أخبار لبنانابرز الاخبارسياسة

30 يوماً على «الأربعاء الأسود»: لا يوجد مكان آمن من القصف (الأخبار 9 أيار)

مرّ شهر كامل على مجازر 8 نيسان التي لم تتحوّل إلى حدثٍ يُستعاد في الذاكرة، بل إلى زمن مفتوح يُعاش يومياً. الغارات لم تتوقّف، والقرى لا تزال تنام على صوت المُسيّرات وتستيقظ على أخبار الاستهدافات، والناجون يواصلون الحفر في الركام بحثاً عن مفقودين أو عن أثرٍ لحياة كانت موجودة هنا قبل أن تبتلعها النار

يوم الأربعاء الواقع فيه 8 نيسان، أو ما بات يُعرف بـ«الأربعاء الأسود»، كانت السماء تُفتح على واحدة من أعنف موجات القصف في السنوات الأخيرة. خلال أقلّ من عشر دقائق، نفّذ الطيران المعادي 160 غارة متزامنة، في مشهد لا يشبه حرباً تقليدية بقدر ما يبدو كأنّه عملية مسح ناري واسعة أعادت رسم الجغرافيا اللبنانية بالدخان والركام والأجساد العالقة تحت الأنقاض. بحسب أرقام وزارة الصحة، بلغت الحصيلة النهائية لضحايا اليوم الأسود 360 شهيداً وما يزيد عن 1200 جريح، ليكون هذا اليوم أحد أكثر الأيام دموية في الحروب التي شهدها لبنان.

وإلى جانب الأرقام الصمّاء، بقيت عشرات الجثامين مجهولة الهوية، فيما عُلّقت عشرات العائلات بين الأمل والانتظار، في ظل صعوبة عمليات رفع الأنقاض والتعرّف إلى الضحايا، ما جعل من آثار ذلك اليوم تمتد أبعد بكثير من لحظة القصف نفسها، لتتحوّل إلى جرح مفتوح في الجغرافيا والذاكرة معاً.

حملت أحياء الفقراء ومناطق النزوح النصيب الأثقل من الدم والفقدان. فالقصف أصاب الأحياء الأكثر اكتظاظاً بالسكان، حيث الأزقة الضيقة والمباني المتلاصقة والعائلات التي تعيش أصلاً على حافة النجاة. هناك، لم يكن الموت حدثاً سريعاً ينتهي بانتهاء الغارة، بل كان مساراً طويلاً من البحث والانتظار وانتشال الأشلاء.

في حيّ السلم، إحدى أكثر المناطق كثافة في الضاحية الجنوبية، وقعت واحدة من أكثر المجازر دموية. خلال دقائق، تحوّلت الأحياء الداخلية إلى مساحة مُغلقة من الركام والدخان والصراخ بعدما استهدفت الغارات أكثر من نقطة بشكل متزامن داخل شبكة أزقة بالكاد تتّسع لمرور سيارة. نحو 80 شهيداً سقطوا هناك، بينهم أطفال وعائلات كاملة، فيما بقي مفقودون لأيام تحت الأنقاض لأن الوصول إليهم كان شبه مستحيل. ضيق الشوارع أخّر دخول الآليات الثقيلة، فتحوّل السكان أنفسهم إلى فرق إنقاذ بدائية، يحفرون بأيديهم وبين الحجارة والإسمنت على وقع أصوات استغاثة كانت تخرج من تحت الردم ثم تخفت تدريجياً مع مرور الوقت. بعض الجثامين انتُشل بعد أيام، وبعضها لم يُعثر عليه كاملاً أصلاً بسبب تفتّت الأجساد واختلاط الأشلاء.

وفي الشويفات وكيفون، سقط نحو 32 شهيداً في كل منطقة، لكنّ قسوة المجزرتين لم تكن في العدد وحده، بل في طبيعة المكان المُستهدف. المنطقتان كانتا تُعاملان بوصفهما ملاذاً للنازحين الهاربين من الجنوب والضاحية، قبل أن تتحوّلا إلى امتداد مباشر للحرب نفسها.

في حيّ السلم، إحدى أكثر المناطق كثافة في الضاحية الجنوبية، وقعت واحدة من أكثر المجازر دموية

في كيفون تحديداً، استُهدفت صيدلية خيرية كانت توزّع الأدوية مجاناً للنازحين، إلى جانب مبانٍ تؤوي عائلات لجأت إلى الجبل بحثاً عن الأمان. خلال لحظات، تحوّلت «منطقة اللجوء» إلى مسرح قتل جماعي. من بين الضحايا أطفال وعائلات نازحة وأطباء ومتطوّعون، فيما عُثر في موقع المجزرة على أكياس أشلاء، في مشهد اختصر انهيار فكرة «الملاذ الآمن» نفسها.

وفي بيروت، حملت عين المريسة واحدة من أكثر صور الفقدان قسوة. هناك، ارتقى نحو 30 شهيداً ومفقوداً، لكنّ المأساة لم تنتهِ بانتهاء الغارة، بل بدأت بعدها. عائلات أمضت أياماً كاملة تنتظر خبراً عن أبنائها، فيما كانت فرق الإنقاذ ترفع الركام طبقة بعد أخرى. بعض الأشلاء لم يُعرف أصحابها إلا عبر فحوص الحمض النووي، فيما بقيت جثامين أخرى تحت الأنقاض رغم إعلان انتهاء عمليات البحث أكثر من مرة.

من بين تلك القصص، بقيت الشهيدة زهراء عبود مفقودة عشرة أيام كاملة بعد ضربة عين المريسة. عائلتها تنقّلت بين المستشفيات والمشارح وأسماء الناجين، قبل أن يتضح لاحقاً أن جزءاً من جسدها بقي تحت الركام، فيما جرى التعرّف إلى الجزء الآخر عبر فحص الحمض النووي في المستشفى. وفي المبنى نفسه، بقي جثمان الشهيد علي سرور مفقوداً ثمانية أيام. العائلة تواصلت مراراً مع الدفاع المدني وفوج إطفاء بيروت، وكانت الإجابة تتكرّر في كل مرة: «لم نجد شيئاً». رُفعت الأنقاض وأُعلن انتهاء البحث، فيما كان المكان مُغلقاً أمام الأهالي. قبل أن يأتي اتصال من مخابرات الجيش في اليوم الثامن ليكشف الحقيقة القاسية: الجثمان كان لا يزال هناك، بعدما سقط من الطابق الخامس واستقرّ قرب غرفة الناطور.

وفي كورنيش المزرعة، حيث سقط سبعة شهداء و43 جريحاً، تحوّل حيّ مكتظّ بالنازحين والعمال والعائلات إلى مساحة من الزجاج المُحطّم والركام. أمّا المنارة فسقط فيها خمسة شهداء، وفي بئر حسن – الرحاب ثمانية شهداء آخرين. جنوباً، دفعت حارة صيدا ثمناً ثقيلاً مع ستة شهداء و25 جريحاً في استهداف مجمّع السيدة الزهراء، فيما توزّعت الخسائر على صور – الحسبة، جويا وعدلون، حيث سقط ثلاثة شهداء في كل منطقة، إلى جانب إصابات ودمار واسع في الأحياء السكنية.

وفي البقاع، امتدّ المشهد الدموي من الهرمل إلى دورس وسهل طاريا. أربعة شهداء سقطوا في الهرمل، وثلاثة في سهل طاريا، فيما شهدت دورس سقوط 6 شهداء و16 جريحاً، في استهدافات لم تفرّق بين منطقة سكنية وأخرى زراعية، ولا بين مركز إسعاف ومحيطه المدني.

الجنوب: كل يوم هو 8 نيسان
في الجنوب تحديداً، لا تُقاس التضحيات بعدد الشهداء فقط، بل بالإحساس الدائم بأن الحياة نفسها باتت مؤقّتة. أطفال ينامون بملابسهم تحسّباً للهروب، نساء يجهّزن حقائب الطوارئ كل ليلة، ورجال يعودون إلى بيوتهم المُتصدّعة فقط لانتشال أوراق أو صور أو بعض الذاكرة.
وعلى الرغم من التفاوت في تسليط الضوء الإعلامي على الضربات بين بيروت والجنوب، يبقى الألم واحداً. الجنوب، الذي عاش المجزرة بعيداً عن العدسات، يستمر اليوم في تلقّي القصف حتى بعد انحسار الاهتمام، كأنّ الحرب هناك لا تحتاج إلى إعلان كي تستمر. وهنا، لم يعد السؤال: متى انتهى 8 نيسان؟ بل: كيف يمكن العيش داخل يوم لا ينتهي أصلاً؟

30 يوماً مرّت على المذبحة، ولا يزال الجنوب يعيش تحت إيقاع ذلك اليوم الذي لم ينتهِ. ما يتبدّل ليس المشهد بل حدّة الألم، فيما تبقى القرى عالقة بين غارات تتجدّد وضغط لا يهدأ، يطاول قلب القرى نفسه: ساحاتها، بيوتها القديمة، ومعالمها التراثية والأثرية التي تختزن ذاكرة المكان وهويته. وكأنّ الفعل لم يعد مجرّد قصف جغرافي، بل أضحى مسّاً مباشراً ببنية القرية الرمزية، حيث تُستهدف مراكز التجمّع والحياة اليومية، تماماً كما يُستهدف القلب في الجسد.

بهذا المعنى، لا تبدو القرى مجرّد مساحات على الخريطة، بل كيانات تُستنزف من داخلها، تُضرب ذاكرتها قبل عمرانها، وتُفكّك صورتها قبل جدرانها، في محاولة لإعادة تعريف معنى المكان ذاته تحت النار المستمرة.
في صيدا وصور والنبطية والقرى الحدودية، يتكرّر المشهد نفسه: منازل مُهدّمة، مساحات تُنسف، عائلات تنزح ثم تعود ثم تنزح مجدّداً، وبيوت تُترك مفتوحة على احتمالات القصف في أي لحظة. حتى الهدنة الإقليمية التي أُعلنت يوم المجازر بدت كأنها تعيد إنتاج الاستثناء اللبناني بدل أن توقف النار.

خريطة المجازر: يوم طويل من النار والدم
في بيروت والضاحية الجنوبية، تركز القصف داخل أكثر الأحزمة العمرانية كثافة. من حي السلم، حارة حريك، الشياح، برج البراجنة والغبيري، إلى الليلكي وتحويطة الغدير، بدا الاستهداف متصلاً داخل نسيج سكني متلاصق. وداخل العاصمة، امتد القصف إلى بربور، كراكاس، كورنيش المزرعة، مار إلياس، المصيطبة، البسطة التحتا، عين التينة والمنارة، إلى جانب تلة الخياط التي استهدفتها طائرات الاحتلال لاحقاً بعد انتهاء موجة الغارات.

في كورنيش المزرعة، لم يكن الهدف موقعاً عسكرياً، بل مخزناً للمساعدات مخصصاً للنازحين، يحتوي على فرش وبطانيات وأطعمة معلبة. وفي الهرمل، استُهدف مركز للهيئة الصحية الإسلامية، ما أدى إلى استشهاد ثلاثة مسعفين. هكذا، لم تكن الضربات تصيب الجغرافيا فقط، بل تضرب البنية المدنية والإغاثية التي نشأت لمواجهة النزوح نفسه.

على الحافة الغربية للعاصمة، اتسعت الضربات نحو جبل لبنان، فطاولت الشويفات وعرمون وبشامون، وصولاً إلى كيفون والقماطية وعيتات وسوق الغرب. مناطق كانت تُعتبر تقليدياً «أكثر أماناً» تحوّلت فجأة إلى جزء من مسرح النار، رغم أنها استقبلت آلاف النازحين الهاربين من الجنوب والضاحية.

شرقاً، بدا البقاع كأنه خريطة استهداف مفتوحة. من الهرمل وبعلبك إلى شمسطار وطاريا ودورس والعقيدية والكرك وسحمر ومشغرة، توزعت الضربات على مساحات واسعة من القرى الزراعية والسكنية. في شمسطار، تحوّلت مقبرة إلى مسرح مجزرة أثناء تشييع جنازة، في لحظة جمعت الموت الأول بالموت اللاحق داخل المشهد نفسه.

أما الجنوب اللبناني، فكان القوس الأكثر اتساعاً. من صيدا ومحيطها—الغازية، الهلالية، عبرا، مجدليون، عين الدلب، بقسطا وحارة صيدا—إلى صور وبلداتها: الحسبة، العباسية، برج رحال، معركة، دير قانون النهر، البازورية، القليلة، باتوليه، حناويه، طير دبا، طير فلسيه، معروب، صديقين، قلاوية، شقرا، جويا وعدلون.

وفي النبطية وإقليم التفاح، امتدت الغارات إلى كفررمان، جبشيت، حاروف، زبدين، الشرقية، جباع، الخرايب، دير الزهراني، كفردونين، زوطر الشرقية والغربية، إضافة إلى محيط النبطية الفوقا ووادي الحجير. كما طاول القصف مناطق في مرجعيون وبنت جبيل والخيام والقرى الحدودية، في مشهد جعل الجنوب كله يبدو كنسيج واحد تحت النار، لا كسلسلة جبهات منفصلة.

وبالتوازي مع الغارات الجوية، تدخل الطيران المسيّر للعب دور الضربات «الدقيقة» في صيدا وقانا والسماعية والشهابية ودير الزهراني، فيما استمر القصف المدفعي على البلدات الحدودية: كفرا، عيتا الجبل، حاريص، تبنين، مجدل سلم، برعشيت وتولين.

 

بواسطة
دولة حيدر أحمد
المصدر
الأخبار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى