ابرز الاخبارالاقتصاد العربي والدولي

بعد استهداف محيط “براكة” الإماراتية.. ما خريطة المخاطر النووية في المنطقة؟

أعاد استهداف محيط محطة “براكة” للطاقة النووية في الإمارات بطائرة مسيرة، أمس الأحد، ملف المخاطر النووية إلى واجهة حرب إيران، رغم إعلان سلطات أبوظبي أن الحادث لم يؤد إلى إصابات أو يؤثر على مستويات السلامة الإشعاعية، فيما قالت الوكالة الدولية للطاقة الذرية قالت إن مستويات الإشعاع بقيت ضمن المعدل الطبيعي بعد الحادث.

حساسية الحادث تكمن في أن “براكة” ليست منشأة هامشية في منظومة الطاقة الإماراتية. فالمحطة، التي تقع في منطقة الظفرة بإمارة أبوظبي، تضم 4 مفاعلات من طراز APR-1400، وتنتج نحو 40 تيراواط/ساعة سنوياً، بما يعادل قرابة 25% من احتياجات الإمارات من الكهرباء، وفق مؤسسة الإمارات للطاقة النووية. كما تظهر بيانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن المفاعلات الأربعة عاملة بقدرة إجمالية صافية تتجاوز 5.3 غيغاواط.

كما أن المنطقة التي تقع بها المحطة تضم أو تطور عدداً من المنشآت النووية المدنية، بعضها قيد التشغيل وبعضها قيد البناء، ما يجعل أي توسع في استهداف البنية النووية خطراً عابراً للحدود.

واعتبر سلطان الجابر، وزير الصناعة الإماراتي ورئيس “أدنوك”، في تغريدة على منصة “X” أن “استهداف (براكة) عدوان إرهابي على مشروع سلمي بُني وفق أعلى معايير السلامة لتوفير إمدادات الكهرباء للمنازل والمستشفيات والمصانع”. مؤكداً أن “براكة” ستستمر في العمل.

خريطة المفاعلات النووية في المنطقة
حالياً، تعد محطة “براكة” المحطة النووية التجارية الوحيدة العاملة في العالم العربي، لكنها، ليست الموقع النووي الوحيد في محيط الشرق الأوسط.

ففي إيران، تعمل “بوشهر”، وهي أول محطة نووية تجارية في البلاد، بمفاعل عامل قدرته الصافية 915 ميغاواط، إلى جانب مفاعل ثان قيد الإنشاء بقدرة صافية 974 ميغاواط، وفق قاعدة بيانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وفي مصر، يجري بناء محطة “الضبعة” النووية على الساحل الشمالي، بقدرة إجمالية مستهدفة تبلغ 4800 ميغاواط عبر 4 مفاعلات روسية من طراز VVER-1200. ومن المقرر أن يبدأ تشغيل الوحدة الأولى في النصف الثاني من 2028، على أن تكتمل الوحدات الثلاث المتبقية في 2029، وفق بيانات حكومية مصرية.

أما تركيا، فتطور محطة “أكويو” في مرسين على شرق المتوسط، أيضاً بتكنولوجيا روسية، وتتكون من 4 مفاعلات VVER-1200 بقدرة إجمالية 4.8 غيغاواط. وكان المشروع مقرراً في الأصل أن يبدأ التشغيل في 2023، قبل أن تؤجل التأخيرات تشغيل الوحدة الأولى إلى أواخر 2026.

كما توجد في المنطقة منشآت نووية أو مرتبطة بالبرامج النووية لا تعمل كمحطات كهرباء تجارية، مثل “ديمونة” في إسرائيل، ومنشآت التخصيب أو الأبحاث في إيران مثل نطنز وفوردو وطهران.

وتختلف هذه المواقع عن مفاعلات الطاقة من حيث التصميم والاستخدام وطبيعة الخطر، حيث تضم محطات الكهرباء مفاعلات كبيرة ووقوداً نووياً وأنظمة تبريد لتوليد الطاقة بشكل مستمر، بينما ترتبط مخاطر منشآت التخصيب أو الأبحاث بالمواد النووية المخزنة أو المعالجة وطبيعة النشاط داخلها.

كلفة المخاطر النووية
اقتصادياً، يختلف استهداف منشأة نووية عن ضرب محطة كهرباء أو ميناء أو جسر. ففي الضربات التقليدية، تُقاس الخسائر غالباً بكلفة الإصلاح وتعطل الإنتاج. أما في الخطر النووي، فتتسع الفاتورة المحتملة لتشمل الإجلاء، وتعطل النشاط الاقتصادي في المناطق المحيطة، وتراجع قيمة الأراضي والعقارات، وارتفاع كلفة التأمين والتمويل، إضافة إلى تكاليف إزالة التلوث والمراقبة الصحية والبيئية طويلة الأمد.

تُصنّف المخاطر النووية اقتصادياً ضمن الأحداث منخفضة الاحتمال وعالية الكلفة، أي أنها قد تكون نادرة، لكن أثرها المالي والاجتماعي قد يكون واسعاً إذا وقع تسرب أو تلوث إشعاعي.

وتوضح وكالة الطاقة النووية التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن تقدير كلفة الحوادث النووية لا يقتصر على الأضرار المباشرة، بل يشمل أيضاً الأثر خارج الموقع على مدى زمني طويل.

وتظهر التجارب السابقة حجم هذه الفاتورة المحتملة. فقد قدّرت اليابان في 2016 كلفة التعامل مع كارثة فوكوشيما، بما يشمل التعويضات وإزالة التلوث وتفكيك المحطة، بنحو 21.5 تريليون ين، أو ما يعادل نحو 188 مليار دولار آنذاك.

وفي حالة تشيرنوبل، أظهر تقرير لـ”منتدى تشيرنوبل” بقيادة الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن الإنفاق المرتبط بالكارثة بلغ 22.3% من موازنة بيلاروسيا في أوائل التسعينيات، قبل أن يتراجع إلى 6.1% في 2002، لكنه ظل عبئاً مالياً واجتماعياً ممتداً. كما تسبب التلوث الإشعاعي في إجلاء أكثر من 100 ألف شخص في 1986، ثم نقل نحو 200 ألف آخرين لاحقاً من بيلاروسيا وروسيا وأوكرانيا، بينما بقي نحو 5 ملايين شخص يعيشون في مناطق ملوثة بدرجات متفاوتة.

علاوة المخاطر النووية
تؤكد الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن الهجمات المسلحة على المنشآت النووية “يجب ألا تحدث”، لأنها قد تؤدي إلى إطلاق مواد مشعة بعواقب خطيرة داخل الدولة المستهدفة وخارج حدودها. لذلك، حتى عندما لا يقع تسرب إشعاعي، كما في حادث “براكة”، فإن مجرد اقتراب الحرب من منشأة نووية يضيف “علاوة مخاطر” إلى المنطقة، ويجبر الأسواق والحكومات وشركات التأمين على إعادة تقييم كلفة حماية البنية التحتية الحساسة.

لم يتحول استهداف محيط “براكة” إلى حادث نووي، لكنه كشف هشاشة جديدة في معادلة أمن الطاقة بالمنطقة.. فكيف يمكن حماية منشآت نووية مدنية باتت جزءاً من أمن الطاقة، وسط حرب تتسع لتطال البنية المدنية الحساسة؟

 

المصدر
الشرق

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى