أخبار لبنانإقتصادابرز الاخبار

الإماراتيون يعودون الى بلدهم الثاني (نداء الوطن 1 تموز)

مؤشر ثقة... ودلالات ايجابية بمستقبل البلد

لم يكن قرار دولة الإمارات العربية المتحدة رفع حظر سفر مواطنيها إلى لبنان مجرد خطوة سياحية عابرة، بل حمل في طياته رسائل اقتصادية تتجاوز حركة الوافدين خلال موسم الصيف. ففي بلد يعاني انكماشًا اقتصاديًا مستمرًا، وتراجعًا في تدفق الاستثمارات، وشحًا في العملات الأجنبية، يكتسب أي مؤشر يعيد الثقة بالاقتصاد اللبناني أهمية استثنائية، خصوصًا عندما يصدر عن دولة خليجية تُعدّ شريكًا اقتصاديًا واستثماريًا رئيسيًا للبنان.

يأتي القرار في وقت يسعى لبنان إلى استعادة حضوره على الخريطة السياحية العربية، بإعتبار أن القطاع السياحي لا يزال أحد أسرع القطاعات القادرة على رفد الاقتصاد بالسيولة وتحريك عجلة الاستهلاك والخدمات، فضلا عن دوره في دعم عشرات المهن والمؤسسات المرتبطة به. وتزداد أهمية هذه الخطوة مع كون السائح الخليجي يُعد من الأعلى إنفاقًا والأطول إقامة، ما يمنحه أثرًا اقتصاديًا يفوق بأشواط تأثير السياح الآخرين.

ورغم أن الانعكاسات الفورية للقرار قد تبقى محدودة بسبب اقتراب ذروة الموسم الصيفي وحسم معظم الحجوزات مسبقًا، إلا أن قيمته الحقيقية تكمن في البعد الاستراتيجي الذي يحمله، باعتباره إشارة إيجابية إلى تحسن مناخ الثقة بلبنان، وما قد يرافقها من خطوات مماثلة لدول خليجية أخرى، شرط أن يواكبها مسار إصلاحي جدي يعيد بناء الثقة بالاقتصاد ويؤسس لعودة الاستثمارات والسياحة المستدامة.

“مؤشر بالغ الأهمية”

يرى أستاذ الاقتصاد في الجامعة اللبنانية جاسم عجاقة أن القرار الإماراتي يشكّل “مؤشرًا بالغ الأهمية، ليس لأنه يعني عودة السياح ابتداءً من الغد، بل لأنه يحمل دلالات إيجابية للمستقبل”.

ويشير عجاقة لـ “نداء الوطن” إلى أن “السياح العرب، ولا سيما الخليجيون، يُعدّون الأكثر إنفاقًا في لبنان، إذ يُقاس أداء القطاع السياحي بحجم إنفاق السائح يوميًا، ومن هذه الزاوية يتصدر السائح الخليجي قائمة الأكثر مساهمة في الإيرادات السياحية”.

يضيف: “السماح للمواطنين الإماراتيين بالعودة إلى لبنان يشكّل رسالة ثقة بالدولة اللبنانية”، معتبرًا أن “هذه الخطوة قد تمهّد لعودة الاستثمارات مستقبلا”. لكنه يلفت إلى أن “المستثمرين سيترقبون تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية المطلوبة، وفي مقدمتها إعادة هيكلة القطاع المصرفي”. ويؤكد أن “القرار يبقى “مؤشرًا إيجابيًا للغاية”، وقد يفتح الباب أمام دول خليجية أخرى لتحذو حذو الإمارات وتسمح لمواطنيها بالعودة إلى لبنان”.

“الصعيد السياحي”

وإذا كان الاقتصاديون ينظرون إلى القرار من زاوية انعكاساته على مناخ الثقة والاستثمار، فإن أهل القطاع السياحي يرون فيه فرصة لإعادة تحريك أحد أهم محركات الاقتصاد اللبناني، وإن كانت نتائجه الفعلية تحتاج إلى وقت وإلى استقرار مستدام حتى تترجم إلى أرقام وإيرادات.

يرى رئيس اتحاد النقابات السياحية في لبنان ورئيس نقابة أصحاب الفنادق، بيار الأشقر، أن “قرار دولة الإمارات العربية المتحدة السماح لمواطنيها بالسفر إلى لبنان يُشكل خطوة بالغة الأهمية، ليس فقط على الصعيد السياحي، بل أيضًا لكونه يعكس رسالة ثقة ودعمًا للبنان”، ويؤكد لـ “نداء الوطن”، أن “الدول العربية، ولا سيما الخليجية، ما زالت حريصة على استقراره وعودة دوره السياحي”.

ويُشدّد الأشقر على أن “القطاع السياحي يُعد من أبرز ركائز الاقتصاد اللبناني، إذ يُشكل أحد أكبر مصادر الدخل القومي، ما يجعل أي قرار من شأنه تحفيز الحركة السياحية ينعكس إيجابًا على مختلف القطاعات الاقتصادية”.

وعن أهمية السائح الإماراتي، يشير إلى أن “لبنان كان يستقبل خلال موسم الصيف نحو 50 ألف سائح إماراتي”، لافتًا إلى أن “القيمة الاقتصادية لهذا السائح لا تقتصر على العدد، بل تكمن أيضًا في طول مدة إقامته، إذ كان يمضي في لبنان نحو شهر، وأحيانًا أكثر، الأمر الذي يرفع مستوى الإنفاق ويحقق مردودًا أكبر للقطاع السياحي”.

وفي ما يتعلق بالنتائج المتوقعة للقرار، يوضح الأشقر أن “صدوره في هذا التوقيت يُعد إيجابيًا، إلا أنه جاء متأخرًا نسبيًا، نظرًا إلى أن معظم برامج السفر والحجوزات الصيفية تُحضَّر قبل أشهر في مختلف دول العالم. لذلك، من غير المتوقع أن يشهد لبنان تدفقًا فوريًا وكبيرًا للسياح الإماراتيين، لأن العديد منهم يكون قد حسم وجهته السياحية مسبقًا”.

ويختم الأشقر بالتشديد على أن “لبنان لا يحتاج إلى انتعاش سياحي موسمي أو ظرفي، بل إلى سياحة مستدامة ترتكز على الأمن والاستقرار”. ويعرب عن “أمله في أن يشهد لبنان مرحلة من الهدوء الدائم، بما يعيد ترسيخ الثقة ويؤسس لعودة السياح والاستثمارات بشكل مستمر، بعيدًا من الرهان على الفرص العابرة”.

في المحصلة، يشكّل القرار الإماراتي بارقة أمل للاقتصاد اللبناني، لكنه لا يكفي وحده لإحداث تحول جذري في الواقعين السياحي والاقتصادي. فاستعادة لبنان لمكانته كوجهة عربية جاذبة تتطلب أكثر من رفع قيود السفر، إذ تبقى مرتبطة بتعزيز الأمن والاستقرار، وتسريع الإصلاحات الاقتصادية والمالية، وإعادة بناء الثقة بالدولة ومؤسساتها.

وإذا كان القرار قد يفتح الباب أمام خطوات مماثلة من دول خليجية أخرى، فإن تحويل هذه الإشارات الإيجابية إلى انتعاش اقتصادي حقيقي سيبقى رهن قدرة لبنان على استثمارها عبر توفير بيئة مستقرة وجاذبة للسياحة والاستثمار، بما يضمن عودة مستدامة لا تقتصر على موسم سياحي واحد، بل تؤسس لمسار اقتصادي أكثر متانة في السنوات المقبلة.

 

بواسطة
رماح هاشم
المصدر
نداء الوطن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى