أخبار لبنانإقتصاد
المهندسون المزاولون والقدامى… حقوقٌ لا تسقط بالتقادم (الديار 20 آب)

ليست قضية المهندسين المزاولين والقدامى والمتقاعدين قضية فئة في مواجهة فئة، ولا صراعًا بين جيل وآخر، بل هي قضية أسرة هندسية واحدة، ساهم كل فرد فيها، في موقعه وزمنه، في بناء المهنة والنقابة والوطن.
فالمهندس المزاول اليوم هو امتداد للمهندس القديم، والمهندس القديم هو حصيلة سنوات من الخبرة والتجربة والعطاء، أما المهندس المتقاعد فهو الذي أمضى سنوات عمره في خدمة المهنة، ومن حقه أن ينعم بكرامة تليق بما قدّمه.
ومن هنا، فإن المرحلة الراهنة تستدعي التوقف بجدية ومسؤولية أمام مجموعة من الملفات الأساسية التي تمس حاضر المهندس ومستقبله وحقوقه.
أولًا: الصندوق التقاعدي
إن أموال المهندسين وحقوقهم التقاعدية ليست أرقامًا عابرة، بل هي حصيلة سنوات طويلة من الاشتراكات والعمل والتعب. ومن حق كل مهندس أن يعرف بوضوح وشفافية: أين أصبحت أموال الصندوق؟ كيف استُثمرت؟ ما هي موجوداته والتزاماته؟ وما هي الآليات المعتمدة لضمان استمراريته وقدرته على الوفاء بحقوق المهندسين؟
ثانيًا: الرعاية الصحية والاستشفاء
أصبحت كلفة الاستشفاء والتأمين الصحي من أثقل الأعباء التي تواجه المهندسين وعائلاتهم، ولا سيما مع التقدم في العمر وارتفاع كلفة الطبابة والاستشفاء.
لذلك، لا بد من العمل على نظام صحي أكثر عدالة واستدامة، يحمي المهندس وعائلته ويحفظ خصوصية المهندس القديم والمتقاعد، فلا تتحول سنوات العمر والعطاء إلى عبء إضافي.
ثالثًا: حق المهندس القديم والمتقاعد في المشاركة
إن انتهاء المزاولة أو بلوغ سن التقاعد لا يعني انتهاء علاقة المهندس بنقابته.
فالخبرة لا تتقاعد، والعطاء لا ينتهي بقرار التقاعد.
ومن الضروري إعادة النظر في آليات إشراك المهندسين القدامى والمتقاعدين في الحياة النقابية، والاستفادة من خبراتهم، وإعطائهم دورًا حقيقيًا في اللجان والهيئات الرقابية.
رابعًا: التقديمات الاجتماعية
إن تفعيل صندوق التقديمات الاجتماعية وتطوير برامجه ليكون سندًا حقيقيًا للمهندس وعائلته لم يعد ترفًا، بل أصبح ضرورة.
فالأسرة الهندسية تحتاج إلى منظومة اجتماعية متكاملة تواكب الظروف الاقتصادية الصعبة، وتحمي المهندس وعائلته في مختلف مراحل الحياة.
خامسًا: الشفافية في إدارة النقابة وأموالها
لا يمكن بناء الثقة من دون معلومات واضحة.
ومن حق الهيئة العامة أن تطّلع بصورة دورية وشفافة على الإيرادات والمصروفات والاستثمارات والعقود والالتزامات المالية، وعلى نتائج أعمال الصناديق المختلفة.
إن نشر الأرقام والبيانات والعقود ليس انتقاصًا من أحد، بل هو احترام للمهندس وحق طبيعي له في معرفة كيفية إدارة المؤسسة التي ينتمي إليها ويساهم في تمويلها.
سادسًا: تفعيل حق الوصول إلى المعلومات
المهندس لا يطلب امتيازات خاصة، بل يطلب حقه في المعرفة. يريد أن يطّلع، ويسأل، ويناقش، ويحصل على الإجابات والوثائق ضمن الأطر القانونية والنقابية.
فالنقابة القوية ليست النقابة التي تخشى الأسئلة، بل النقابة التي تجيب عنها بالأرقام والوثائق والوقائع.
نحن لا نريد نقابة لجيل دون آخر، ولا نقابة لفريق دون سواه.
نريد نقابة تجمع المهندس المزاول والقديم والمتقاعد، وتحفظ حقوق الجميع، وتستفيد من طاقات الشباب وخبرة القدامى، وتضع مصلحة الأسرة الهندسية فوق كل اعتبار، إذ إنها البيت لكل مهندس.
لقد حان الوقت للانتقال من ردود الفعل إلى العمل المؤسساتي، ومن المطالب المتفرقة إلى رؤية واضحة، ومن الكلام العام إلى الأرقام والوثائق والخطط.
فالحقوق لا تُصان بالصمت، والمؤسسات لا تتطور بالخلافات، والمهنة لا تحافظ على مكانتها إلا عندما يكون أبناؤها متحدين حول مبادئ واضحة:
الشفافية، المساءلة، العدالة، المشاركة، وحماية حقوق المهندس في كل مراحل حياته.
هذه ليست مطالب فئة، بل مسؤولية نقابية وأخلاقية تجاه الأسرة الهندسية بأكملها.
وإذا كنا نريد لنقابتنا أن تبقى قوية وفاعلة وقادرة على مواجهة تحديات المستقبل، فعلينا أن نبنيها معًا، وأن نعيد إليها ثقة المهندس، وأن نجعل من الشفافية والمشاركة والمساءلة أساسًا ثابتًا في إدارتها.
المهنة بالمزاولين تُبنى… وبالقدامى تُحصَّن، وبحقوق الجميع تستمر.



