أخبار لبنانابرز الاخبارسياسة

حراك أميركي تحت النار: علي الطاهر اختبار الجولة الثامنة (ألأخبار 20 آب)

تدّعي واشنطن أنها تؤدي دور الوسيط بين بيروت وتل أبيب، وأن حراكها الدبلوماسي يهدف إلى احتواء التصعيد وفتح الطريق أمام تسوية سياسية تحول دون انفجار شامل. إلا أن كثافة الاتصالات الأميركية في بيروت تكشف، في المقابل، أن واشنطن لا تدير وساطة محايدة بقدر ما تحاول إدارة مسار تفاوضي معقّد بما ينسجم مع ثوابت الإدارة الأميركية: ربط أي انسحاب إسرائيلي تدريجي ببدء سحب سلاح حزب الله وتفكيك بنيته التحتية، بالتوازي مع محاولة ضبط اندفاعة بنيامين نتنياهو نحو استثمار التصعيد لفرض وقائع تخدم حساباته السياسية والانتخابية.

ويأتي الحراك الأميركي عبر جولات رئيس «مجموعة التنسيق العسكري» الجنرال جوزيف كليرفيلد، واتصالات السفير ميشال عيسى، وزيارة وفد «مجموعة العمل الأميركية من أجل لبنان» برئاسة إدوارد غبريال. ويبدو المشهد أشبه باستنفار دبلوماسي يسبق الجولة الثامنة من المفاوضات، هدفه جسّ النبض واختبار إمكانات التفاهم، في وقت يتصاعد فيه القصف والعمليات الإسرائيلية جنوباً، وطرح احتمال انتقال العدو إلى عمل عسكري أوسع يبدأ من مرتفعات علي الطاهر، بالتزامن مع مخاوف من انفجار إقليمي بين واشنطن وطهران قد يسعى نتنياهو إلى توظيفه لتثبيت مكتسباته وفرض وقائع جديدة.

في قلب هذا المسار، يقف رئيس مجلس النواب نبيه بري بوصفه المحاور والضامن السياسي الرئيسي، مستفيداً من موقعه التفاوضي وقدرته على تمثيل موقف حزب الله. وقد وضع بري معادلته بوضوح: وقف الحرب، وانسحاب إسرائيل الكامل إلى الحدود الدولية، ثم انتشار الجيش اللبناني فوراً جنوب الليطاني، بحيث يصبح القوة الوحيدة الحاملة للسلاح والممسكة بالأمن في المنطقة. وفي لقائه مع مجموعة العمل الأميركية، أبدى اهتماماً بإنجاح تجربة «المناطق التجريبية»، لكنه ربط نجاحها بقبول إسرائيل بسيطرة الجيش على علي الطاهر، بما يحول دون استمرار العمليات العسكرية وتوسّع الدمار.

لكن هذه المقاربة تصطدم حتى الآن بالسقف الأميركي – الإسرائيلي. فواشنطن تربط وقف العمليات أو أي انسحاب إسرائيلي تدريجي ببدء سحب سلاح حزب الله وتفكيك بنيته التحتية، ليس فقط جنوب الليطاني، بل على نطاق أوسع. وفي هذا السياق، فإن الزيارات والاتصالات الحالية تهدف إلى نقل تقييمات مباشرة إلى واشنطن بشأن إمكان تطبيق التفاهمات المقترحة، بدءاً من حصر السلاح وآليات التحقق، مروراً بالإصلاحات، وصولاً إلى إعادة الإعمار ودعم الجيش. بمعنى آخر، تستطلع واشنطن قبل أن تفاوض، وتقيس الفارق بين ما تقوله الدولة اللبنانية وما تستطيع فعلياً تنفيذه على الأرض.

وفي هذا السياق، تحوّلت علي الطاهر من مجرد نقطة عسكرية إلى عقدة سياسية وتفاوضية. فبعد تعثر الطرح الأميركي القاضي بتسليمها إلى الجيش اللبناني، تصر إسرائيل على تثبيت وقائع ميدانية جديدة قبل الانتقال إلى جولة تفاوضية جديدة، فيما يرفض حزب الله التعامل معها كتفصيل يمكن التخلي عنه تحت الضغط. أما الدولة اللبنانية، فتحاول تقديم انتشار الجيش بوصفه المخرج الأقل كلفة للجميع.

ولا تبدو صيغة «المناطق التجريبية» محسومة بدورها. فثمة أسئلة لا تزال معلقة حول الجهة الدولية التي ستشرف عليها، وآليات التحقق الميداني، وكيفية التعامل مع مخلفات الحرب والمخازن والمواقع العسكرية. وفي مقابل ذلك، تتمسك بيروت بتمديد مظلة «اليونيفيل» لمنع أي فراغ أمني، فيما تبرز إيطاليا كأحد الأطراف المطروحة للمشاركة في آلية التحقق.

ولا ينفصل دعم الجيش عن هذا المسار. فالاجتماع التحضيري لمؤتمر دعم الجيش وقوى الأمن الداخلي في باريس في 17 أيلول يندرج ضمن الجهد السياسي نفسه، فيما تحمل زيارة الرئيس جوزف عون إلى روما دلالة إضافية، بالنظر إلى الدور الإيطالي المحتمل في آلية التحقق ودعم المؤسسة العسكرية. وقد أعاد عون ربط إعادة الإعمار بانسحاب إسرائيل وانتشار الجيش حتى الحدود، لكن تعزيز قدرات المؤسسة العسكرية لا يحسم وحده معضلة التسلسل، لأنّ السؤال يبقى حول المهمة التي سيؤديها والمناطق التي سينتشر فيها، وما إذا كان انتشاره نتيجة للانسحاب أم شرطاً سابقاً له.

في المقابل، لا يمنح الميدان المفاوضين ترف الانتظار. فاستمرار التفجيرات والعمليات الإسرائيلية في الجنوب، بما فيها ما سُجّل في حولا وطلوسة وكفرتبنيت، إلى جانب القصف والتجريف والأنشطة العسكرية التي وثقتها «اليونيفيل»، يعني أن المفاوضات تجري تحت ضغط نار مستمر، لا في ظل وقف إطلاق نار مستقر، ويجعل بيروت تقف عند معادلة «الانسحاب أولاً والجيش وحده جنوب الليطاني»، بينما تتمسك واشنطن وتل أبيب بمعادلة «السلاح والتحقق أولاً ثم الانسحاب». وبين المعادلتين تقف علي الطاهر بوصفها الاختبار الذي سيحدد مسار الأسابيع المقبلة.

المصدر
الأخبار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى