الرهان الصعب: أولوية التهدئة وتجنّب الفتنة لئلاً… (الجمهورية 1 تموز)

يجزم الرئيس نبيه بري أنّ الفتنة ممنوعة، وأنّه لن يسمح لإسرائيل تحقيق «حلمها» بافتعال حرب بين اللبنانيّين، تُغنيها عن مواصلة الحرب الإبادية المغرقة في تدميرها في جنوب لبنان والضاحية وأحياناً البقاع، طالما أنّها عثرت على مَن ينوب عنها في هذه المهمّة المريبة.
ولا ينطلق موقف الرئيس بري في تحذيره من الفتنة من عبث ومن فراغ، وهو يعني ما يقول. كما أنّه يمتلك من المعطيات ما يحمله على رفع الصوت عالياً منبِّهاً وموجِّهاً. وتقول أوساطه، إنّ أصواتاً شرعت تتصاعد وتعلو في أوساط شيعية، تبعث على القلق من إمكان تشكّل تيار متشدِّد، عالي السقف والنبرة، يتموضع على يمين «حركة أمل» و«حزب الله» أيضاً، ويجد له آذاناً صاغية، وإنّ «اتفاق الإطار» الذي وُقِّع في واشنطن، زاد الوضع احتقاناً، وبلور خطاباً رافضاً مرفقاً بعبارات تثير القلق من تحوُّلها إلى وقود في الإنقسام العمودي الخطير الذي يلف لبنان بين داعمين للاتفاق ورافضين له. وربما هناك مَن تجاوز ناشطي الحزب وجمهوره، في اعتماد لغة قاسية جداً لا تخلو من التهديد. ولم توفِّر الحملة رئيس الجمهورية ولا رئيس الحكومة، وهو ما أثار مخاوف المتابعين من مسؤولين وسياسيّين، وفي مقدّمهم رئيس المجلس النيابي. وعلى رغم من أنّ لا اتصال ولا تواصل حالياً بين الأخير والرئيس جوزاف عون بسبب الخلافات القائمة حول النظرة إلى مقاربة موضوع المفاوضات واتفاق الإطار، فإنّ هناك حرصاً على عدم وصول الأمور إلى نقطة اللاعودة. ولا أحد يعرف كيف يمكن أن يتبدّل هذا الواقع وفي أي اتجاه، في ظلّ ما يحصل من اتصالات وما ينتج من الاجتماعات الأميركية – الإيرانية في سويسرا، وربما خارجها كالدوحة مثلاً. على أنّ حرص رئيس المجلس النيابي على رفض موضوع إسقاط الحكومة بضغط من الشارع، ينبع من خشيته من فتنة طائفية ومذهبية. وهو كان قد تعهّد بالعمل جاهداً على وأد أي فتنة قد تنشب من دون سابق إنذار، أو تكون قيد الإعداد للموفد السعودي إلى لبنان الأمير يزيد بن فرحان. صناعةالصحافة والأخبار
من الواضح أنّ «الثنائي الشيعي» سيرفض بشدة «اتفاق الإطار»، ولديه «سيناريوهات» عدة قيد البحث كي لا يبصر النور. وتتشارك مع «الثنائي» مروحة من القوى السياسية التي ترى رأيه. ومن هنا، فإنّ الأولوية ستُعطى لتهدئة الأجواء ولإتاحة المجال للبحث في كيفية الخروج من الأزمة الضاغطة التي تتهدّد البلاد في صميم استقرارها.
إنّ الوضع اللبناني حالياً في بالغ الدقة، وهو مفتوح على كل الاحتمالات، لكنّ التفاهم قائم على وجوب الابتعاد عن أي خطوة غير مضبوطة السقوف تداركاً للمحظور، في انتظار معرفة ما ستستقر عليه مذكرة التفاهم والمفاوضات الجارية حول بنودها التفصيلية. وإنّ لا بدّ من أن يتأثر اتفاق الإطار الموقَّع في واشنطن بانعكاسات ما يجري بسويسرا، ولو في صورة غير مباشرة.
وفي معاينة للمواقف، يتبيّن أنّ أصحابها يحاذرون الذهاب بعيداً في مكاسرة تؤدّي إلى فتنة مدمّرة، ويُدَوزنون التعبير عن هذه المواقف، فلا تتطوَّر إلى انفجار أو صدام. لكنّ الفطنة لا تلغي الفتنة، إذا لم تنخفض السقوف، وتُلجم الألسن، ويهدأ الشارع. فهل مَن يسمع؟



