثاني من آذار، فلا تزال الصورة أكثر ضبابية. فلا توجد حتى الآن أرقام موثقة أو تقديرات مستقلة منشورة حول عدد المفقودين تحديدًا. وتحدثت مصادر مطلعة لوكالة “رويترز” عن سقوط أكثر من 400 مقاتل حتى أواخر آذار، قبل أن تتحدث تقارير لاحقة عن خسائر بلغت عدة آلاف من المقاتلين منذ بداية الحرب، من دون تحديد مصير المفقودين أو عددهم الفعلي.

وفي موازاة القتلى والمفقودين، برزت مأساة المعوقين. فبحسب تقارير استندت إلى مصادر طبية وأمنية نقلتها “رويترز”، أدى انفجار أجهزة “البيجرز” إلى إصابة نحو 4 آلاف شخص، فيما خرج حوالى 1500 عنصر من “حزب الله” نهائيًا من الخدمة القتالية نتيجة إعاقات دائمة، شملت فقدان البصر الجزئي أو الكامل، وبتر اليدين أو الأصابع، وإصابات عصبية خطيرة. ولا توجد حتى الآن أي إحصاءات رسمية حول عدد العناصر الذين أصيبوا بإعاقات دائمة نتيجة المعارك والقصف المباشر.

كذلك تحدثت مصادر مطلعة عن أن نحو ألفي مقاتل غادروا صفوف “الحزب” بعد اغتيال أمينه العام السابق حسن نصرالله، بقرار فردي برفض العودة إلى القتال، في مؤشر نادر إلى حجم الضغط النفسي والاجتماعي الذي أصاب جزءًا من قاعدته البشرية. لكن خلف كل رقم، ثمة وجه واسم وحياة توقفت فجأة. ثمة آباء غابوا عن أطفالهم، وخطّاب لم يصلوا إلى الزواج، وطلاب جامعات تحولت أحلامهم إلى نعوش ملفوفة بالأعلام. وثمة أمهات ينتظرن أبناء لم يعد أحد يعرف إن كانوا تحت الأنقاض أم في عداد القتلى. إنها ليست مجرد حصيلة عسكرية، بل نزف إنساني واجتماعي وديموغرافي غير مسبوق.

غير أن الثمن الأكبر دفعته البيئة الشيعية الحاضنة للحزب، التي تحولت إلى الخزان البشري الرئيسي لهذه الحروب. ففي قرى الجنوب، وفي أحياء الضاحية الجنوبية والبقاع، تكبر المقابر بقدر ما تتسع صور القتلى على الجدران.

وبحسب التقديرات الديموغرافية المتوافرة، فإن معظم قتلى “حزب الله” ينتمون إلى فئة الذكور الشباب، أي إلى الشريحة الأكثر إنتاجًا وقدرة على العمل والزواج والإنجاب وبناء المستقبل. وإذا كانت التقديرات المتداولة عن خسائر “الحزب” تتراوح بين 1500 و3000 مقاتل خلال السنوات الأخيرة، فإن الطائفة الشيعية تكون قد فقدت خلال فترة وجيزة ما بين نصف في المئة وأكثر من واحد في المئة من مجموع شبابها الذكور. وقد تبدو هذه النسبة محدودة في الحسابات المجردة، لكنها في علم السكان تمثل نزفًا خطيرًا عندما تتركز في فئة عمرية محددة وخلال فترة قصيرة.

فهل يستطيع أي مجتمع أن يستمر في استنزاف نخبة شبابه من دون أن يدفع ثمنًا اجتماعيًا واقتصاديًا وديموغرافيًا باهظًا؟ ماذا يبقى من بيئة تخسر أبناءها الأكثر حيوية عاما بعد عام؟ وما الذي تقوله الأمهات اللواتي ودّعن أكثر من ابن، أو الزوجات اللواتي أصبحن أرامل، أو الأطفال الذين كبروا يتامى تحت وطأة الحروب؟

هذه الأسئلة بدأت تجد طريقها، همسًا أحيانًا وعلنًا أحيانًا أخرى، داخل البيئة الشيعية نفسها. فخلف مشهد الانضباط الظاهري، ثمة تململ متزايد من أثمان لا تنتهي، ومن شعور بأن المجتمع يُطلب منه باستمرار تقديم المزيد من أبنائه، من دون أن يملك حق مساءلة من يقرر الحرب أو تحديد أهدافها أو توقيتها أو نهايتها. غير أن هذا التململ يصطدم بعقيدة بناها “حزب الله” على مدى عقود حول مفهوم “الشهادة”.

