خاص – Leb economy يفتح ملف “إحتياطي الذهب”: خفايا مسيرة بدأت عام 1943!

بقي احتياطي الذهب اللبناني أمر مقدس لا يجوز المس به على مر سنوات طويلة، إلى أن سار لبنان قبل عامين على طريق إنهيار اقتصادي ونقدي، فطفا الحديث عن الذهب على السطح كأحد أبرز المكونات التي يملكها لبنان لإعادة إستنهاض إقتصاده.
وكما أي قضية لبنانية، دخل إحتياطي الذهب في دوامة آراء ووجهات نظر متناقضة بين داعين لإستخدامه للخروج من الأزمة ومحذرين من ضياعه كما كل مقدرات البلد، وبين من يتحدث عن إمكانية بيعه ورهنه وآخرين يتحدثون عن إحتجازه في الولايات المتحدة وإمكانية وضع اليد عليه لا سيما بعد إعلان حكومة حسان دياب إفلاس لبنان مع قرار عدم دفع سندات اليوروبوندز.
Leb Economy يفتح هذا الملف، ويقدم وصف ومعلومات شاملة عنه عبر مجموعة من الأسئلة والأجوبة:
ما هو إحتياطي الذهب؟
احتياطي الذهب هو عبارة عن كمية من السبائك الذهبية التي يحتفظ بها البنك المركزي أو خزينة الدولة، والتي تساهم في الحفاظ على الجدارة الائتمانية للدولة في إصدار العملات والسندات، ويتميّز احتياطي الذهب الذي تحتفظ به الحكومة عن مثيله الذي يحتفظ به الأفراد أو المؤسسات الخاصة
كم يبلغ حجم هذا الاحتياطي في لبنان؟
وفقًا لأحدث الاحصاءات التي نشرها صفحة المجلس العالمي للذهب، يبلغ احتياطي الذهب في لبنان حوالي 268 طن، وقد صنف في المرتبة الـ18 عالميًا بين الدول التي تتمتع بأكبر احتياطي للذهب.
أما عربيًا، فقد حلّ لبنان ثانيًا بعد السعودية التي تمتلك 323.1 طن كاحتياطي من الذهب، تلته الجزائر التي تمتلك 173.6 طن.
متى سلك لبنان طريق “الذهب”؟
بدأ لبنان تجميع الذهب في مصرف لبنان بعد سنوات قليلة من نيل لبنان استقلاله في العام 1943، واستمر حتى العام 1971، بعد قرار “صدمة نيكسون” الذي اتخذته الولايات المتحدة الأميركية الذي فكّ ارتباط كلّ العملات العالمية بالذهب، وفرض الدولار بديلاً للذهب كاحتياطي يغطّي قيمة العملات الأخرى.
ومع اندلاع الحرب الأهلية في العام 1975 أرسل لبنان إلى ولاية كنتاكي الأميركية جزءاً من احتياطي الذهب لحمايته، على غرار دول أخرى، وهو لا يزال هناك لغاية اليوم، ولم تحاول الدولة استعادته طوال السنوات الماضية ولا يمكنها ذلك إلا من خلال صدور قانون.
لماذا يتم الإحتفاظ بهذا الاحتياطي في الولايات المتحدة؟
يحتفظ لبنان بثلث احتياطي الذهب في قلعة “فورت نوكس” الخاضعة لحراسة أميركية، فيما أبقى على الثلثين في خزائن المصرف المركزي في بيروت، وهو الأمر الذي يشغل بال الكثيرين كونه يعني أن نسبة كبيرة من هذا الاحتياطي تخضع للقانون الأميركي، وأنه قد يتعرّض للحجز والمصادرة من قبل دائنين قد يرفعون دعاوى قضائية في الولايات المتحدة ضد الدولة اللبنانية، في حال تخلّفت الأخيرة عن دفع مستحقات سندات الدين، غير أن هذا الأمر يهدف الى حماية الاحتياطي ليس إلا، وهو أمر تلجأ إليه مجموعة كبيرة من الدول.
هل نستطيع استرداد الذهب من الولايات المتحدة؟ ماذا عن تجارب الدول في هذا الاطار؟
هناك العديد من التجارب غير المشجعة في هذا المجال، فتركيا على سبيل المثال اتخذت قراراً يقضي بسحب احتياطي ذهبها الموجود في الولايات المتحدة وإعادته إلى أراضيها، بهدف التخلّص من ضغوط سعر الصرف واستخدام الذهب مقابل الدولار. لكن وفقاً للمعلومات المنشورة في الصحف التركية، لم تتمكّن من استعادة سوى 29 طناً منها من أصل 320 طنّاً يملكها المصرف المركزي التركي.
وفي عام 2016، قرّرت ألمانيا استعادة ذهبها من الولايات المتحدّة. طالبت بنحو 670 طناً، إلّا أنها لم تتلقّ سوى 37 طناً وبعد مرور أكثر من سنة. برّر بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي هذا التأخير بوجود صعوبات تقنية لن تسمح بإعادة الذهب الألماني قبل عام 2020. لتتخلّى برلين لاحقاً عن مطالباتها بحجّة أن نقل الذهب مكلف جدّاً.
هولندا بدورها قررت عام 2015 إعادة جزء من ذهبها الموجود في خزائن الولايات المتحدة والبالغ نحو 600 طنّ، لكنها فشلت في محاولاتها.
أما فنزويلا فتعجز منذ منتصف عام 2018 عن استرداد 14 طناً من ذهبها الموجود في خزائن الولايات المتّحدة، التي تتحجّج بالعقوبات لتمنع فنزويلا من التصرّف بأصولها الخارجية.
قانونًا.. كيف ينظم استخدام الذهب في لبنان؟
في عام 1986، صدر عن مجلس النواب قانون منع منعاً مطلقاً بيع ذهب مصرف لبنان بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلاّ بنصّ تشريعي يصدر عن مجلس النواب. وربط القانون حيازة الذهب بالمصرف المركزي لحمايته من الملاحقات الدولية التي قد تصدر بحق الدولة اللبنانية. وبموجب القوانين الدولية، وكون مصرف لبنان مؤسسة مستقلة، لن يعود بإمكان الدائنين الدوليين حتى الحجز عليه.
ما حسنات الإحتفاظ باحتياطي الذهب؟
يساهم احتياطي الذهب بالحفاظ على استقرار قيمة العملة الوطنية، حيث أنه إذا لم تكن تلك العملة مدعومة بأصول قوية أو أقتصاد قوي، يمكن لطباعة العملة الورقية أن تؤدي إلى التضخم المفرط نتيجة وجود حاجة إلى المزيد والمزيد من العملة من أجل شراء السلع. كما أن للذهب تأثير إيجابي على عملة الدولة لإنه يساعد على الحد من الإنفاق الزائد، فمن المفهوم أنه يمكن دائمًا تبديل العملة بقيمتها في الذهب.
ماذا عن مساوئه؟
إن احتفاظ البنك المركزي باحتياطي الذهب يعني حرمانه بالتالي من العائدات التي يمكنه الحصول عليها في حال قام باستثماره في الأسواق المالية. ومن جهة، إذا تم تحويل كل أو جزء من عائدات مبيعات الذهب أو من استثماره إلى الخزانة ، يمكن أن يتم استخدام هذه المبالغ لسداد الديون الحكومية.
هل يستطيع احتياطي الذهب استعادة بريق لبنان؟
يؤكد الخبير الإقتصادي نسيب غبريل في حديث لـLebEconomy أن وجود الذهب ومراكمته عبر السنوات كان يهدف لتكوين عامل ثقة من جهة وللإستخدام في أوقات الأزمات من جهة ثانية، وقال: “برأيي أنه حينما نمر بأزمة كالتي مررنا بها، بما فيها من توقف لتدفق الرساميل مع تعثر الحكومة عن سداد دفعة اليوروبوند في آذار 2020 وظهور سوق موازية لسعر صرف الليرة مقابل الدولار في أيلول 2019، يمكننا التفكير باستخدام الذهب”.
يضيف: “اقترحت سابقًا استخدام جزء من احتياطي الذهب كضمانة لتأخذ الدولة اللبنانية خط ائتمان تضخ من خلاله السيولة بهدف لجم انهيار سعر الصرف، غير أن الظروف السياسية في حينها لم تكن مؤاتية”.
وعما إذا كان استخدام الذهب يشكل فرصة لإعادة نهوض لبنان، يقول غبريل: “ليس الذهب كافيًا، فهناك خطة شاملة يتحدث عنها المجتمع الدولي، تشمل قيام الحكومة بوضع برنامج إصلاحي شامل وتحمله الى طاولة المحادثات مع صندوق النقد، الذي يشكل توقيعه على البرنامج مصداقية للدولة اللبنانية، فتبدأ الحكومة بتطبيق البرنامج ليبدأ صندوق النقد بدوره بضخ الأموال التي تعهد بتقديمها، وهو ما يشكل دافعًا لجهات أخرى للاستثمار في لبنان”.
ويتابع: “إن السير في هذا السيناريو يعني أننا لن نكون بحاجة لاستخدام الذهب، وأستبعد أن تقوم الحكومة بطرح استخدام هذا الاحتياطي”.
ويشير غبريل إلى أن قيمة احتياطي الذهب يتأثر حكمًا بمجرى أسعار الذهب عالميًا، وقد بلغت قيمته في العام 18 مليار دولار في أيلول 2020 وقد تراجع اليوم الى حوالي 16 مليار، وعليه، فإنه عندما يرتفع سعر الذهب يجب أن يفكر المعنيون بشيء من المنطق خصوصًا مع وجود أزمات حادة كالأزمة التي نشهدها اليوم.
إن احتياطي الذهب الذي تمكنت السلطات اللبنانية من مراكمته في السابق يشكل اليوم عامل ثقة رغم ما نشهده من أزمة على المستوى النقدي، واستخدامه يبقى أمرًا ممكنًا في حال توافر الجو السياسي الملائم متى ما دعت الحاجة، غير أن الأنظار اليوم موجهة إلى المسار الذي ستسلكه الحكومة في برنامجها الاصلاحي ومفاوضاتها مع صندوق النقد، فهل تتمكن من لجم الانهيار والبدء بالمسار الإصلاحي أم أننا سنعود إلى الحديث مجددًا عن تسييل الذهب لتأمين سيولة تفرمل الانهيار الحاد بسعر الصرف.



