خاص- صندوق النقد يكشف الفساد والمحسوبيات في قطاع الكهرباء.. 44% من دخل الأسر يذهب لفواتير المولدات الخاصة

في إطار تقييمه لأوضاع الحوكمة والفساد في لبنان، اعتبر صندوق النقد الدولي أن غياب إمدادات الكهرباء الموثوقة والمستمرة يشكّل إحدى أبرز المشكلات في البلاد، مشيراً إلى أن غياب الشفافية في عمليات التعاقد، وضعف الرقابة على الأشخاص المعرّضين سياسياً، وشبكات المحسوبية القوية، وغياب المساءلة، كلها عوامل ساهمت في تفاقم مخاطر الفساد في قطاع الكهرباء.
ووفق تقرير ورد في النشرة الاسبوعية لبنك بيبلوس Lebanon this week وقد حصل موقعنا على نسخة منه وترجمه الى اللغة العربية، فقد اعتبر الصندوق أن الاعتماد الواسع على المولدات الخاصة جاء نتيجة فشل السلطات، على مدى عقود، في إصلاح قطاع الكهرباء وتحديثه، ما أدى منذ عام 2018 إلى فجوة بلغت 37% بين الطلب على الكهرباء والعرض المتاح بسبب عدم كفاية إمدادات الطاقة. وأضاف أن المولدات الخاصة غير القانونية تعمل وفق نموذج قائم على الاشتراكات، ما أسهم في خلق اقتصاد غير رسمي معقّد يعمل بمعظمه خارج الأطر التنظيمية والرقابية. واستشهد الصندوق بدراسة للبنك الدولي عام 2020 أظهرت أن مستوردي الوقود وتجار المولدات ووكلاءها هم أبرز المستفيدين من انتشار مولدات الديزل، بعدما حققوا إيرادات سنوية إجمالية تقارب ملياري دولار من قطاع الطاقة غير الرسمي.
وأشار التقرير إلى أن قطاع الكهرباء كان على الدوام في صلب التحديات المالية والاقتصادية التي واجهها لبنان، لافتاً إلى أن مؤسسة كهرباء لبنان (EdL)، التي تحتكر إنتاج الكهرباء ونقلها وتوزيعها، تعمل بعجز مزمن يجري تمويله من خلال تحويلات مالية من الدولة منذ عام 1993.
3.66 مليار دولار الانفاق على الكهرباء
ورغم أن تعديل تعرفة الكهرباء وسعر صرف الليرة مقابل الدولار خلال عامي 2022 و2023 ساهم في تقليص العجز التشغيلي للمؤسسة، إلا أنها لا تزال بعيدة عن تحقيق الاكتفاء الذاتي، وتواصل الاعتماد على دعم الدولة لتمويل استيراد الوقود. ووفق التقرير، بلغ إنفاق الحكومة على مشاريع قطاع الكهرباء نحو 3.66 مليارات دولار بين عامي 1990 و2019، فيما قدّمت الجهات المانحة الدولية نحو 1.28 مليار دولار عبر مجلس الإنماء والإعمار لتمويل مشاريع القطاع بين عامي 1992 و2021.
وأكد التقرير أن ضعف القدرات التشغيلية وهياكل الحوكمة أتاح للنخب السياسية والاقتصادية إحكام سيطرتها على مؤسسة كهرباء لبنان، بما أدى إلى مزيد من تراجع أدائها. وأوضح أن السلطات أساءت إدارة الاستثمارات المخصصة لتوسيع وتنويع قدرات إنتاج الكهرباء، ما كرّس الاعتماد على الوقود المستورد، ومنح الأفضلية لتكتلات احتكارية تتمتع بنفوذ سياسي.
وأضاف أن هذا الواقع أدى إلى إبقاء تعرفة الكهرباء دون مستوى استرداد الكلفة، وأسهم في انتشار المولدات الخاصة غير القانونية، التي غالباً ما ترتبط بأحزاب سياسية أو سلطات محلية، كما حدّ من قدرة المؤسسة على خفض الهدر غير الفني وتحسين الجباية.
مقدمي الخدمات
ولفت التقرير إلى أن السلطات اعتمدت أطر عمل معقدة وغير شفافة لمقدمي خدمات التوزيع من دون أن تنجح في فرض تطبيقها، كما امتنعت عن تنفيذ الإصلاحات القانونية الرامية إلى إنشاء هيئة ناظمة لقطاع الكهرباء، وإعادة هيكلة مؤسسة كهرباء لبنان، وتنظيم مشاركة القطاع الخاص. كذلك، أبقت سيطرتها على هياكل الإدارة والمشتريات داخل المؤسسة، وعرقلت عمليات التدقيق الخارجي، وتغاضت عن استمرار أعداد كبيرة من العمال المؤقتين، بالتوازي مع تجميد توظيف الموظفين الدائمين.
أنظمة الطاقة الشمسية
وفي المقابل، أشار التقرير إلى أن أعداداً كبيرة من اللبنانيين لجأت إلى تركيب أنظمة الطاقة الشمسية كبديل عن محدودية التغذية الكهربائية الرسمية. وذكر أن القدرة المركبة للطاقة الشمسية المنزلية ارتفعت من مستوى شبه معدوم عام 2010 إلى نحو 100 ميغاواط عام 2019، ثم إلى 200 ميغاواط عام 2021، قبل أن تقفز إلى نحو 1300 ميغاواط بحلول نهاية عام 2023.
كما أشار إلى أن ما لا يقل عن 17 تجمعاً سكنياً في مختلف المناطق اللبنانية اعتمدت شبكات هجينة تجمع بين الطاقة الشمسية ومولدات الديزل، عبر دمج الألواح الشمسية في شبكات المولدات القائمة بهدف خفض استهلاك الديزل وتأمين كهرباء أقل كلفة وأكثر موثوقية. إلا أن التقرير شدد على أن الاستثمار في الطاقة المتجددة لا يزال يفوق القدرة المالية لشريحة واسعة من اللبنانيين.
توصيات الصندوق
وفي إطار الإصلاحات المطلوبة، دعا صندوق النقد الدولي مجلس الوزراء إلى اعتماد سياسة شاملة واستباقية لتعزيز الشفافية في قطاع الكهرباء، تلزم السلطات بنشر النصوص الكاملة لجميع العقود والامتيازات الحالية والمستقبلية الممنوحة لشركات القطاع الخاص لإنتاج الكهرباء لصالح مؤسسة كهرباء لبنان، إلى جانب العقود المبرمة مع مقدمي خدمات التوزيع، بما يشمل آليات الدفع وقيمها، وعقود شراء الوقود التي طرحتها المديرية العامة للنفط أو أي جهة حكومية أخرى منذ عام 2015، فضلاً عن تراخيص استيراد الوقود السارية والتقارير نصف السنوية الخاصة بالتدفقات المالية بين الدولة ومؤسسة كهرباء لبنان.
كما حذّر الصندوق من التداعيات الاجتماعية الخطيرة لأزمة الكهرباء، مشيراً إلى أن مسحاً أجرته منظمة “هيومن رايتس ووتش” أظهر أن الأسر اللبنانية أنفقت في عام 2023 نحو 44% من دخلها الشهري على فواتير المولدات الخاصة، فيما بلغت هذه النسبة 88% لدى الأسر الواقعة ضمن الشريحة الخمسية الأدنى دخلاً التي تعتمد على المولدات، مقابل 21% فقط لدى الأسر ضمن الشريحة الخمسية الأعلى دخلاً.
وأوضح صندوق النقد الدولي أنه أجرى تقييم الحوكمة والفساد في لبنان بين أكتوبر 2022 وأبريل 2023، بناءً على طلب حكومة رئيس الوزراء نجيب ميقاتي آنذاك. وأضاف أنه شارك مسودة التقرير مع السلطات في مارس 2025 لإبداء الملاحظات، كما عرضها على رئيس الحكومة وأعضاء مجلس الوزراء في 30 أبريل 2025، قبل أن يُدخل عليها تحديثات استناداً إلى الاجتماعات التي عقدت في مايو 2025 وإلى الملاحظات الخطية التي تلقاها من السلطات.