في خطاب “الحزب”، لا يُقدَّم القتيل باعتباره ضحية لقرار سياسي قابل للنقاش أو المراجعة، بل بوصفه “شهيدًا” بلغ ذروة المجد الإنساني والديني. تُرفع صوره في الشوارع، وتُنظَّم الاحتفالات السنوية لإحياء ذكراه، وتتولى “مؤسسة الشهيد” رعاية عائلته ماديًا واجتماعيًا وتعليميًا. وتتحول التضحية بالنفس إلى أعلى مراتب الإيمان والالتزام.

هذه المنظومة لم تقتصر على مواجهة إسرائيل، بل استُخدمت أيضا لتبرير الانخراط في الحرب السورية، حيث جرى تقديم القتال بوصفه امتدادًا لمعركة تاريخية ذات أبعاد عقائدية ووجودية. ومن خلال استدعاء الذاكرة الشيعية المرتبطة بكربلاء وعاشوراء، نجح “الحزب”، بالنسبة إلى بيئته، في ربط الموت المعاصر بسردية المظلومية التاريخية، بحيث يصبح الاعتراض على استمرار الحروب أقرب إلى التشكيك في قدسية التضحية نفسها، وهنا تكمن الإشكالية الكبرى.

فالاستشهاد، بوصفه قيمة روحية فردية، يختلف جذريا عن تحويله إلى أداة سياسية لتبرير خيارات عسكرية مفتوحة. وعندما يتحول الموت إلى عقيدة تعبئة، يفقد المجتمع تدريجيا قدرته على طرح الأسئلة البديهية: كم عدد القتلى الذين يكفي سقوطهم للقول إن الكلفة أصبحت أكبر من أي مكسب؟ من يحاسب من اتخذ القرار؟ ومن يملك حق تقرير مصير آلاف الشباب الذين يُدفعون إلى الجبهات؟

تقول الدراسات في علم النفس الاجتماعي إن الأخطر من الحرب نفسها هو الاعتياد عليها. فحين تصبح مراسم التشييع جزءا من الروتين اليومي، وتتحول صور القتلى إلى مشهد مألوف، ويتراجع وقع الفاجعة مع كل نعش جديد، يفقد المجتمع إحدى أهم آليات بقائه: الصدمة الأخلاقية أمام الموت. عندها لا تعود الكارثة مناسبة للمراجعة، بل تتحول إلى أسلوب حياة.

لا أحد يستطيع إنكار أن إسرائيل تتحمل مسؤولية مباشرة عن حجم الدمار والقتل الذي لحق بلبنان. لكن ذلك لا يعفي من مساءلة الخيارات التي وضعت مجتمعًا بأكمله في قلب حرب مفتوحة، ولا يعفي من طرح السؤال: هل يحق لأي تنظيم، مهما كانت قضيته، أن يقرر باسم طائفة كاملة مقدار الدم الذي يجب أن تدفعه؟

في نهاية المطاف، الاحتفاء بالشهادة لا ينبغي أن يلغي قيمة الحياة، وتمجيد التضحية لا يجوز أن يتحول إلى إعفاء دائم من المحاسبة. فحين يصبح الموت رقمًا، تصبح المراجعة واجبًا. وربما يكون هذا هو الانتصار الواهم الأكثر قسوة للحرب على المجتمع اللبناني: أن تنجح ثقافة سياسية في جعل الخسارة قدرًا، والفقدان فضيلة، والأسئلة خيانة.

 

بواسطة
وليد فريجي
المصدر
نداء الوطن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى