أخبار لبنانإقتصادابرز الاخبار

لبنان يخسر ثقة المانحين… والقروض: توسعة اوتوستراد جونيه مثال صارخ!( النهار ٢١ نيسان)

تعكس أزمة مشروع توسعة أوتوستراد جونيه نموذجاً واضحاً لمسار طويل من تراجع الثقة بين الدولة اللبنانية والجهات المانحة، في ظل عجز مزمن عن الالتزام بشروط التمويل والإصلاحات المطلوبة.

في الواقع، لا يندرج المشروع ضمن الصلاحيات التنفيذية المباشرة لوزارة الأشغال العامة، بل يقع أساساً ضمن مهام مجلس الإنماء والإعمار، الذي يتولى إعداد ملفاته التقنية والمالية والإدارية ومتابعة تنفيذها بتكليف مباشر من مجلس الوزراء. ويقتصر دور الوزارة على التنسيق والمتابعة ضمن مسؤوليتها العامة في تطوير البنية التحتية وصيانتها، مع تأكيد استعدادها للمساهمة في تأمين التمويل عند استكمال الشروط المطلوبة.

أما في ما خص إلغاء القرض، فلم يصدر القرار عن الوزارة، بل جاء ضمن العلاقة التعاقدية بين مجلس الإنماء والإعمار والجهات المانحة، التي بادرت إلى سحب التمويل. ويأتي ذلك ضمن سياق أوسع تمثل في إلغاء حزمة قروض شملت 6 مشاريع حيوية، بعد تراجع جهات مانحة رئيسية، أبرزها البنك الأوروبي للتثمير والوكالة الفرنسية للتنمية، وهو ما أقرّه مجلس الوزراء مطلع عام 2026 بناءً على طلبها.

ويعود هذا التراجع إلى عاملين أساسيين: تعثر الدولة اللبنانية في الإيفاء بالتزاماتها المالية، وعجزها عن تأمين التمويل المحلي المطلوب، ولا سيما لتغطية كلفة الاستملاكات. وطبيعة اتفاقات القروض، التي تفرض تخصيص الأموال لمشاريع محددة، تجعل من إعادة توجيهها أمراً مستحيلاً، فيما يؤدي الإخلال بالشروط إلى إلغائها بالكامل.

ورغم إلغاء القروض، لا يعني ذلك إسقاط المشروع نهائياً، إذ لا يزال قائماً من حيث المبدأ، لكن تنفيذه بات مشروطاً بتأمين مصادر تمويل بديلة. وفي هذا السياق، يستمر مجلس الإنماء والإعمار في التواصل مع جهات تمويل عربية ودولية، في وقت تبقى فيه استعادة ثقة المانحين رهناً بإصلاحات جدية واستقرار مالي وسياسي.

تاريخياً، وقّع لبنان اتفاقية التمويل لمشروع توسعة الأتوستراد مع البنك الأوروبي للتثمير عام 2012 بقيمة 75 مليون يورو بالتوازي مع تخصيص نحو 35 مليون دولار للاستملاكات وبقي على جداول أعمال الحكومات من دون تنفيذ. ولاحقاً مع الانهيار المالي عام 2019 والتخلف عن سداد الالتزامات أوقف مسار التمويل، قبل أن يحسم إلغاء القرض لاحقاً، بالتوازي مع انسحاب جهات تمويلية أخرى.

المفارقة أن المشروع كان قد بلغ مرحلة متقدمة إدارياً قبل توقفه، مع إنجاز الدراسات والاستملاكات وإرساء المناقصات، إلا أن الأزمة المالية جعلت تنفيذه غير قابل للاستمرار. ومع ذلك، عاد إلى الواجهة في عام 2025 بطرح تمويل محلي يقارب 40 مليون يورو، فيما تتجاوز كلفته الإجمالية 60 مليوناً، ما يعكس فجوة تمويلية واضحة.

وفي سياق موازٍ، كان المشروع جزءاً من رؤية أوسع للنقل العام، إذ ارتبط بقرض أقرّ عام 2019 من البنك الدولي لإنشاء خط باص سريع بين بيروت وطبرجا. وكانت توسعة الأتوستراد تهدف إلى تخصيص مسارات للنقل المشترك، إلا أن عدم تنفيذ الشروط أدّى إلى إلغاء القرض عام 2022، ما أفقد المشروع أحد أهم أهدافه الاستراتيجية.

وبحسب ما قال رئيس دائرة مشاريع الطرق والنقل في مجلس الإنماء والإعمار ومدير مشروع توسعة أوتوستراد جونية المهندس رمزي كلداوي لـ”النهار”، فإن ملف المشروع أعد قبل أعوام طويلة، إلا أن الظروف المستجدة فرضت إعادة النظر في بعض تفاصيله. ويشير إلى أن العمل جارٍ ميدانياً بالتنسيق مع البلديات لإتمام الإخلاءات الناتجة عن الاستملاكات وإزالة المخالفات، وهي المرحلة الأولى من التنفيذ التي انطلقت فعلياً.

ويؤكد كلداوي أن “التمويل المتاح حالياً داخلي ومحدود على خلفية الظروف المالية، ما فرض تقسيم المشروع إلى مراحل تتناسب مع الإمكانيات، خلافاً للصيغة الأصلية التي كانت تعتمد على تمويل خارجي شامل. وقد بات تحديث الدراسات ضرورياً بسبب التغيّر الكبير في الأسعار، ما يمنع اعتماد الكلفة التقديرية السابقة”.

ويضيف أن العقد الأساسي كان يلحظ 6 أشهر للمرحلة الأولى بكافة تفاصيلها، تليها 36 شهراً للتنفيذ، علماً بأن هذه المهل لا تزال كما السابق. والمتعهد الذي رست عليه المناقصة سابقاً اعتذر عن عدم التنفيذ وفق الأسعار القديمة، ما يستدعي إعادة طرح المناقصة بعد تقسيم المشروع.

أما على صعيد التمويل الخارجي، فيوضح كلداوي أن التواصل لا يزال قائماً مع جهات عدة، من بينها البنك الأوروبي للتثمير، المموّل الأساسي للمشروع سابقاً.

في المحصّلة، لا تكمن أزمة مشروع توسعة أوتوستراد جونية في غياب الدراسات أو التخطيط، بل في بيئة مالية ومؤسساتية غير مستقرة، تجعل من تنفيذ المشاريع الكبرى مساراً معقداً ومفتوحاً على التأجيل، رغم استمرار العمل عليه ضمن الإمكانيات المتاحة.

بواسطة
سلوى بعلبكي
المصدر
النهار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى