أخبار لبنانإقتصادابرز الاخبار

تضخّم لبنان يتراجع رغم ارتفاع الأسعار! (الأخبار 9 أيار)

في الظاهر، تبدو أرقام التضخّم في لبنان أفضل مما كانت عليه خلال سنوات الانهيار. فبحسب تقرير «مراجعة الاقتصاد الكلّي» الذي أصدره مصرف لبنان عن سنة 2025، تراجع معدّل التضخّم السنوي إلى 12.2% في كانون الأول 2025، فيما بلغ متوسط التضخّم على أساس 12 شهراً 14.6% خلال السنة، مقارنة بـ45.2% في عام 2024. وهذا، بحسب التقرير، هو أدنى مستوى للتضخّم منذ شباط 2020، الصادر عن مصرف لبنان في كانون الأول 2025. لكنّ هذا التراجع لا يعني أن الأسعار عادت إلى مستويات طبيعية، ولا أن الضغوط المعيشية خفّت فعلياً عن الأسر، بل إن المعاينة الفعلية تشير إلى أن الأسعار على سكة ارتفاع متواصل لم ينقطع منذ الانهيار المصرفي والنقدي في عام 2019.

يأتي الارتفاع في الأسعار في ظلّ تثبيت سعر الصرف، ما يعني أنه ارتفاع فعلي في الأسعار المُقوّمة بالدولار، لا مجرّد انعكاس لانهيار جديد في الليرة. ويتزامن ذلك مع الدولرة الواسعة للأسعار التي شهدها الاقتصاد في السنوات الأخيرة، من دون أن تُقابِلها دولرة مماثلة وكاملة للأجور أو تعويض حقيقي للخسائر التي لحقت بالمداخيل بعد الأزمة. بمعنى آخر، إن الجزء المحدود من الأجور الذي تعافى نسبياً بفعل الدولرة عاد يتآكل مرّة أخرى، لكن هذه المرة بفعل التضخّم بالدولار، لا بسبب تدهور سعر الصرف.
التقرير نفسه يلفت إلى أن التضخّم، رغم استقرار سعر الصرف، بقي أعلى بكثير من معدّلات ما قبل الأزمة التي كانت تدور حول 3%، ما يعني أن المشكلة لم تعد محصورة بانهيار الليرة، بل باتت مرتبطة أيضاً ببنية السوق وآليات التسعير داخله.

بحسب التقرير، ساهم استقرار سعر الصرف في كبح الموجات التضخمية الكبرى التي عاشها لبنان منذ عام 2019. فبعد سنوات كان فيها تبدّل سعر الدولار مقابل الليرة ينعكس فوراً على أسعار السلع والخدمات، أدّى تثبيت سعر الصرف نسبياً، إلى جانب سياسة مالية ونقدية أكثر تشدّداً، إلى إبطاء وتيرة ارتفاع الأسعار. كما ساعد تراجع التضخّم العالمي وانخفاض أسعار الطاقة والغذاء عالمياً في تخفيف جزء من الضغط المُستورد. لكنّ المفارقة أن هذا التحسّن الخارجي لم ينتقل بالكامل إلى المستهلكين في لبنان. فالأسعار المحلية واصلت الارتفاع حتى في القطاعات التي يُفترض أن تستفيد من انخفاض أسعار السلع العالمية.

هنا تكمن نقطة الضعف الأساسية في مشهد التضخّم اللبناني عام 2025. فلم يعد ارتفاع الأسعار يُفسَّر فقط بما يجري في الخارج أو بسعر الصرف، بل بات يكشف عن تشوّهات داخلية أعمق. فبحسب التقرير، بقي التضخّم في لبنان أعلى من التضخّم العالمي المُقدّر بنحو 4.2%، وأعلى من المعدّل الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا البالغ 12.2%، ما يشير إلى أن الأسعار المحلية أصبحت مدفوعة أكثر بعوامل داخلية مثل محدودية المنافسة، ارتفاع هوامش الربح، ضعف قنوات التوزيع، وتصلّب الأسعار نزولاً.

ويتضح هذا الخلل أكثر عند تفكيك مؤشّر أسعار الاستهلاك. فالتضخّم لم يكن موزعاً بالتساوي على كل السلع والخدمات، بل تركّز في بنود محدّدة. سجّل قطاع التعليم، مثلاً، ارتفاعاً كبيراً في الأسعار بلغ 38.8% في عام 2025، بعد قفزة كبيرة بلغت 187% في عام 2024. ويربط تقرير مصرف لبنان هذا الارتفاع بتطبيع الأقساط بعد الأزمة وبانتقال كلفة الأجور إلى الدولار، إضافة إلى الطابع الموسمي لارتفاع الأقساط مع بداية العام الدراسي. كما يشير إلى أن ضعف التعليم الرسمي يزيد الطلب على المدارس والجامعات الخاصة، ما يجعل الطلب أقل مرونة ويسمح بزيادات كبيرة في الرسوم.

