أزعور: الإصلاحات تعيد الثقة بإقتصاد لبنان

حض مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي الدكتور جهاد أزعور الحكومة اللبنانية على الإسراع بالقيام بإصلاحات “تعيد الثقة لاقتصاد يملك من المقومات والقدرات البشرية الهائلة التي تسمح له بالنهوض مجدداً”، موضحاً أن استفادة لبنان من برامج الصندوق للتمويل السريع المخصصة لمواجهة كورونا “تتطلب التوصل الى اتفاق على الخطة الإصلاحية والمباشرة بإجراء إصلاحات أساسية، بما يفتح المجال أمامه للاستفادة من برنامج التمويل السريع الذي وضعه الصندوق في خدمة الدول، ومن برنامج آخر يمكن أن يستفيد منه على المدى المتوسط”. وشدد في حديث لموقع “النهار العربي” على أن الوقت حان أمام الدول العربية لمعالجة نقاط الضعف في اقتصاداتها”، قائلا “نحن اليوم أمام مفترق طرق أساسي يتطلب العمل من أجل بناء اقتصاد احتوائي تلعب فيه السياسة الاجتماعية الدور الأهم لاحتضان الفئات المهمشة”.
ورد أزعور خفض توقعات الصندوق في تقريره حول آفاق الاقتصاد الاقليمي الصادر في اوائل تموز (يوليو) الماضي، الى 4.7 في المئة من 2.8 في المئة في توقعات سابقة في نيسان (ابريل)، الى التطور السريع للأزمة الناشئة بسبب جائحة كورونا والتي تحولت الى أزمة اقتصادية لم تستثن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وحدّد 3 محاور كانت لها تأثيراتها على دول المنطقة، الأول تراجع الحركة الاقتصادية بفعل اعتماد اجراءات للتخفيف من مخاطر جائحة كورونا على حياة المواطنين، والثاني تراجع الحركة الاقتصادية العالمية التي انعكست تراجعاً في الطلب على النفط مما تسبب في انخفاض سريع لأسعار هذه المادة وكان له بالتالي تأثيرٌ مباشر على اقتصادات الدول المصدرة للنفط، والثالث انخفاض التدفقات الرأسمالية والاستثمارية وخروج الأموال من الدول الناشئة ومن دول المنطقة.
ولفت الى أن هذه التطورات أدت الى خفض مستوى النمو المتوقع للعام الحالي ليكون سلبياً، في مستوى تراجع هو الاول من نوعه في المنطقة منذ عقود. إذ يتوقع أن تسجل المنطقة نمواً سلبياً يصل الى 4.7 في المئة. وسيسجل الانخفاض الأكبر للنمو في الدول المصدرة للنفط التي يتوقع أن يكون نموها سلبياً بواقع -7.2 في المئة، فالدول المستوردة للنفط بنمو سلبي بواقع -1.1 في المئة. ما يمثل تراجعاً كبيراً من توقعات سابقة لصندوق النقد الدولي للعام الماضي أو تلك التي وضعها في نيسان (ابريل) الماضي.
الحكومات العربية وردة فعلها
ونوّه أزعور بردة الفعل السريعة للحكومات العربية في مواجهة كورونا، وبالإجراءات الصارمة التي اتخذتها من أجل المحافظة على حياة مواطنيها وإنقاذ الكثير من الأرواح. فمقارنة لعدد الوفيات المسجلة في المنطقة مع ما سُجل في دول متطورة اخرى كالولايات المتحدة أو أوروبا، يلاحظ تسجيل حالة واحدة في المنطقة مقابل سبع حالات في الدول المتطورة. كما أنّ الاجراءات المالية والنقدية التي اعتمدتها دول المنطقة لمواجهة كورونا، كتوفير دعم للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة وللمواطنين وتأمين السيولة للاقتصاد عبر القطاع المصرفي، ساهمت في التخفيف من التداعيات الاقتصادية للجائحة. ومع ذلك، كان لهذه التدابير تأثير كبير على النشاط الاقتصادي لدول المنطقة التي تأثرت أصلاً بتحول الأزمة الى عالمية.
هل يتوقع أزعور مزيداً من الانكماش الاقتصادي مع عودة جائحة كورونا؟ “الخطر لا يزال قائماً، إذ لا نعلم بعد حجم المرحلة الثانية من تفشي الفيروس ومدى قدرة الاقتصاد – خصوصا الاوروبي والاميركي – على النهوض، واقتصاد المنطقة العربية على التحمل، لا سيما أنّ هناك دولاً في المنطقة مثقلة بالديون وتفتقر الى الاحتياطات المالية الكافية لمواجهة الازمة”. وأشار الى “اننا في حال من الترقب تستدعي الاستمرار بالقيام بمجموعة اجراءات، منها استكمال إجراءات حماية المواطنين، ومواصلة دعم النشاطات الاقتصادية لفترة من الزمن، والعمل على التحضير لعملية إعادة النهوض، كي تتحول الأزمة الى فرصة جديدة أمام إنهاض اقتصادات المنطقة”.
وشدد أزعور على أن “الوقت حان أمام الدول العربية لمعالجة نقاط الضعف في اقتصاداتها”، موضحاً أنه عندما بدأ الاقتصاد العربي بمواجهة الازمة الراهنة لم يكن متعافياً أصلاً. فالديون مرتفعة في العديد منها، وكذلك معدلات البطالة، ولا سيما لدى عنصر الشباب. كما أن جزءاً مهماً من اليد العاملة العربية يعمل في الدول المصدرة للنفط، ما كان له تأثير سلبي على سوق العمل مع تراجع الحركة الاقتصادية.
“نحن أمام مرحلة جديدة لا تخلو من نقاط مضيئة، ويجب تحويل التحدي الذي نواجهه الى فرصة”، يقول أزعور. اذ يجب العمل على تعزيز العمل بقطاع التكنولوجيا الذي لعب دوراً مهماً في المرحلة السابقة، ما من شأنه خلق فرص عمل. وتعزيز قدرة التحمل (resilience) لدى اقتصادات المنطقة. ورأى أن أمام الدول العربية فرصة اليوم لترفع من مستوى التفاعل الاقتصادي في ما بينها، وأن تخلق أسواقاً مشتركة. فعلى سبيل المثال، اذا نجحت دول المغرب العربي الأقل اندماجاً في العالم، في التخفيف من مستوى الحواجز الاقتصادية التي تعتمدها، يمكنها عندها أن تضيف الى نسبة النمو المحقق سنوياً بواقع 1.5 في المئة، ما يرفد عدداً كبيراً من فرص العمل.
وشدد على أن الأولوية الأولى تبقى في المحافظة على حياة الناس، ما يفرض على الحكومات العربية – حتى تلك ذات القدرات المالية الضعيفة – أن تمنح الأولوية للنفقات الاجتماعية، وأن تستمر ثانياً بدعم القطاعات التي كانت الأكثر تضرراً من كورونا، كالسياحة مثلاً، لمساعدتها على تخطي المرحلة. والتحدي الأكثر أهمية هو كيفية الخروج من المرحلة الراهنة. وهذا يتم عبر الإفساح في المجال أمام خلق فرص عمل للشباب الذين يمثلون ثلثي مواطني الدول العربية ويشكلون رافعة اقتصادية كبيرة، وذلك من خلال السماح لهم باستعمال التكنولوجيا وتحقيق الاندماج المالي، ما من شأنه رفع مستوى كفاءة الاقتصاد. بالإضافة الى ضرورة رفع نسبة التمويل للقطاع الخاص. وهي نسبة لا تزال منخفضة جدا في المنطقة العربية ولا تتعدى الـ6 في المئة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة مقارنة مع نسبة 17 في المئة في دول اخرى. كما الاستفادة من قدرات المرأة العربية المتعلمة التي يمكن أن تكون رافعة للاقتصاد.
وأوضح أنّ الإصلاحات المذكورة ليست جديدة لكنها اليوم تكتسب درجة عالية من الأهمية، يضاف إليها وجوب التكيف مع تحولات التجارة الاقتصادية والاهتمام بالقطاعات الواعدة الصديقة للبيئة. وقال “الأهم أن لا نقع مجدداً في خطأ الانتظار وعدم المبادرة. ففي الأزمات التي مرت على اقتصادات العالم، كان الخطر الكبير يتربص بدول المنطقة من عدم اتخاذ الإجراءات الأساسية والاستفادة من هذه التحديات كمحفز لتطوير الاقتصاد”. أضاف “من هنا، نحن اليوم أمام مفترق طرق أساسي في المنطقة. صحيح أن أولويتنا تبقى مصلحة المواطنين لكن يجب أن يتم توسيع الأفق إلى المدى المتوسط والعمل على بناء اقتصاد فاعل واحتوائي تلعب فيه السياسة الاجتماعية الدور الأهم لاحتضان الفئات المهمشة.. نحن أمام ثورة اقتصادية يجب أن تكون إحدى ركائزها الأساسية خطة اجتماعية فاعلة وشاملة واحتوائية. فمن دونها نحن أمام مخاطر خبرناها في السنوات العشرة الماضية”.
عن الانكماش الكبير الذي تسجله الدول المصدرة للنفط بسبب عدم تنوع اقتصاداتها، قال أزعور إن الازمة أثرت على هذه الدول كثيرا. فعلى سبيل المثال، يتوقع أن تنخفض ايرادات الدول المصدرة للنفط بحوالي 270 مليار دولار عام 2020 مقارنة بالعام الماضي. وهو أكبر انخفاض شهدته في عام واحد، علماً أن أسعار النفط وصلت الى مستويات لم تشهدها منذ عام 1973. وهناك تفاوت بين دولة وأخرى في هذا المجال وفقاً لحجم احتياطاتها ومدى قدرتها على التكيف مع الازمة، حيث إن تلك التي تتمتع باحتياطات مرتفعة أسرع قدرة على التحول.
وشرح أن دول الخليج كانت قد أخذت في الاعتبار مسألة تنوع الاقتصاد منذ نحو خمس سنوات، لا سيما المملكة العربية السعودية التي وضعت هذا الهدف في استراتيجيتها 2030، والامارات التي وضعت استراتيجيةً للتحول الاقتصادي الى ما بعد النفط، والبحرين من خلال توسيع حجم قطاع الخدمات. وهناك ضرورة اليوم للاستمرار بالتنوع الاقتصادي مع الأخذ في الاعتبار كيفية تطور الاقتصاد العالمي، والاستثمار في دول الجوار الذي يسمح لدول الخليج في أن تعمق قدرتها على التنوع، وضرورة الاعتماد على الكوادر البشرية وتأهيلها، وتعزيز العلاقة بين الدول المصدرة وتلك المستوردة.
لبنان
وهل يمكن للبنان أن يخرج من أزمته، وهي الاولى من نوعها منذ تاريخ إنشائه؟ يجيب “لا شك بأن المواطن اللبناني يعاني أزمة خانقة أثرت على وضعه المعيشي بسبب الارتفاع الكبير في التضخم والتراجع في قيمة العملة اللبنانية وكل المؤشرات. من الضروري الإسراع بمنظومة إصلاح تعيد الثقة لاقتصاد يملك من المقومات والقدرات البشرية الهائلة التي تسمح له بالنهوض مجدداً”. وشدد على وجوب القيام بالإصلاحات في قطاعات مهمة أساسية من أجل زيادة القدرة التنافسية للاقتصاد والتخفيف من الأعباء المالية التي تراكمت على الدولة وحدّت من قدرتها على تحمل هذا المستوى من الديون. أضاف “ان الحكومة اللبنانية وضعت خطة وأرسلتها الى صندوق النقد الدولي الذي بدوره عكف خلال الأشهر الماضية على التشاور مع الحكومة اللبنانية حول مكونات هذه الخطة للتحضير لإمكانية مساعدة لبنان مالياً”.
وعن عدم استفادة لبنان الى اليوم من برامج المساعدات الطارئة التي يؤمنها صندوق النقد الدولي، أوضح أزعور أن الصندوق طوّر خلال المرحلة الماضية برامج جديدة لدعم الدول على مواجهة جائحة كورونا، حيث وفر مساهمات بقيمة 100 مليار دولار استفادت منها حوالي 15 دولة من دول المنطقة. وشرح أنه يجب توافر عاملين أساسيين لتأمين الصندوق تمويلاً للدول، أولهما تسجيل عجز في ميزان المدفوعات، والثاني توافر قدرة على السداد. و”في حالة لبنان، فإن هذا الامر يتطلب أن يكون قد تم التوصل الى اتفاق على الخطة الإصلاحية والمباشرة بإجراء بعض الإصلاحات الأساسية، ما يفتح المجال أمام لبنان للاستفادة مما يسمى التمويل السريع الذي وضعه الصندوق في خدمة الدول، ومن برنامج آخر يمكن أن يستفيد منه على المدى المتوسط”. أضاف أزعور “ان الحوار قائم اليوم حول الوصول الى النقطة التي يمكن من خلالها التأكد من قدرة لبنان على السداد من خلال معالجة مشكلة الدين المرتفع. وعلى أساسها، تصبح هناك إمكانية للنظر في تفاصيل آلية التمويل الذي يمكن أن يستفيد منه لبنان”. وكشف ان صندوق النقد الدولي يفكر بآلية تمويل للمساعدة في عملية التعافي التي يمكن أن تكون مختلفة بين دولة واخرى.
وختم قائلا “نحن أمام نقطة تحول، وبالتالي يجب علينا التفكير بكيفية الخروج من الأزمة أكثر قوة ومناعة مما كنا عليه قبل أزمة كورونا. ويجب ألا ننسى ان العنصر الصحي يلعب دورا مهما في المنظومة الاقتصادية الجديدة، وبالتالي لا يمكننا أن نكتفي باقتصاد فاعل ومنتج بل يجب أن يكون الاقتصاد متحوّطاً لأي مخاطر”.


