واشنطن وجنوب لبنان… أين الخط الأحمر؟ هذا ما أفضت إليه جولة كليرفيلد الأخيرة (الديار 19 آب)

على وقع الحركة الديبلوماسية الناشطة على اكثر من محور، لتذليل العقد التي لا تزال تحول دون تحديد موعد الجولة الثامنة من مفاوضات روما، تتجه الأنظار إلى زيارتي رئيس الجمهورية إلى إيطاليا والفاتيكان، وولي العهد السعودي، الى فرنسا، في محطتين تتقاطع فيهما المفاوضات وأمن الجنوب ومرحلة ما بعد «اليونيفيل» مع حراك دولي متنام حول لبنان، في وقت تتصاعد فيه المؤشرات الميدانية جنوبًا، وترتفع حدة المواقف السياسية، ما يجعل الأيام المقبلة مفصلية على أكثر من مستوى، في ظل الاجواء الاقليمية الملبدة.
الخطوط الحمر مستمرة
مصادر ديبلوماسية مطلعة على اجواء واشنطن كشفت أن الاخيرة لا تزال تتعامل مع التصعيد المتواصل في الجنوب اللبناني على أنه اشتباكات موضعية لا ترقى، حتى الآن، إلى مستوى قرار إسرائيلي بإعادة فتح الحرب، انطلاقا من تقدير أميركي بأن قرار منع الانزلاق إلى مواجهة شاملة ما زال قائما، وأن الاتصالات السياسية والأمنية لم تصل إلى مرحلة الانهيار.
واشارت المصادر إلى أن واشنطن لم تمنح تل أبيب، حتى الساعة، الضوء الأخضر لتنفيذ هجوم عسكري واسع على منطقة علي الطاهر، رغم أن الموقف الأميركي لا يحمل أيضا رفضا قاطعا لأي تحرك إسرائيلي، مؤكدة ان الرسالة الأميركية واضحة، «يمكن احتواء الضربات المحدودة، لكن توسيعها أو تحويلها إلى عملية مفتوحة سيضع التفاهمات القائمة أمام اختبار بالغ الخطورة»، خاتمة ان واشنطن تترقب سلوك نتنياهو في الأيام المقبلة، وسط اعتقاد بأن القرار السياسي الإسرائيلي سيكون العامل الحاسم في تحديد ما إذا كان التصعيد الحالي سيبقى مضبوطا أم سيتحول إلى مسار تصعيدي يصعب ضبطه، بما قد يجعل من الجنوب اللبناني ساحة لتصفية حسابات سياسية إسرائيلية.
نتائج زيارة كليرفيلد
ومع تكليف الجنرال كليرفيلد، عمليا تولي جانب أساسي من التنسيق التقني في ملف المفاوضات اللبنانية – الاسرائيلية، في وقت يتحرك فيه بين بيروت وعمّان وواشنطن لمتابعة التفاصيل مع الجهات المعنية، كشفت مصادر مراقبة ان زيارته السريعة إلى الأردن، ثم عودته إلى بيروت ولقاءه قائد الجيش العماد رودولف هيكل، اندرجت في إطار مسار الاتصالات المتواصل، حيث علم انه حقق تقدما، علما انه غادر بيروت إلى الأردن ومنها إلى الولايات المتحدة لاستكمال مشاوراته.
واشارت المصادر إلى أن لقاء هيكل – كليرفيلد لم يفضِ إلى اتفاق نهائي، بل إلى تفاهم على إبقاء قنوات التنسيق مفتوحة ومواصلة البحث في آلية التحقق، باعتبار أن الملف لا يزال في المرحلة التقنية ولم تنضج بعد الصيغة التي يمكن اعتمادها ميدانيا وسياسيا، كاشفة ان لا قرار حاليا بتوسيع المناطق النموذجية في الجنوب، كما لا مؤشرات إلى انسحاب إسرائيلي من المواقع القائمة في المرحلة الراهنة، ما يعني أن الواقع الميداني لا يزال ثابتا بانتظار نتائج المسار التفاوضي.
وختمت المصادر، بالتاكيد على أن ملف الدول التي ستشارك في آلية التحقق من تنفيذ مسار نزع سلاح حزب الله لا يزال بدوره بلا معايير نهائية معلنة أو متفق عليها، وسط نقاش حول طبيعة المهمة وحدودها والجهات التي يمكن أن تحظى بقبول بيروت وتل أبيب معًا، مختصرة المرحلة الحالية بمرحلة «تثبيت قنوات التفاوض لا إعلان الاتفاقات»، وأن أي حديث عن آلية مكتملة أو ترتيبات ميدانية نهائية لا يزال سابقا لأوانه.
عون الى ايطاليا
وفي زيارة فرضتها التطورات يغادر رئيس الجمهورية الى روما حيث سيجتمع الى الرئيس الإيطالي سيرجيو ماتاريلا، ورئيسة الوزراء جورجيا ميلوني لبحث ملفات المفاوضات والوضع جنوبا، قبل ان يلتقي السبت في الفاتيكان البابا ليون الرابع عشر، كما يعقد لقاءات مع عدد من كبار المسؤولين في الفاتيكان، في مقدمتهم امين سر الدولة البابوية.
مصادر مقربة من بعبدا اشارت الى أن الملف الأكثر حساسية على طاولة المحادثات يتمثل في مستقبل القوة الدولية الجديدة، وإمكان أن تضطلع إيطاليا بدور قيادي فيها، في ضوء خبرتها في لبنان وحضورها العسكري ضمن قوات اليونيفيل، كما ستناقش طبيعة مهمتها وصلاحياتها وآلية عملها، بما يجعلها جزءا من منظومة أوسع يجري العمل على تركيبها بالتوازي مع مسار المفاوضات، مشيرة إلى أن رئيس الجمهورية سيحاول خلال لقاءاته مع أركان الدولة الإيطالية استكشاف مدى استعداد روما للانخراط سياسيا وأمنيا في المرحلة المقبلة، خصوصا أن أي دور إيطالي متقدم يحتاج إلى تفاهمات دولية وإقليمية، وإلى غطاء واضح لطبيعة المهمة وحدودها.
زيارتان منفصلتان
هذا واكدت المصادر أن زيارتي الفاتيكان وإيطاليا منفصلتان في الأهداف والأبعاد، فالاولى، وإن كانت تأتي في مناسبة دولية، تكتسب أهمية خاصة لاعتبارات عديدة، أبرزها استضافة روما المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية، واهتمامها بمرحلة ما بعد «اليونيفيل»، إضافة إلى اتصالات تجريها إيطاليا، بعيدًا من الأضواء، على أكثر من مستوى بشأن الملف اللبناني، فان الثانية تتصل بأكثر من بُعد، أبرزها مواكبة الاتصالات التي يجريها الكرسي الرسولي مع الدول الفاعلة، من الولايات المتحدة وأوروبا إلى دول المنطقة، بهدف دعم لبنان ومساعدته في هذه المرحلة.
بن سلمان في باريس
ديبلوماسيا يتوقع ان يصل الى فرنسا نهاية الاسبوع، ولي العهد السعودي الامير محمد بن سلمان، في زيارة تحمل طابعا رياضيا بامتياز، سيحضر مباراة لاتحاد اندية الالعاب الالكترونية التي كانت تستضيفها عادة المملكة، الا ان مصادر دبلوماسية فرنسية اشارت الى ان لقاءه مع الرئيس ايمانويل ماكرون سيتطرق الى الملف اللبناني، وتحديدا مسالة الدور الذي يمكن ان تؤديه الرياض، لدى واشنطن، لجهة الضغط باتجاه ضم باريس الى القوة الدولية التي ستحل مكان «اليونيفيل»، خصوصا ان الكلام الرسمي اللبناني حول الرغبة في بقاء القوات الدولية والتمديد لها، لم يترافق مع تقدم الحكومة اللبنانية بطلب رسمي لدى الامانة العامة للامم المتحدة.
هذا ويصل في غضون ايام الى بيروت، الموفد السعودي الامير يزيد بن فرحان، بعد فترة من الغياب عن بيروت، حيث ستكون له سلسلة من اللقاءات مع عدد من المسؤولين الرسميين، يبحث خلالها ملفي الاوضاع في الجنوب واعادة الاعمار، فضلا عن العلاقة بين اركان الترويكا، بعد الهزة التي طالتها على خلفية قرار السير بالمفاوضات المباشرة.
زيارة وان لم تؤكدها المقرات الرئاسية، الا انها لم تنفها، مشيرة الى انه درجت العادة على ان تتبلغ المراجع المعنية بالزيارة، مع قرب هبوط طائرة الامير في بيروت، لاسباب امنية، كاشفة انه على تواصل شبه يومي مع الرؤساء عبر الهاتف، ويواكب عن قرب الملفات اللبنانية المختلفة.
دوريل سفيرا جديدا
وامس اعلن عن تعيين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الديبلوماسي باتريك دوريل سفيرا ومفوّضا للجمهورية الفرنسية لدى الجمهورية اللبنانية، بموجب مرسوم صدر في 30 تموز 2026، ونُشر في الجريدة الرسمية الفرنسية في 31 تموز الماضي، بعد ان شغل منصب سفير لبلاده لدى العراق، علما ان الاخير سبق له وعمل على الملف اللبناني، عندما كان أحد أبرز مستشاري الرئيس إيمانويل ماكرون في ملفَّي شمال أفريقيا والشرق الأوسط، وسبق للرئيس الفرنسي أن أوفده إلى بيروت في أكثر من محطة، ولا سيما خلال الأزمة السياسية التي أعقبت انفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020 وحتى 2024، حيث علم ان علاقة ممتازة تربطه بعدد من مستشاري رئيس الجمهورية.
هيكل في دار الفتوى
وفي اطار المساعي المستمرة لتسوية ملف قانون العفو العام، وما خلقه من شرخ، بعد الخلاف الذي حصل بين رئيس الحكومة ووزير الدفاع، والذي يبدو انه وجد طريقه الى الحل، مع تأكيد مقربين من الوزير منسى ان «لا خلاف شخصيا مع رئيس الحكومة وانه لا يحتاج الى وسيط بعدما انتهت الامور بطريقة ودية»، كاشفة عن اتصال بينهما يوم الاثنين، زار قائد الجيش العماد رودولف هيكل، صباح امس دار الفتوى، حيث التقى مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان، شارحا له موقف قيادة الجيش، ومؤكدا على ان الجيش يقف الى جانب جميع اللبنانيين، دون تمييز او تفرقة، كما حاول البعض ان يروج، فيما اثنى دريان من جهته، على دور الجيش وقيادته الحكيمة مؤكدا الوقوف الى جانب المؤسسة ودعمها، منوها بالبطولات والتضحيات التي تقدمها.
هل انتهى اللغز؟
وفيما تستمر الاعتداءات الاسرائيلية، من تجريف وتفجير وتدمير وغارات وقصف مدفعي، على اكثر من محور، وبعد أكثر من 44 عاما على معركة سلطان يعقوب خلال حرب لبنان الأولى، عاد ملف آخر المفقودين الإسرائيليين في المعركة إلى الواجهة، مع وصول مادة إلى إسرائيل تخضع حاليا للفحص، وسط ترجيحات أولية بأنها تعود للجندي يهودا كاتس، على ما نشرت «القناة 12» الإسرائيلية، دون ايضاح تفاصيل العملية، لجهة مكان الحصول على البقايا، وكيفية حصول ذلك، رغم تاكيد اوساط لبنانية متابعة، ان حل هذا اللغز سيسهل عملية التفاوض حول الاسرى اللبنانيين، بعدما كانت ربطته تل ابيب بملف مفقوديها في لبنان، خلال الجولة الاخيرة في روما.
تسليم عيسى
اما على خط العلاقات اللبنانية السورية، فقرر النائب العام التمييزي القاضي أحمد رامي الحاج تسليم اللواء السوري السابق عادل عيسى، الموقوف في لبنان، إلى السلطات السورية لمحاكمته بالجرائم المنسوبة إليه، والتي يُتهم بارتكابها على الأراضي السورية، مستندا الى إلى الاتفاقية القضائية اللبنانية ـ السورية الموقعة عام 1951، بعدما اعتبر القضاء اللبناني أن شروط التسليم مستوفاة من مختلف الجوانب القانونية والقضائية، مكلفا قسم المباحث الجنائية المركزية نقل اللواء عادل عيسى من نظارة قصر العدل في بيروت إلى المديرية العامة للأمن العام، تمهيدا لتسليمه ونقله إلى الحدود اللبنانية ـ السورية، حيث سيتم تسليمه إلى لجنة أمنية سورية موجودة على الجانب السوري من الحدود.
غارات ابو الظهور
اقليميا، وفي تطور اقليمي لافت، وغداة ما نشر عن رفض اميركي لطلب اسرائيلي باستهداف مواقع متعددة في سوريا، على خلفية تنامي النفوذ التركي، وبعد ساعات من كشف الاعلام الاسرائيلي عن تفقد وفد عسكري تركي الى قاعدة ابو الظهور الجوية، في ريف ادلب الشرقي، تمهيدا لاقامة قاعدة مشتركة بين الجيشين التركي والسوري، نفذ الطيران الحربي الاسرائيلي سلسلة غارات استهدفت مدرج القاعدة المهجورة منذ سنوات بعد تعرضها لغارات اميركية واسرائيلية متكررة، ما ألحق المزيد من الاضرار المادية في بنية المطار، ما وضعه الخبراء في اطار الرسائل الموجهة ضد التمدد التركي من جهة، ورفضًا لورشة اعادة تاهيل سلاح الجو السوري، بعد المناورات الجوية التي نفذها اول سرب حربي سوري، من طائرات السوخوي التي جرى تأهيلها، الاسبوع الماضي.



