أخبار لبنانابرز الاخبارسياسة

مكتومو القيد: حين تتحوَّل الهوية إلى حلم (الجمهورية 8 تموز)

في وطنٍ يُفترض أن يحتضن أبناءه جميعاً، يعيش آلاف الأشخاص قصةً يَصعُب تصديقها. فهم ليسوا غرباء جاؤوا من وراء الحدود، ولا عابرين ينتظرون محطة الرحيل، بل وُلدوا على هذه الأرض، وتنفّسوا هواءها، وحفظوا أسماء قراها ومدنها، لكنّهم ما زالوا عاجزين عن إثبات أنّهم ينتمون إليها. إنّهم مكتومو القيد، المواطنون الذين يعيشون بين الوجود الإنساني والغياب القانوني.

قد يبدو امتلاك الهوية الشخصية أمراً بديهياً بالنسبة إلى معظم الناس، لكنّها بالنسبة إلى مكتوم القيد حلمٌ يرافقه منذ ولادته. فهو يكبر وهو يدرك أنّ حياته ستكون مختلفة، لا لأنّه أقل قدرة أو أقل علماً، بل لأنّ ورقةً رسمية لم تصل إليه، فحُرم معها من حقوقٍ يعتبرها الآخرون من المسلّمات.

طريق المعاناة ليس معبداً للجميع

تبدأ المعاناة منذ الطفولة، حين يكتشف الطفل أنّ طريق المدرسة ليس معبّداً للجميع، وأنّ الوصول إلى الامتحانات الرسمية أو متابعة الدراسة الجامعية قد يصبح معركة طويلة. وحتى عندما ينجح بعضهم في تحصيل العلم، يجد نفسه أمام واقع أكثر قسوة.

فالشهادة وحدها لا تكفي إذا كان صاحبها غير معترف بوجوده قانوناً. وهكذا تتحوَّل سنوات الاجتهاد إلى أوراق محفوظة في الأدراج، بينما تُغلق أبواب الوظائف في وجه أصحاب الكفاءات قبل أن تُفتح.

ولا تقف المأساة عند حدود التعليم والعمل، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية. فالمرض يصبح أكثر قسوة عندما يعجز صاحبه عن الاستفادة من الخدمات الصحية، والسفر يتحوَّل إلى أمنية بعيدة، وحتى المعاملات البسيطة التي ينجزها المواطن خلال دقائق قد تصبح بالنسبة إلى مكتوم القيد أمراً مستحيلاً.

الزواج رحلة مليئة بالعوائق

أمّا الزواج، وهو حق إنساني واجتماعي قبل أن يكون إجراءً قانونياً، فيتحوَّل لدى كثيرين إلى رحلة مليئة بالعوائق. فغياب الأوراق الثبوتية يفرض تعقيدات قانونية وإدارية، تجعل تأسيس أسرة أمراً بالغ الصعوبة، ويزرع القلق في نفوس الشباب الذين يخشون أن يرث أبناؤهم المعاناة نفسها. وما أقسى أن يحلم الإنسان ببيتٍ صغير يجمعه بمَن يحب، ثم يكتشف أنّ القانون لا يعترف حتى بوجوده.

وعلى رغم من كل ذلك، لا يحمل مكتومو القيد مطالب استثنائية، ولا يسعون إلى امتيازات تفوق غيرهم. إنّهم يطالبون فقط بحقهم الطبيعي في الاعتراف القانوني، لأنّ الهوية ليست امتيازاً تمنحه الدولة لِمَن تشاء، بل حق أصيل لكل إنسان يولد على أرض وطنه وفق ما يكفله القانون.

إنّ استمرار هذا الملف من دون معالجة لا يظلم الأفراد وحدهم، بل يرهق المجتمع بأكمله. فبين مكتومي القيد شباب يملكون طاقات علمية ومهنية كبيرة، وكان بإمكانهم أن يكونوا أطباء ومهندسين ومعلّمين وحرفيِّين وروّاد أعمال يساهمون في نهضة وطنهم. لكنّ غياب الحلول جعلهم أسرى واقع لا ذنب لهم فيه، فخسروا أحلامهم، وخسرهم لبنان أيضاً. العربوشعوب الشرق الأوسط

إنّ الدولة التي تسعى إلى بناء مجتمع عادل، لا تستطيع أن تترك أبناءها على هامش الحياة. فالقوانين وُجدت لتنصف الإنسان، لا لتُبقيه أسير خطأ إداري أو إهمال امتد عبر السنين.

من هنا، فإنّ معالجة قضية مكتومي القيد لم تعُد مجرّد استحقاق إداري، بل أصبحت مسؤولية وطنية وأخلاقية وإنسانية، تستوجب خطوات عملية وسريعة، تحفظ الحقوق، وتعيد لكل إنسان اسمه وهويّته ومستقبله.

يبقى السؤال الذي يفرض نفسه: كيف يمكن لوطن أن يطلب من أبنائه الانتماء إليه، فيما لا يزال بعضهم ينتظر اعترافه بوجودهم؟

لعلّ العدالة تبدأ من لحظة تقول فيها الدولة لكل مكتوم قيد: أنت لست رقماً مؤجّلاً، ولا قضية مؤجّلة، بل إنسان يستحق أن يعيش بكرامة، وأن يحمل هوية تثبت ما يعرفه الجميع منذ ولادته… أنّه ابن هذا الوطن.

بواسطة
آية يوسف المسلماني
المصدر
الجمهورية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى