المؤتمر المؤجّل… فرنسا والرهان على إعادة هندسة الأمن في الجنوب (الديار 10 تموز)

مع انتقال المفاوضات بين لبنان و”إسرائيل” برعاية أميركية إلى مرحلة جديدة، والى مكان جديد هو السفارة الأميركية في روما، بدلاً من وزارة الخارجية أو البنتاغون في واشنطن، يتحوّل المؤتمر الدولي لدعم الجيش اللبناني من ملف مساعدات، إلى أداة لإعادة رسم وظيفة الدولة الأمنية في الجنوب، وسط محاولة فرنسية لاستعادة موقعها في إدارة مرحلة “ما بعد الحرب”.
تقول مصادر سياسية وديبلوماسية مطلعة، بأنّ التأجيل المتكرّر للمؤتمر الدولي المخصّص لدعم الجيش اللبناني، لا يعكس ارتباكاً تنظيمياً أو تراجعاً في الاهتمام الفرنسي بلبنان، بقدر ما يكشف عن تحوّل في وظيفة المؤتمر نفسه. فما كان يُطرح في البداية كآلية لتعبئة الموارد المالية للمؤسسة العسكرية، بات يُنظر إليه اليوم باعتباره جزءاً من مشروع أوسع، لإعادة تشكيل النظام الأمني في جنوب لبنان.
يفرض هذا التحوّل “اتفاق الإطار أو “صيغة الإطار”، الذي وُقّع في واشنطن في 26 حزيران الفائت، والذي لا يقتصر على تثبيت وقف الأعمال العسكرية، بل يرسم تصوّراً لمرحلة إنتقالية، يصبح فيها الجيش اللبناني الجهة الأساسية المكلّفة الإمساك بالأرض.
في هذا السياق، تواصل باريس اتصالاتها مع واشنطن والرياض وشركاء أوروبيين للإعداد للمؤتمر، على ما تؤكّد المصادر، من دون تحديد موعد نهائي لانعقاده. ويبدو أنّ التأخير مرتبط برغبة فرنسية في ضمان أن يأتي المؤتمر في لحظة سياسية، تسمح بتحويل التعهّدات إلى برنامج عمل، لا إلى إعلان تضامن جديد يضاف إلى سلسلة المؤتمرات السابقة، التي لم تنجح في إحداث تحوّل مستدام في بنية الدولة اللبنانية.
ولهذا، تبدو باريس حريصة على توافر مجموعة من الشروط قبل تحديد موعد المؤتمر، تتمثّل بوضوح لمسار الانسحاب “الإسرائيلي”، وانتشار الجيش اللبناني بصورة فعلية في ما يُسمّى “المناطق التجريبية”، فضلاً عن التوافق مع الدولة اللبنانية على الموعد. فالمطلوب، وفق هذه المقاربة، ليس مجرد مؤتمر مانحين، بل إطار يربط التمويل بالقدرة على تنفيذ المهمة الأمنية الجديدة.
غير أن أهمية المؤتمر لا تُفهم من خلال حجمه المالي فقط، بل من خلال التحوّل في فلسفة التعامل الدولي مع لبنان. فقد تبدّلت الأولويات اليوم، على ما تلفت المصادر، إذ باتت العواصم الغربية تنظر إلى الأمن بوصفه مدخلاً للاستقرار الاقتصادي والسياسي، لا نتيجة له فقط. من هنا، لم يعد دعم الجيش يقتصر على سدّ النقص في المعدات واللوجستيات، بل على تعزيز قدرات الجيش بما يسمح له بالانتشار والمراقبة، وجمع المعلومات وحماية الحدود والحفاظ على الاستقرار على المدى الطويل.
وبالنسبة إلى التمويل المتوقّع، تلفت المصادر إلى أنّ الرئاسة اللبنانية تحدّثت في وقت سابق عن خطة عشرية لدعم الجيش تقدّر بنحو مليار دولار سنوياً. غير أنّ الدول المانحة تبدو أكثر ميلاً إلى مقاربة تدريجية، مرتبطة بمراحل تنفيذ الاتفاق والقدرات المطلوب تطويرها، بدلاً من الالتزام المسبق بسقف مالي ثابت لعقد كامل.
ولذلك، من المرجح ألّا يخرج المؤتمر المرتقب بتعهّد مالي موحّد، بل بإطار لتنسيق المساعدات، بحيث تختار كلّ دولة المجالات التي ترغب في تمويلها. ويرتبط البُعد الفرنسي، على ما تقول المصادر، بإعادة توزيع الأدوار الدولية في الملف اللبناني. فبعدما قادت واشنطن الجزء الأكبر من المسار التفاوضي المباشر بين لبنان و”إسرائيل”، تسعى باريس إلى الحفاظ على موقعها كلاعب أساسي في مرحلة “ما بعد الاتفاق”.
وترى الديبلوماسية الفرنسية في انتقال المفاوضات إلى روما في 14 و15 تموز الجاري، فرصة لإعادة إدخال البُعد الأوروبي إلى إدارة الملف. من هنا، يبدو تأجيل المؤتمر جزءاً من إدارة تفاوضية دقيقة للمرحلة المقبلة. فباريس لا تبحث عن مؤتمر ناجح، من حيث عدد المشاركين أو حجم التعهّدات فقط، بل عن لحظة سياسية يصبح فيها التمويل أداة، لترسيخ واقع أمني جديد.
والسؤال الأساسي لم يعد متى سيُعقد المؤتمر، بل إذا كانت الشروط السياسية التي تمنحه معناه قد نضجت؟ أم أنّ القوى الدولية لا تزال في طور هندسة توازن إقليمي، لم تستقر معالمه النهائية بعد؟!



