أخبار لبنانابرز الاخبارسياسة

لبنان من ثقافة الرهان إلى ثقافة الخيار (الجمهورية 8 تموز)

لكل أمّة ثقافة سياسية تفسّر نجاحها أو تعثرها. وإذا كان لا بدّ من اختصار المأزق اللبناني بكلمتَين، فهما: الرهان والخيار. ليست مشكلة لبنان أنّه يقع في قلب منطقة مضطربة، ولا أنّه يتأثر بصراعات الإقليم وتقلّبات السياسة الدولية. فالجغرافيا قدر لا تختاره الدول، أمّا كيفية التعامل معها، فهي خيارها.

ومع ذلك، يبدو أنّ لبنان، طوال قرن من عمره، لم ينجح في تحويل موقعه الجغرافي إلى مشروع دولة، لأنّه اعتاد أن يقرأ مستقبله من خلال ما يحدث حوله أكثر ممّا يصنعه بإرادته. من هنا، لا تبدو أزمة لبنان مجرّد أزمة نظام أو اقتصاد أو إدارة، بل أزمة ثقافة سياسية جعلت الرهان يتقدَّم على الخيار. والفرق بينهما جوهري.

فالخيار هو قرار تتخذه أمّة تعرف ماذا تريد، وتبني مؤسساتها على هذا الأساس، وتتحمَّل مسؤولية نتائج قراراتها. أمّا الرهان، فهو تعليق المستقبل على ما قد يفعله الآخرون، أو على تبدُّل موازين القوى، أو على ولادة تسوية إقليمية جديدة.

الخيار يصنع السياسة، أمّا الرهان فينتظرها. ولعلّ هذه الثنائية تفسّر جانباً كبيراً من تاريخ لبنان الحديث. فمنذ قيام الدولة، تبدَّلت العواصم المؤثرة، وتغيَّرت التحالفات، وتعاقبت المشاريع الإقليمية والدولية، لكنّ النتيجة بقِيَت واحدة: كلّما تبدّلت موازين القوى في الخارج، اهتزّ الداخل اللبناني معها.

ليس المقصود بذلك تحميل الخارج مسؤولية أزماتنا. فالخارج يستثمر في نقاط الضعف، لكنّه لا يصنعها. أمّا مسؤولية بناء الدولة، أو إضعافها، فتبقى مسؤولية اللبنانيّين أنفسهم.

لقد وقع اللبنانيّون، مراراً، في خطأ الاعتقاد بأنّ خلاصهم يأتي من انتصار هذا المحور أو ذاك، أكثر ممّا يأتي من انتصار الدولة نفسها. وهكذا، بقيت الدولة موضع خلاف، بينما كان يفترض أن تكون نقطة الالتقاء الوحيدة.

وفي خضم هذا السجال، يبرز اتجاه يعيد تحميل لبنان الكبير نفسه مسؤولية أزمات اللبنانيّين، وكأنّ المشكلة كانت في قيام الدولة لا في عجز أبنائها عن استكمال بنائها. وهذه قراءة تختزل التاريخ أكثر ممّا تفسّره. فلبنان لم يفشل لأنّه وُلد، بل لأنّه لم ينجح بعد في ترسيخ دولة المواطنة والمؤسسات. وإذا كانت القوى التي حكمته، على اختلاف طوائفها ومراحلها، قد ارتكبت أخطاءً جسيمة، فإنّ العلاج لا يكون بإدانة فكرة لبنان، ولا بإحياء روايات متقابلة عن امتيازات طائفة أو مظلومية أخرى، بل بالعودة إلى الفكرة التي من أجلها قام: دولة يتساوى فيها جميع أبنائها، ويكون ولاؤهم الأول لها، لا للطوائف ولا للمحاور الخارجية.

لكن من الظلم أيضاً أن نحمِّل الرهان وحده مسؤولية الفشل. فالدول كلّها تراهن في سياستها الخارجية، وتبني حساباتها على توقّعات وتحالفات وموازين قوى. غير أنّ الرهان في الدول المستقرة يبقى وسيلة في خدمة خيار وطني واضح، ولا يتحوَّل أبداً إلى بديل عنه.

هنا تكمن المعضلة اللبنانية. فعندما يغيب الخيار الوطني الجامع، تتحوَّل الرهانات إلى هويات سياسية، وتصبح التحالفات الخارجية بديلاً من المشروع الداخلي، ويغدو كل تغيّر في الإقليم سبباً لانقسام جديد في الداخل.

لذلك، فإنّ التحدّي الحقيقي الذي يواجه لبنان اليوم ليس البحث عن رهان أكثر نجاحاً، بل الاتفاق على الخيارات التي لا يجوز أن تبقى موضع نزاع.

أول هذه الخيارات أن تصبح الدولة المرجعية النهائية لجميع اللبنانيّين، فلا يعلو على قرارها قرار، ولا تنافس شرعيّتها أي شرعية أخرى، لأنّها وحدها الإطار الذي يضمن الحرّية والأمن والمساواة للجميع.

والخيار الثاني هو إعادة بناء الشراكة الوطنية على أساس المواطنة والثقة، لا على الخوف وتوازنات القوة. فلا يشعر أي لبناني أنّ أمنه مرتبط بضعف شريكه، ولا أنّ مستقبله يحتاج إلى حماية خارج دولته.

أمّا الخيار الثالث، فهو بناء دولة الكفاءة والقانون. فالقضاء المستقل، والإدارة الحديثة، والشفافية، والمحاسبة، ليست ملفات تقنية، بل هي الأساس الذي يمنح الدولة مشروعيّتها وثقة مواطنيها.

ويتمثل الخيار الرابع في الانتقال من اقتصاد يعيش على الانتظار إلى اقتصاد يُنتِج المعرفة والقيمة. فلبنان لا يفتقر إلى الطاقات، بل إلى دولة تعرف كيف توظّفها. وثروته الحقيقية ليست في موارده الطبيعية المحدودة، بل في الإنسان اللبناني، وفي جامعاته، وفي انتشار أبنائه، وفي قدرتهم على الابتكار.

ويبقى الخيار الخامس، وهو الجامع لكل ما سبقه، أن يتحوّل لبنان نفسه إلى الخيار النهائي لجميع أبنائه. فلا يبقى الوطن ساحة تتنافس عليها الولاءات، بل يصبح الإطار الذي تلتقي فيه جميع الانتماءات، مهما تنوَّعت.

هذه ليست شعارات، ولا برنامج حكومة، ولا رؤية حزب. إنّها الشروط التي لا تقوم الدولة من دونها، مهما تبدّلت الحكومات أو تغيّرت موازين القوى.

لقد استهلك لبنان جزءاً كبيراً من قرنه الأول في إدارة الأزمات، وفي انتظار التسويات، وفي الرهان على تبدُّل الظروف. وربما آن الأوان أن يبدأ قرنه الثاني بطريقة مختلفة: لا بالبحث عن رهان جديد، بل ببناء خيار وطني ثابت، تكون كل العلاقات الخارجية، وكل التحالفات، وكل الرهانات التكتيكية في خدمته، لا بديلاً منه.

اِفهم أنّ السياسة لا تستطيع أن تستغني عن الرهان، لكنّ الدولة لا يجوز أن تقوم عليه. الرهان أداة، أمّا الخيار فهو البوصلة. وإذا اختلطت الأداة بالبوصلة، ضاعت الطريق.

لا يستطيع لبنان أن يبدِّل بيئته الجغرافية، ولا أن يمنع تأثير ما يجري حوله. لكنّه يستطيع أن يختار كيف يبني دولته، وكيف يدير تنوُّعه، وكيف يحمي سيادته، وكيف يصنع مستقبله. وبين وطن يعيش على رهانات الآخرين، ووطن يصنع خياراته بنفسه، يولد الفرق بين دولة تنتظر المستقبل… ودولة تصنعه.

بواسطة
أنطوان قسطنطين
المصدر
الجمهورية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى