خاص – خبير اقتصادي يشرح لـLeb Economy الكلفة المخفية لضبط سعر الصرف!

منذ بداية الحرب الاسرائيلية على لبنان، غالباً ما جرى قياس كلفة الحفاظ على استقرار سعر صرف الدولار عند حدود 89,500 ليرة من زاوية واحدة تتمثل في حجم التراجع الذي يطرأ على احتياطات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية. إلا أن مقاربة هذه الكلفة من هذا المنظار وحده تبقى قاصرة عن الإحاطة بالصورة الكاملة، إذ إن الحفاظ على استقرار سعر الصرف لا يرتبط فقط باستخدام الاحتياطات، بل أيضاً بسياسة نقدية تقوم على ضبط الكتلة النقدية بالليرة وتقليص السيولة المتداولة في السوق. وفي هذا السياق، أظهرت بيانات مصرف لبنان تراجع النقد المتداول بالليرة بين شهري آذار ونيسان بنحو 5%، ما يفتح الباب أمام تساؤلات أوسع حول الأثمان الاقتصادية والاجتماعية المترتبة على هذه السياسة. فإذا كان استقرار سعر الصرف يُعد هدفاً أساسياً في ظل الظروف الراهنة، فما هي الكلفة الفعلية التي يتكبدها الاقتصاد اللبناني والمواطنون نتيجة تجفيف السيولة بالليرة؟
وفقاً للكاتب في الاقتصاد السياسي د. بيار الخوري “الكلفة الخفية لضبط السيولة بالليرة اللبنانية ليست ارتفاع الفائدة ولا انكماش الائتمان، بل هي شيء أشد إيلاماً وأصعب قياساً: إعادة توزيع العبء الاقتصادي قسراً نحو الأكثر ضعفاً، في لحظة يكون فيها الأقوى لم يعد معنياً أصلاً بدائرة العملة الوطنية.”

واعتبر الخوري، في حديث لموقعناLeb Economy، ان “المصرف المركزي حين يُحكم قبضته على الكتلة النقدية بالليرة، يفترض ضمنياً أنه يُحكم قبضته على الاقتصاد، لكن الاقتصاد اللبناني بعد 2019 انقسم إلى دائرتين لا تتقاطعان: دائرة دولارية تضم القطاع الخاص الفاعل والتجارة والادخار والتسعير، ودائرة ليرة متبقية يتعامل بها من لم يستطع الخروج، أي أصحاب الأجور الثابتة في القطاع العام خاصة وصغار الكسبة والمستهلكون في المناطق الطرفية”. وشدد على ان “ضبط السيولة لا يطال الدائرة الأولى بأي أثر يُعتد به، لأن من يتعامل بالدولار النقدي لا يكترث لعرض الليرة. أثره يقع كله على الدائرة الثانية”، مشدداً على ان “هذا المشهد لم يكن ممكناً قبل الانهيار. حين كانت المصارف تؤدي دور الوساطة الفعلية، كانت قناة الفائدة تربط قرارات المصرف المركزي بقرارات الاستثمار والاستهلاك في القطاع الحقيقي، وكان تشديد السيولة يُنتج أثراً منضبطاً وإن كان مؤلماً. لكن الانهيار قطع هذه القناة قطعاً شبه كامل: المصارف خرجت من دور الوساطة وتجمّدت في إدارة خسائرها، والائتمان بالليرة اختفى من السوق، ولم يتبق من الفائدة وظيفة سوى ضبط السيولة الطازجة اليومية في سوق الإنتربنك، أي التوازن اللحظي بين المصارف لا التأثير في هيكل الاقتصاد. حين تنهار قناة الفائدة، لا تبقى للمصرف المركزي سوى أداة الكمية، وهي أداة أخشن وأقل دقةً وأكثر عشوائيةً في توزيع الضرر”.
وقال الخوري: “أسباب هذه المعضلة تتشابك في مستويين. الأول بنيوي: الاقتصاد اللبناني دُوِّل تدويلاً عميقاً على مدى عقود، وبات الدولار عملةً وظيفية لا احتياطية، مما يعني أن أي سياسة نقدية تعمل بالليرة تعمل على نصف الاقتصاد في أفضل الأحوال. الثاني أزموي: انهيار 2019 أسقط الثقة بالجهاز المصرفي كله، فحتى الذين يحتفظون بالليرة يبحثون عن مخرج سريع. في هذا المناخ، تشديد السيولة لا يُنتج طلباً على الليرة بل يُنتج ضغطاً على من لا خيار لديهم”.
واضاف: “تداعيات ذلك تتجاوز الأرقام النقدية. حين يكون ضبط السيولة غير متماثل التوزيع بهذا الشكل، فإنه لا يُصحّح اختلالاً اقتصادياً بل يُعمّق اختلالاً اجتماعياً: يُضيّق هامش البقاء لدى الفئات التي لم تتمكن أصلاً من التحوط بالدولار، ويُرسّخ الثنائية بين اقتصادين متوازيين لا تواصل بينهما. والأخطر أن هذه الكلفة لا تُرى في أرقام الاحتياطيات ولا في ميزان المدفوعات، فتمر دون محاسبة ودون تعديل، وهذا ما يجعلها الكلفة الأشد استمراراً”.