بقي التضخّم في لبنان أعلى من التضخّم العالمي المُقدّر بنحو 4.2%

أمّا الغذاء، وهو البند الأكثر حساسية بالنسبة إلى الأسر، فبقي من أكثر مصادر الضغط. فقد بلغ معدّل تضخّم الغذاء والمشروبات غير الكحولية 20.4% في عام 2025، أي أعلى من التضخّم العام، رغم تراجع أسعار الغذاء عالمياً. وبحسب تقرير مصرف لبنان كانت الزيادات مدفوعة خصوصاً بارتفاع أسعار الخُضر والبطاطا بنسبة 84%، والفواكه بنسبة 34%، إضافة إلى ارتفاع أسعار القهوة والشاي والكاكاو بنسبة 14%. ويعكس ذلك مزيجاً من الاعتماد على الاستيراد، وضعف الإنتاج المحلي، والاختناقات في سلاسل الإمداد، وارتفاع كلفة التوزيع.

يتحدّث التقرير عن انتقال أسعار السلع العالمية إلى لبنان. ففي عام 2025، انخفض مؤشّرا صندوق النقد الدولي لأسعار الوقود والغذاء، لكن المكوّنات المحلية المقابلة لهما في مؤشر أسعار الاستهلاك، أي النقل والغذاء، واصلت الارتفاع. وبحسب التقرير، فإن هذا يعني أن انخفاض الأسعار العالمية انتقل فقط جزئياً إلى الأسعار المحلية، بسبب الجمود البنيوي في السوق، وكلفة التوزيع، وضعف الكفاءة، وعوامل محلية أخرى حدّت من استفادة المستهلك من التراجع الخارجي.

في قطاع النقل، انخفض مؤشّر صندوق النقد الدولي لأسعار الوقود بنحو 9% في المتوسط خلال عام 2025. لكن أسعار النقل في لبنان ارتفعت في المقابل بمعدّل 3.4%، بعد أن كانت قد ارتفعت 17.9% في عام 2024. ورغم أن حركة أسعار النقل محلياً بقيت مرتبطة شهرياً بحركة أسعار الطاقة عالمياً، فإن الفارق في الحجم بقي واسعاً. ففي كانون الأول 2025، تراجع مؤشّر الوقود العالمي بنسبة 17% على أساس سنوي، بينما ارتفعت أسعار النقل في لبنان بنسبة 3.2%، أي بفارق يتجاوز 20 نقطة مئوية. ويعزو التقرير هذا الفارق إلى كلف محلية إضافية، تشمل التشغيل والشحن والتأمين واللوجستيات، وهي كلف تمنع انتقال انخفاض أسعار الوقود عالمياً إلى المستهلك النهائي.

والأمر نفسه ينطبق على الغذاء. فقد تراجع مؤشّر صندوق النقد الدولي لأسعار الغذاء بنسبة 3% في عام 2025، بعد انخفاضه 7% في عام 2024، لكن مكوّن الغذاء في مؤشر الأسعار اللبناني ارتفع بنسبة 35% في عام 2025، مقارنة بـ28% في عام 2024. ورغم وجود علاقة قوية بين السلسلتين منذ الأزمة ورفع الدعم، فإن التضخّم الغذائي المحلي بقي أعلى بشكل مستمر من تغيّرات الأسعار العالمية. ويشير التقرير إلى عوامل مساهمة في هذا الأمر مثل الاعتماد على الاستيراد، اختناقات سلاسل الإمداد، ضعف كفاءة التوزيع، تركّز أسواق الجملة، وتصلّب أسعار السلع الأساسية نزولاً. وفي كانون الأول 2025 تحديداً، تراجعت أسعار الغذاء العالمية بنسبة 4%، بينما ارتفعت أسعار الغذاء في لبنان بنسبة 15%.

هذا يعني أن لبنان لم يستفد بالكامل من موجة تراجع الأسعار العالمية في عام 2025. فالمشكلة تظهر في أن كلفة الاستيراد والتوزيع والتسعير داخل السوق اللبنانية تضيف طبقات جديدة فوق السعر العالمي. لذلك، فإن استقرار سعر الصرف لم يعد كافياً وحده لإعادة التضخّم إلى مستويات منخفضة. فطالما أن الأسواق قليلة المنافسة، وسلاسل التوريد غير فعّالة، والأسعار لا تنخفض بالوتيرة نفسها التي ترتفع فيها، سيبقى المستهلك اللبناني يدفع كلفة أعلى من تلك التي تبرّرها الأسعار العالمية.

في المحصّلة، إن هذا كله كان وصفاً لواقع عام 2025، أي قبل أن تدخل البلاد في موجة جديدة من التصعيد الداخلي والإقليمي خلال عام 2026. فإذا كان التضخّم قد بقي مرتفعاً رغم استقرار سعر الصرف وتراجع بعض الأسعار العالمية، فإن اندلاع الحرب وما رافقها من ارتفاع في أسعار الطاقة، واضطراب في سلاسل التوريد، وزيادة في كلفة الشحن والتأمين، كل ذلك يضيف طبقة جديدة من الضغوط على الأسعار. ولا يقتصر الأمر على العوامل الخارجية، إذ إن الحرب نفسها تخلق عوامل تضخّمية داخلية، من تراجع العرض، وارتفاع كلفة النقل والتخزين، وتعطّل بعض الأنشطة، وزيادة المخاطر في الأسواق.

 

بواسطة
ماهر سلامة
المصدر
الأخبار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى