رسائل بالنار… وحراك دبلوماسي في بيروت (الديار 10 تموز)
مصير لبنان رهن مسارات متعددة... ورهان الدولة على روما

تـبـــــادل «الرسائل» بالنار بيـن طهران وواشنـــــطن يستمر حتى الان، تحت سقف عدم انهيار مذكرة التفاهم. ويبقى الترقب سيد الموقف بانتظار نتائج حراك الوسيطين القطري والباكستاني اللذين يعملان على اعادة الطرفين الى طاولة الحوار وخفض التصعيد. هذا في الخليج، اما في بيروت فتشهد تزاحما دبلوماسيا للمسارين الاميركي – والايراني مع تزامن زيارات السفير الاميركي ميشال عيسى العائد من واشنطن على المقرات الرئاسية مع جولة معاون وزير الخارجية الايراني الذي التقى رئيس مجلس النواب نبيه بري ونائب رئيس الحكومة طارق متري، وحزب الله. الاول عمل على التسويق لجولة روما التفاوضية، والثاني جدد التاكيد على اولوية الملف اللبناني في مسار جنيف، في وقت تبدو المنطقة امام مخاض عسير، وخلط للاوراق، تحكمه سلسلة من المواعيد في واشنطن، وتناقض في الاهداف والمصالح بين الرئيس الاميركي دونالد ترامب الذي كرر التاكيد على التزامات من قبل الرئيس السوري «للتعامل» مع حزب الله، واذا كان يريد شخصيا انهاء الحرب في المنطقة للنجاح في الانتخابات النصفية، فان نتانياهو الذي ينتظر تحديد موعد له في البيت الابيض يريد العودة الى الحرب للنجاح بالانتخابات التشريعية. ولبنان يقبع على «رصيف الانتظار»؟!
محطة مفصلية
في المقابل، تشير اوساط مطلعة على اجواء بعبدا، ان لبنان الرسمي يراهن بصورة شبه كاملة على المسار الذي تقوده واشنطن، خصوصًا مع اقتراب الزيارة الأولى المرتقبة في 21 الجاري للرئيس جوزاف عون إلى البيت الأبيض ولقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والتي يُنتظر أن تشكل محطة مفصلية لتوفير الغطاء السياسي للمرحلة التنفيذية، وترجمة ما أُنجز على طاولة التفاوض إلى خطوات ميدانية قابلة للتطبيق.!
جولة روما واختبار النوايا
وفي هذا السياق، تشير المصادر بان التعويل الرئاسي على الجولة الجديدة من المحادثات المقررة يومي 15 و16 تموز، والعمل جار على «قدم وساق» كي تتحول من مجرد اختبار جدي للنوايا، الى الانتقال العملي من مرحلة تثبيت المبادئ إلى البحث في آليات التنفيذ. الاولوية لن تمنح لاستكمال التفاوض حول الملفات التي بقيت عالقة خلال جولات واشنطن، والتركيز سيكون على ضرورة الانتقال إلى مناقشة الإجراءات التنفيذية، ولا سيما ما يعرف بـتطبيق»المناطق التجريبية»، التي يُفترض أن تشكل النموذج الأول لتطبيق التفاهمات الميدانية.
وعود عيسى بخطوات عملية؟
وفي هذا السياق، شرح السفير الاميركي ميشال عيسى امام الرئيس وعون وكذلك رئيس الحكومة نواف سلام اسباب اختيار العاصمة الإيطالية، لافتا الى ان الامر شكلي ولا تغيير في التزامات واشنطن، فروما تشكل نقطة وسط بين لبنان وإسرائيل، وهو امر يسهّل حركة الوفود، ولفت الى ان السفارة الأميركية هناك من أكبر البعثات الدبلوماسية الأميركية في أوروبا، وتملك بنية أمنية واستخباراتية متقدمة. ووعد عيسى بتسريع وصول الجنرال الأميركي المكلف بالإشراف على تنفيذ الترتيبات الأمنية جوزيف كليرفيلد الى بيروت للانتقال للإقامة فيها مع فريق عمله نهاية الشهر الجاري، في خطوة اميركية تعكس الرغبة بالانتقال الى الشق العملي من المذكرة. وقد اكد مسؤول اميركي لوكالة «رويترز» ان اول منطقة تجريبية ستحدد خلال ايام، والعمل جار لتحديد مناطق تجريبية اخرى.
ماذا جرى في عين التينة؟
وفي عين التينة، لم يتراجع رئيس مجلس النواب نبيه بري عن مواقفه الرافضة لاتفاق الاطار، وكرر امام عيسى تعداد الثغرات التي تجعله غير قابل للحياة. ووفق اوساط مطلعة، لا يزال الخلاف في وجهات النظر كبيرا بين بري والاميركيين، وهو ما عكسه اللقاء مع عيسى، وبعد ان لفت بري نظر السفير الاميركي بانه استقبل قبل حضوره الى عين التينة 22 سفيرا من الاتحاد الاوروربي، ورد عليه بالقول «انا جايي وحدي»، جدد بري رفضه لما ورد في اتفاق الاطار خصوصا دور الجيش والمناطق التجريبية، مجددا التاكيد على ان الحل بانسحاب اسرائيلي من الاقضية وتسليمها الى القوى العسكرية دون شروط مسبقة تزامنا مع عودة الاهالي وانسحاب حزب الله من جنوب الليطاني. في المقابل تمسك عيسى بموقف بلاده حيال الانسحاب التدريجي، وشدد على ان انتشار الجيش لن يحصل الا تحت رقابة اميركية، ووفق المعايير الواردة في المذكرة. وقد لفت بري الى ان واشنطن متمسكة بمسار معقد لن ينتهي بتحرير لبنان بل الى الفتنة الداخلية !
السفير الاميركي.. واسلام اباد
ووفق مصادر مطلعة، حضر مسار اسلام اباد خلال جولة عيسى الذي لم يخف اهمية هذا المسار التفاوضي، كما لم ينف وجود اتصالات جدية لتشكيل اللجنة الثلاثية التي تضم الولايات المتحدة وإيران وقطر، لكنه اشار الى توقف الامور راهنا بسبب التصعيد المستجد في مضيق هرمز، مجددا رؤية بلاده على ضرورة استكمال لبنان لمساره المستقل.
ماذا تبلغ حزب الله؟
في هذا الوقت، تعتبر مصادر حزب الله ان السلطة باتت محاصرة وطنيا بعد المعارضة الواسعة لاتفاق الاطار الذي تجاوز الانتماءات الطائفية، بعد ان اكتشف كثيرون انه يتعارض مع الدستور والميثاق الوطني ويضر بالمصالح الاستراتيجية للبنان خصوصا لما يتضمنه الملحق الامني من بنود خطيرة. وفي هذا السياق، تبلغ الحزب من الوفد الايراني الرسمي الموجود في بيروت برئاسة معاون وزير الخارجية للشؤون القنصلية والبرلمانية وشؤون الإيرانيين في الخارج وحيد جلال زاده، ان طهران تستخدم القوة في مضيق هرمز لحماية مذكرة التفاهم واجبار الولايات المتحدة على التقييد بتنفيذها بعد محاولات فاضحة للتنصل منها في مسالتين رئيسيتين، الاموال المجمدة، والملف اللبناني. وقد تم تجديد التعهد بعدم التوقيع على اي اتفاق نهائي اذا لم يحصل الانسحاب الاسرائيلي من الجنوب.
التطمينات الايرانية؟
وهو امر تم ابلاغه ايضا بالامس الى كل من رئيس مجلس النواب نبيه بري، ونائب رئيس مجلس الوزراء طارق متري بعد لقاءين منفصلين مع الوفد الايراني حيث تم البحث بالمستجدات الدولية والاقليمية الاخيرة، ومستقبل التفاهم الاميركي الايراني وانعكاساته الإقليمية، على لبنان. ووفقا للمعلومات، تبلغ بري ان ايران تعمل على سحب «اسرائيل» من الاراضي اللبنانية دون قيد او شرط ودون تقديم اي تنازلات. وفي اللقاء مع متري جدد الوفد الايراني مطالبة الحكومة بتسمية ممثلها في اللجنة الثلاثية المنبثقة عن مذكرة التفاهم في جنيف لمراقبة خفض التصعيد. ولم يتم التطرق لملف السفير الايراني في بيروت.
حملة ضغوط على جنبلاط؟
وفي ظل استياء سياسي يطال رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط،علمت «الديار» من مصادر مطلعة ان الاستياء من انتقاداته الحادة الاخيرة لاتفاق الاطار الموقع بين الدولة اللبنانية و«اسرائيل»، لم يقتصر على الرئاسة الاولى، والجانب الاميركي، فبعد تجاوز الاستياء الرئاسي مرحلة العتب وابلاغ جنبلاط عبر قنوات الاتصال المعتادة ان كلامه لم يعد مجرد ملاحظات على الاتفاق وانما اصطفاف واضح وراء «الثنائي»، وهو ما سيترك انعكاسات سلبية على العلاقة مع بعبدا. وبعد ان تبلغ ايضا موقفا مشابها من السفير الاميركي في بيروت ميشال عيسى الذي طالبه بالتراجع عن مواقفه السلبية، «المعادية للسلام»، برز دخول سعودي على خط الاعتراض على مواقفه، ووصلت «الرسالة» قاسية الى «كليمونصو» تتهم جنبلاط بانه اختار الوقوف في وجه مساعي الدولة للامساك مجددا بقرارها «وتحريره» من يد طهران.! ووفق مصادر مقربة من جنبلاط رد الاخير برفض الاتهامات التي تسوق ضده وتزعم انه اتخذ مواقفه بناء على خلافات حول مصالح شخصية مع رئيسي الجمهورية والحكومة تتعلق بالتعيينات، ووصفها بالسخيفة، وتمسك بموقفه النابع من رفض بنود اتفاق الاطار غير المتوازنة والتي تهدد بأخذ لبنان الى الفوضى والحرب الاهلية.
ترامب يصر على توريط دمشق!
في هذا الوقت، اثار الرئيس الاميركي دونالد ترامب مجددا القلق في بيروت، بعد تاكيده اثر لقاء الرئيس السوري أحمد الشرع في انقرة انه قدّم له التزاماً بشأن حزب الله. وردًّا على سؤال حوال ما إذا كان «قدّم الشرع أي التزامات بخصوص المساعدة في التعامل مع «الحزب»، قال ترامب: «نعم، فعل ذلك ولن أفصح عمّا قاله لي، لكن نعم، لقد قدّم تعهّدات. لقد كان رائعاً الليلة». وفي هذا السياق، لفتت مصادر مطلعة ان ترامب يصر على توريط دمشق بملف شائك قد يفجر المنطقة، وهو امر نفته مجددا مصادر سورية بعد اتصال مع جهات لبنانية رسمية.



