لماذا تخشى إيران التّحرك الأوروبي في مضيق هرمز؟

عاد مضيق هرمز إلى واجهة التوترات الإقليمية مع تصاعد السجال بين إيران ودول أوروبية بشأن أمن الملاحة، إذ قوبل إعلان بريطانيا وفرنسا عن بيان مشترك يشير إلى موافقة سلطنة عُمان على العمل معها لتأمين حركة الملاحة في المضيق بتحذيرات إيرانية من مغبة أي تحركات عسكرية في المنطقة.
وقال نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي إن إيران هي “القوة المسؤولة والضامنة لأمن مضيق هرمز”. وحذر من أن “كل من يحاول إثارة الأزمات سيتحمل تداعيات مغامراته”.
وشدد على أن هذه المنطقة الحيوية لنقل النفط والاقتصاد العالمي ليست ساحة لـ”استعراض العضلات”.
هذا التحذير جاء رغم سحب فرنسا حاملة الطائرات “شارل ديغول” واقتصار الحديث الحالي على نشر كاسحات ألغام فرنسية وبريطانية.
فلماذا تبدي طهران حساسية كبيرة تجاه أي وجود عسكري أوروبي في مضيق هرمز في هذه المرحلة؟
كسر احتكار إيران للمضيق
يقول رئيس المركز العربي الأسترالي للدراسات أحمد الياسري، لـ”النهار”، إن “طهران تعتبر مضيق هرمز صمام أمان جيوسياسياً”، مشيراً إلى أن “أي وجود أوروبي يكسر احتكارها لورقة التهديد بإغلاقه وقت الأزمة”.
ويرى أن هذا الأمر يعني “تطويقاً بحرياً مزدوجاً”، لافتاً إلى أن “البيان البريطاني-الفرنسي مع عمان يعني تشكيل حزام أمني غربي حول إيران، يضيّق هامش مناورتها العسكرية بالخليج”، كما أن “أي قوة أوروبية مستقرة بالمضيق تسحب من إيران حق الفيتو البحري، وتبقيها طرفاً عادياً لا طرفاً يملك مفاتيح الطاقة العالمية”.
ويضيف الياسري أيضاً أن “طهران تخاف من معادلة جديدة تفرضها أوروبا، لأنها تحوّل أي تحرك إيراني لاحق من تهديد إقليمي إلى مواجهة مباشرة مع الناتو بحرياً”.
كيف يمكن تفسير الحساسية الإيرانية؟
من جهته، يقول الخبير في الشؤون الإيرانية الدكتور فراس الياس، لـ”النهار”، إن طهران “تتعامل مع أي وجود عسكري غربي، بما في ذلك الأوروبي، في مضيق هرمز باعتباره قضية تتجاوز مجرد حماية الملاحة”، مشيراً إلى أنه من وجهة نظرها “فإن السيطرة على البيئة الأمنية للمضيق تمثل أحد أهم عناصر الردع الاستراتيجي الإيراني، ولذلك فإن دخول قوات جديدة إلى المنطقة يُنظر إليه باعتباره محاولة لإعادة صياغة ميزان القوة هناك”.
ويضيف الياس أنه يمكن تفسير الحساسية الإيرانية من خلال اعتبارات عدة:
أولاً، تقويض ورقة الردع الإيرانية، فطهران “تعتمد منذ سنوات على أن قدرتها على التأثير في حركة الملاحة في مضيق هرمز تشكل إحدى أهم أدوات الردع لديها. فإذا تولت قوى أوروبية، بالتنسيق مع سلطنة عُمان، مهمة تأمين المضيق، فإن ذلك يقلل من قدرة طهران على استخدام المضيق كورقة ضغط في أي أزمة مستقبلية مع الولايات المتحدة أو الغرب”.
ثانياً، الخشية من تحول المهمة إلى وجود دائم، فإيران “تدرك أن كثيراً من المهام البحرية الغربية بدأت تحت عنوان حماية الملاحة ثم تطورت إلى انتشار عسكري طويل الأمد. لذلك فهي تخشى أن يصبح الوجود الفرنسي والبريطاني نواة لترتيبات أمنية جديدة تحد من حرية الحركة الإيرانية في الخليج”.
ثالثاً، إضعاف المكانة الإقليمية لإيران، و”لطالما أكدت طهران أن أمن الخليج يجب أن تتولاه دول المنطقة وحدها، دون تدخل خارجي. وإذا قبلت سلطنة عُمان، وهي الدولة التي حافظت تاريخياً على علاقة متوازنة مع إيران، بالتنسيق مع قوى أوروبية، فإن ذلك يمثل من المنظور الإيراني تراجعاً في قبول الأطروحة الإيرانية الخاصة بالأمن الإقليمي”.
رابعاً، الخشية من توسيع المهام الاستخبارية، فأي انتشار بحري أوروبي “لا يقتصر على حماية السفن، بل يوفر أيضاً قدرات كبيرة في مجالات الاستطلاع والمراقبة وجمع المعلومات الاستخبارية حول التحركات البحرية الإيرانية”.
خامساً، الارتباط بالمفاوضات الجارية مع الغرب، إذ إن “هذه التطورات تأتي في مرحلة تشهد محاولات لإدارة التوتر بين إيران والغرب. ومن وجهة نظر طهران، فإن تعزيز الوجود العسكري الأوروبي أثناء استمرار المسارات الديبلوماسية قد يُستخدم كورقة ضغط تفاوضية، بما يضعف موقفها في أي مفاوضات لاحقة”.
ويؤكد الياس أن طهران تنظر إلى المضيق بوصفه “آخر أوراق الردع الاستراتيجية التي ما زالت تمتلكها بعد الضغوط العسكرية والسياسية التي تعرضت لها خلال الأشهر الماضية”.
ولذلك، فإن التحذيرات الإيرانية تهدف بالدرجة الأولى، بحسبه، إلى “التصدي لأي تحول من مهمة بحرية محدودة إلى منظومة أمنية غربية دائمة، لأن نجاح مثل هذه المنظومة سيقلّص من قيمة مضيق هرمز كأداة ضغط في الاستراتيجية الإيرانية، وهو ما تعتبره طهران مساساً بتوازن الردع أكثر من كونه مجرد ترتيبات لحماية الملاحة”.



