خاص – بعد تصعيد “العمالي”.. نبيل فهد يحذّر: فرض حد أدنى مرتفع للأجور سيؤدي إلى تضخم قاتل!

يشهد لبنان نقاشاً واسعاً حول موضوع الحد الأدنى للأجور، في وقت تمر فيه البلاد بأوضاع اقتصادية صعبة. وبين ما يحتاجه العامل لتأمين معيشته وما تستطيع المؤسسات تحمّله، تظهر تساؤلات كثيرة حول إمكانية الوصول إلى حل عادل لا سيما في ظل رفض الاتحاد العمالي لرقم الـ320 دولار واعلانه ان الحديث عن رفع الحد الأدنى للأجور قد جُمّد بإنتظار مشورة مجلس شورى الدولة.
في هذا الإطار، شدّد نائب رئيس غرفة التجارة والصناعة والزراعة في بيروت وجبل لبنان د. نبيل فهد في تصريح لموقعنا Leb Economy على أن “المفاوضات لرفع الحد الادنى للأجور عبر الإعلام لا تفضي إلى نتائج ملموسة”، مؤكدًا أن “الهيئات الإقتصادية التزمت الصمت الإعلامي لعدة أشهر حرصاً على إنجاح المفاوضات”.
واعتبر أن الحملات الإعلامية المبالغ فيها تهدف إلى منع الوصول إلى اتفاق قانوني يضمن الحقوق الأساسية للعامل دون اللجوء إلى التصعيد الإعلامي والمنصات المفتوحة.
وأردف موضحاً: “التفاوض لا يتم عبر المزايدات العلنية، بل بالحكمة والعلم والتأني. فحين يحاول كل طرف تسجيل النقاط على الآخر إعلامياً، نبتعد عن الحلول كما يحدث حالياً”.
واعتبر فهد أنه “وصلنا إلى واقع اقتصادي شديد التعقيد، بحيث لا نرى أي مؤشرات تدل على تحسّن قريب، فالجمود يطال معظم القطاعات وبعضها يعاني من انكماش حاد. ومع ذلك، يُطلب من المؤسسات أن تستمر بالعمل ضمن القانون بحيث تدفع الضرائب وتصرّح للضمان وتوظّف عمال لبنانيين، في وقت تفتقر فيه للحد الأدنى من مقومات الاستمرار”.
وأشار إلى أن “رفع سقف المطالب في هذا الظرف قد يدفع العديد من المؤسسات خاصة الصغيرة منها إلى الخروج من الإطار القانوني واللجوء إلى اقتصاد الظل”، مشدداً على أن “الهيئات الاقتصادية تطالب بعودة الشرعية وتنظيم الاقتصاد وليس تعزيزه خارج القانون”.
ونوّه إلى أن “تحقيق العدالة الاجتماعية يتطلب توازناً دقيقاً بين الحاجة والقدرة”، موضحاً أن “تجاهل قدرة أصحاب العمل سيؤدي إلى انهيار المؤسسات. فهناك ضغوطات أمنية وعسكرية، والقطاعات الإنتاجية مثل البناء والتجارة والسياحة تعاني، فقطاع البناء مثلًا متوقف تمامًا وهو يرتبط بـ20 إلى 25 قطاعًا آخر وجميعها مجمدة حالياً”.
وأوضح فهد أنه ” تشير الإحصاءات الصادرة عن جمعية تجار بيروت ومؤشر BMI إلى حالة من الركود الواضح خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الجاري مع تراجع ملحوظ في السيولة والقدرة الاستهلاكية”.
وتابع محذراً: “الاقتصاد لا يتحرك بفعل الاستثمار لأنه غائب تقريباً نتيجة غياب الإصلاحات وعدم وجود اتفاق مع صندوق النقد وبالتالي الاستهلاك هو المحرّك الأساسي، وإذا ما تراجعت السيولة يتوقف كل شيء. وبالتالي، فرض حد أدنى مرتفع للأجور من دون قدرة على دفعه، سيؤدي إلى تضخم قاتل وركود، أي ما يعرف بالركود التضخمي “.
واعتبر أن “هذا السيناريو سيقضي على فرص العمل، وسيؤدي إلى عرض كبير من اليد العاملة مقابل تراجع في الطلب، ما ينعكس فعلياً انخفاضاً في الأجور حتى وإن كانت مرتفعة نظرياً”، مشيراً إلى أن “الكثير من المؤسسات الصغيرة ستلجأ إلى التهرب، رغم أن ذلك ليس خياراً جيداً، لكنه يعكس الواقع الذي سنصل إليه إذا لم نُقِرّ بمنطق القدرة والحاجة معاً”.
وشدد فهد على أنه “لا يمكننا بناء سياسة أجور فقط على أساس الحاجة من دون النظر إلى القدرة”.
وسلّط فهد الضوء على الواقع الإقليمي قائلاً: “الحد الأدنى الرسمي للأجور في سوريا يبلغ 57 دولاراً، وفعلياً لا يتجاوز الـ 20 دولارًا. وكذلك الأمر في مصر بحيث يبلغ 140 دولاراً، وفي العراق 93 دولارًا. فكيف ننافس هذه الاقتصادات المجاورة؟”
ولفت إلى أن “بيانات مصرف لبنان تُظهر أن معدل التضخم في شهر نيسان بلغ 0.6%، وعلى مدار سنة من نيسان 2024 إلى نيسان 2025 بلغ 13%. في المقابل، قررت لجنة المؤشر زيادة الأجور بنسبة 120%، وهي نسبة تفوق بكثير معدل التضخم والعام الماضي أيضاً تم رفع الأجور بنسبة 100%”.
وأوضح فهد أن “الناتج المحلي الإجمالي تراجع من 55 مليار دولار في عام 2019 إلى 26 ملياراً فقط اليوم أي بنسبة انخفاض بلغت 55%. وفي المقابل، نحن نناقش حداً أدنى للأجور يعادل 70% مما كان عليه قبل الأزمة، أي أن نسبة الأجور ارتفعت مقارنة بالانكماش في الناتج وهو ما يدل على أن الطروحات الحالية ليست فقط عادلة بل تفوق قدرات السوق الفعلية”.
وأضاف فهد: “المهم ليس ما يُقال في الإعلام حول راتب العامل، بل الأهم أن يتمكّن من قبضه فعلياً في نهاية كل شهر”.
كما نبّه إلى أن “المؤسسات التي لا تزال تعمل بشكل طبيعي لا تدفع 300 أو 400 أو حتى 500 دولار كحد أدنى، بل هناك تباينات بين القطاعات والمناطق بحسب القدرة التشغيلية لكل منها”.
وذكّر بمشكلة إضافية لا تقل أهمية عن الحد الادنى للأجور، وقال: “أزمة نهاية الخدمة في الضمان الاجتماعي لا يمكن فصلها عن ملف الأجور، فعندما نرفع الأجور نزيد العبء على صندوق نهاية الخدمة الذي هو أصلاً غير قادر اليوم على تسديد مستحقات المتقاعدين وهي عبارة عن ودائع تبلغ في بعض الحالات 20 إلى 30 ألف دولار للموظف الواحد. فهذه المبالغ أُودعت في الضمان، والضمان بدوره أودعها في المصارف، ونعرف جميعاً الوضع الذي تمر به”.
وختم فهد مشددًا على أن “لبنان مرّ بأزمة غير مسبوقة، ولا يمكن مقارنتها بأي تجربة عالمية. لذلك، فإن الكثير من الحلول المطروحة اليوم تخرج عن نطاق المنطق او الخبرات الاقتصادية السابقة لأن المعطيات فريدة والوقائع أكثر تعقيداً مما يبدو في العناوين”.




