أخبار لبنانابرز الاخبارسياسة

لبنان بين مفاوضات محفوفة بالشروط والتوازنات الإقليمية( الجمهورية 12 أيار)

فيما يتّجه الاهتمام المحلي والإقليمي والدولي إلى الاجتماع التفاوضي الثالث اللبناني – الإسرائيلي المقرَّر في واشنطن الخميس المقبل برعاية الولايات المتحدة الأميركية، يدخل لبنان هذا المسار التفاوضي في لحظة سياسية وأمنية بالغة الحساسية، تتقاطع فيها الضغوط الميدانية على الحدود الجنوبية، مع تعقيدات الموقف الداخلي والانقسام حول جدوى هذه المفاوضات وحدودها.

هذا الاجتماع، الذي يُنظر إليه كجزء من مسار متدرّج لإدارة التوتر بين الجانبَين، يأتي في ظل واقع ميداني متوتر، واستمرار العمليات العسكرية على الحدود، ما يجعل أي نقاش سياسي أو تفاوضي محاطاً بسقف أمني ضاغط. وفي هذا السياق، يُطرح السؤال المركزي: ما الذي يحمله لبنان إلى طاولة واشنطن من أوراق تفاوضية؟ وما الذي يمكنه تحقيقه في ظلّ ميزان قوى غير متكافئ، وتعقيدات إقليمية متشابكة؟

يدخل لبنان إلى هذه المفاوضات مستنداً إلى عناصر سياسية وقانونية تشكّل أساس موقفه، فهو يرتكز إلى القرارات الدولية ذات الصلة، وفي مقدّمها القرار الدولي 1701 الذي يشكّل الإطار المرجعي الأساسي لترتيبات الجنوب منذ العام 2006، بالإضافة إلى مبدأ احترام السيادة اللبنانية ووقف الخروق البرية والجوية والبحرية المستمرة. كذلك يطرح أولوية وقف النار كمدخل ضروري لأي نقاش لاحق، لأنّ استمرار الاعتداءات الإسرائيلية يجعل أي تفاوض سياسي فاقداً للاستقرار المطلوب. كما أنّ للبنان مصلحة مباشرة في تحقيق الاستقرار في الجنوب، وهو ما يقدّمه كمدخل يخدم ليس فقط أمنه الداخلي، بل أيضاً أمن المنطقة وتجنّب الإنزلاق إلى مواجهة أوسع. ويحاول الاستفادة من الحضور الدولي في الجنوب، سواء عبر قوات «اليونيفيل» أو عبر الرعاية السياسية الأميركية، لتثبيت أي تفاهمات مستقبلية.

وتتمحور مطالب لبنان في هذا المسار حول وقف النار الفوري أو تثبيت تهدئة مستدامة كشرط أساسي لنجاح أي مسار تفاوضي، وكذلك وقف الخروق الإسرائيلية المتكرّرة لسيادته براً وجواً وبحراً والعودة إلى تطبيق متوازن للقرار 1701 بما يضمن استقرار الجنوب، ومنع أي تغيير أحادي في قواعد الاشتباك على الأرض، وتوفير ضمانات دولية لأي تفاهمات محتملة لمنع انهيارها أو تفسيرها أحادياً.

إلّا أنّ هذه المطالب تصطدم حتى الآن بعقبتَين أساسيّتَين: الموقف الإسرائيلي الرافض وقف إطلاق النار كشرط مسبق، والموقف الأميركي الذي لم يُظهر حتى اللحظة قدرة أو استعداداً لممارسة ضغط حاسم في هذا الاتجاه.

وتشير المعطيات السياسية، إلى أنّ إسرائيل تتعامل مع هذه المفاوضات من زاوية أمنية بالدرجة الأولى، وترفض تقديم أي التزام بوقف إطلاق النار قبل تحقيق تفاهمات تعتبرها «مضمونة» على المستوى الميداني. هذا الموقف يعكس مقاربة تعتبر الضغط العسكري جزءاً من أدوات التفاوض، وليس مجرّد حالة موازية له. وهذا التعاطي يضع لبنان أمام مشكلة أساسية: الدخول في مفاوضات تحت النار، أو الإصرار على وقف النار كشرط مسبق، وهو ما لم يتحقق حتى الآن.

أمّا واشنطن الراعية للمفاوضات، فإنّ دورها حتى الآن يُوصف بأنّه أقرب إلى إدارة العملية منه إلى فرض تسويات. فبينما تعمل لجمع الطرفَين اللبناني والإسرائيلي وتوفير إطار للنقاش بينهما، لم تُسجَّل مؤشرات واضحة إلى ممارسة ضغط كافٍ على إسرائيل لدفعها إلى التزام وقف إطلاق النار قبل انعقاد الاجتماع. وهذا الواقع يثير تساؤلات لدى لبنان حول مدى توازن الوساطة الأميركية، وما إذا كانت قادرة على تحويل الرعاية السياسية نتائج عملية، أم أنّها ستبقى في إطار إدارة التوتر من دون لجمه.

لكن، وعلى رغم من صعوبة الظروف، يمكن تحديد مجموعة من المكاسب المحتملة التي قد يسعى لبنان إلى تحقيقها، وأبرزها تحقيق الحدّ الأدنى من الاستقرار في الجنوب، بما يخفّف الضغط العسكري عن الداخل اللبناني، وفتح مسار تفاوضي دولي مستمر، قد يتيح معالجة تدريجية للنقاط العالقة وتعزيز الحضور الديبلوماسي للبنان في ملف شديد الحساسية إقليمياً، والحصول على التزامات دولية غير مباشرة تتعلق بمنع التصعيد أو ضبطه.

لكنّ هذه المكاسب محتملة ومشروطة، وليست مضمونة، في ظل غياب وقف إطلاق نار مسبق، واستمرار التباين بين الأطراف حول أولويات المرحلة. ويشير الواقع السياسي، إلى أنّ سقف التوقعات من اجتماع واشنطن يجب أن يبقى محدوداً. فغياب التوافق على وقف إطلاق النار، وتباين الرؤى بين الأطراف، يجعلان الاجتماع أقرب إلى اختبار نيات واستكشاف هوامش تفاوض، أكثر من كونه محطة لحلول نهائية. كما أنّ تعقيدات البيئة الإقليمية تجعل أي تقدُّم مرتبطاً بعوامل تتجاوز الإطار اللبناني – الإسرائيلي، لتشمل الحسابات الأوسع في المنطقة.

وإلى جانب التعقيدات الخارجية، لا يمكن فصل المسار التفاوضي عن الانقسام الداخلي اللبناني حول طبيعة هذا المسار، حيث يبرز اتجاهان: الأول يفضّل الإنخراط في مفاوضات مباشرة، لاعتبار أنّ الأزمة بلغت مستوى يتطلّب مقاربة سياسية أكثر وضوحاً، وأنّ إدارة النزاع عبر قنوات مفتوحة قد تتيح فرصاً أكبر لتحقيق نتائج عملية وسريعة. أمّا الإتجاه الثاني، فيتمسك بالمفاوضات غير المباشرة لاعتبارات سيادية وسياسية، ويخشى من أنّ التفاوض المباشر قد يفتح الباب لتطبيع غير مقصود أو تجاوز للثوابت اللبنانية، مفضِّلاً الإبقاء على الوساطة الدولية كإطار وحيد للتواصل. وهذا التباين لا يعكس فقط خلافاً تقنياً حول شكل التفاوض، بل يعكس أيضاً انقساماً أعمق حول موقع لبنان في المعادلة الإقليمية وحدود انخراطه في التسويات المطروحة.

على أنّه لا يمكن عزل المسار اللبناني – الإسرائيلي عن السياق الإقليمي الأوسع، ولا سيما العلاقة المتوترة بين واشنطن وطهران. فوفقاً للمعطيات السياسية السائدة، تربط إيران أي تسوية إقليمية شاملة بضرورة وقف الحرب على الجبهة اللبنانية، في اعتبار أنّ هذه الجبهة جزء من منظومة الردع الإقليمي الأوسع. وهذا الشرط، ينعكس عملياً على حسابات الأطراف كافة، ويجعل من جبهة لبنان عنصراً أساسياً في أي تفاهم محتمل، مباشر أو غير مباشر، بين واشنطن وطهران. وفي هذا السياق، يُطرح السؤال عمّا إذا كان هذا الموقف الإيراني يشكّل عامل ضغط إضافي على إسرائيل، أو عنصر دعم غير مباشر للمطالب اللبنانية، خصوصاً أنّ لبنان الرسمي يركّز في خطابه الديبلوماسي على أولوية وقف إطلاق النار مدخلاً لأي مسار تفاوضي.

وفي هذا الإطار، يُلاحظ أنّ بعض المواقف اللبنانية الرسمية الأخيرة لم تُغلق الباب أمام إمكانية الاستفادة من أي مناخ إقليمي مساعد، بما في ذلك أي ضغوط دولية أو إقليمية تؤدّي إلى وقف التصعيد على الحدود الجنوبية. وقد أشار مصدر رسمي لبناني في حديث إعلامي، إلى أنّ لبنان «يرحِّب بأي جهد يؤدّي إلى وقف إطلاق النار»، في إشارة غير مباشرة إلى أنّ أي تطوُّر في مسار التفاوض الإيراني – الأميركي أو الإقليمي، قد ينعكس إيجاباً على الوضع اللبناني، من دون أن يعني ذلك ربط المسارات مباشرة أو رسمياً. وهذا الطرح يعكس مقاربة لبنانية براغماتية، تحاول الاستفادة من التوازنات الإقليمية السائدة، من دون الإنخراط في محاورها أو الإرتباط بها سياسياً مباشرة.

وبهذا المعنى، لا تبدو مفاوضات واشنطن المقبلة معزولة عن الداخل اللبناني المنقسم، ولا عن الإقليم المليء بالتقاطعات بين واشنطن وطهران وتل أبيب. بل هي جزء من مشهد متعدِّد الطبقات، حيث يتداخل المحلي بالإقليمي، والديبلوماسي بالأمني، في لحظة دقيقة تُحدِّد فيها الأطراف، ليس فقط شروط التفاوض، بل أيضاً سقف النتائج الممكنة.

وبين رغبة لبنان في تثبيت الاستقرار ووقف التصعيد، والرفض الإسرائيلي لوقف إطلاق النار قبل أي التزام سياسي، والوساطة الأميركية التي لم تصل بعد إلى مستوى فرض التوازن المطلوب، يبدو اجتماع واشنطن المقبل محطة دقيقة في مسار طويل ومعقّد وليس نهاية مسار، بل بداية اختبار جديد لحدود الممكن السياسي في ظل ميزان قوى غير متكافئ، حيث يبقى السؤال الأساسي: هل يمكن تحويل إدارة الأزمة إلى مسار حلّ، أم أنّ الاجتماع سيبقى ضمن إطار احتواء التصعيد من دون إنهائه؟

بواسطة
طارق ترشيشي
المصدر
الجمهورية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى