أخبار لبنانابرز الاخبارسياسة

ماذا تبقّى من محوَري 8 و14 آذار؟ (النهار 29 تموز)

كتب مجد بو مجاهد في “النهار”:

شهدت التموضُعات السياسيّة اللبنانية متغيّرات جذريّة على مدى السنوات الماضية، ما أدّى إلى الابتعاد التدريجيّ بين “أصدقاء” التحالفات الاستراتيجيّة الذي وصل إلى مسافات، حتّمت أن يحكم الضباب طبيعة العلاقات المتراجعة بين الأحزاب المحسوبة على خطيّ قوى 8 و14 آذار.

ورسمت السجالات والتباينات التي ظهرت في المراحل الماضية بين أكثر من مكوّن سياسيّ مسافة إضافية، وصلت إلى حدود التعبير عن مواقف من أمكنة بعيدة وغير مطلّة على بعضها البعض. ويطرح هذا المشهد علامات استفهام حول خريطة التحالفات الجديدة التي يمكن أن تطرأ في الاستحقاقات الأساسية المقبلة، وفي مقدّمها الانتخابات النيابية التي انطلق العدّ العكسي لإجرائها على بُعد أشهر.

ما هي تفاصيل الصورة المعبّرة عن افتراق قوى سياسية محسوبة استراتيجياً على محور سياسيّ واحد؟ أوّلاً، تُظهر التموضعات مسافات بعيدة بين “التيار الوطني الحرّ” وتيار “المرده” وحلفائه في التكتل. وسُطّرت أحدث التصاريح الهجومية على فريق رئيس الجمهورية في الاستشارات النيابية غير الملزمة من “التكتل الوطنيّ”، الذي أعرب بلسان النائب فريد الخازن عن التخوّف من أن التجارب السابقة لا تبشّر بالخير مستخدماً عبارة “الله يعينه” متوّجهاً بها إلى الرئيس المكلّف نجيب ميقاتي، لأن “المهمّة صعبة والتعامل مع العهد ورئيس الجمهورية أصعب من الوضع”. ولم يأتِ هذا الموقف من سراب، بل إنه يشكّل حلقة في إطار التراجع المستمرّ في العلاقة بين الطرفين. وكان رئيس تيار “المرده” النائب السابق سليمان فرنجيه قد حدّد شروط مشاركته في الحكومة المقبلة قبل أيام، لجهة “ألا تكون من طرف واحد، ولا يكون فيها للعهد أكثر من الثلث”. وكان سبق اعتذار الرئيس سعد الحريري تصريح لفرنجيه، قال فيه إنّه “إذا كان المطلوب حكومة يتحكّم بها جبران باسيل، فالأفضل البقاء من دون ‏حكومة”، مشيراً إلى أنّه “قبل رفع شعار حقوق المسيحيين، ينبغي أن نستعيد ما هدره أصحابه من هذه الحقوق، وهو ‏ما يحتاج ربما إلى سنوات ضوئية”.

 

ثانياً، “انفخت الدفّ” بين حركة “أمل” و”التيار الوطني الحرّ” بعد سلسلة سجالات ناريّة على مدى السنوات الماضية. وأصبح الطرفان على بعد مسافات سياسيّة يتقاذفون منها “قنابل” المواقف المضادة. وأتى الهجوم الحادّ بين فريقي رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري في الأسابيع الماضية، وسط حرب اتهامات بين الواقع والعالم الافتراضي، ليعبّر عن حجم “تفرّق” أبناء المحور السياسي الواحد، فيما اندلعت معركة “تغريدات” بين نواب الفريقين وصلت إلى اعتبار “أمل” أن فريق العهد هو “أساس الفساد في البلد”، في مقابل ردّ تكتل “لبنان القوي” على طريقة “الكل يعلم علم اليقين من هو أساس الفساد، ومن أين تبدأ مكافحته”. ووصلت المفاجآت السياسية إلى حدود التصعيد الذي وصل الى انتقاد عون مبادرة بري، وإن لم يسمّه بالاسم، على خلفية معاودته تشغيل محركاته في موضوع الحكومة قبل اعتذار الحريري. وتكلّل التباين حينذاك بعبارة “الوسيط لا يكون طرفاً”.

 

ثالثاً، مشت علاقة “القوات اللبنانية” وتيار “المستقبل” خطوات خلفية إضافية إلى الوراء في الأيام الماضية، في ظلّ أخذ وردّ استجدّ حول منشورات صحافية. وردّت “القوات” على ما ورد في مقال على موقع “المستقبل” الرسمي، واصفةً ما حصل بالمعيب لجهة “أن نستفيق اليوم على مقال بهذا المحتوى يصدر عن إحدى المؤسسات الإعلاميّة المتفرعة عن المؤسسة الإعلاميّة الأمّ التي كان أسّسها الشهيد رفيق الحريري، وإذا كان لا بدّ من كلمة أخيرة فرحمة بالشهيد الكبير حافظوا ولو على قيراط صغير من إرثه كدتُم أن تفنوه!”. ولم يكن هذا التفصيل خارجاً عن سياق وضع العلاقة بين المكونين اللذين لطالما حرصا على تبريد الأجواء مع كل جولة تباين ظاهرة، فيما تشير المعلومات إلى أن الرئيس سعد الحريري كان ردّ على سؤال في مجالسه، حول ما إذا كان سينتخب رئيس “القوات” سمير جعجع رئيساً للجمهورية في الدورة المقبلة بعبارة “هو ما سمّاني” (أي لرئاسة الحكومة). لكن لا تلغي صورة التباينات أنّ ثمّة خيطاً يحافظ على ما يربط علاقة المكوّنين، بما في ذلك التعاون الذي ترجم حديثاً في بعض الاستحقاقات. وعلى خطّ آخر، تراجعت علاقة “المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي في الفترة الماضية. وانتقد رئيس التقدمي وليد جنبلاط القرارات التي اتّخذها الحريري في أكثر من ملف وفي غير مناسبة. وأشار إلى أنه “منذ سنة ونصف سنة وأنا اقنع سعد الحريري بالاعتذار لأن ميشال عون لا يريده “، مضيفاً أنّ “الحريري لم يسمع النصيحة”. ولم يخفِ أكثر من قيادي في الاشتراكي تراجع العلاقة مع الحريري. لكن، التباينات لم تقف يوماً حجر عثرة بين المكونين، نظراً للاحتكام إلى سياسة الاستيعاب المتبادل. وبدا الحريري غير منزعج ومتفهم، عندما سُئل حديثاً في مجالسه عن علاقته بجنبلاط.

أي خلاصة حول ما تبقى من اصطفافات قوى 8 و14 آذار في ظلّ الاختلافات الواضحة بين حلفاء المحور السياسي الواحد؟ لا تخفي أوساط سياسية معاصرة للحقبة “الذهبية” للفريقين، بأنّ التحولات السياسية باتت بعيدة عن إمكان تصوير رابط فعلي بين أحزاب المحورين. وتستقرئ أن الخريطة السياسية الجديدة للتحالفات باتت أقرب إلى فريق يجمع تيار “المستقبل” وحركة “أمل” و”المرده” من جهة، انطلاقاً مما برز في أكثر من استحقاق سياسي أو نقابي. ويضاف الحزب التقدمي الاشتراكي الذي يتقاطع مع غالبية مفاصل القوى الثلاث، رغم أنه يحافظ على هامش مستقلّ في عدد من المواضيع. ويتشكل المحور الثاني من فريق “التيار الوطني الحرّ” الذي تشير الأوساط إلى أنه يريد ضمان مستقبله السياسي، انطلاقاً من معركة شدّ الحبال الحكومية التي يخوضها. ويبدو “حزب الله” على مسافة متقاطعة بين الفريقين. وتشكّل “القوات اللبنانية” فريقاً منفصلاً في العناوين والأهداف عن الفريقين الآخرين. وتحرص على تبني خطاب معارض قائم على ضرورة الوصول إلى انتخابات نيابية مبكرة وعدم القدرة على التوصل إلى حلول في ظلّ الأكثرية الحاكمة. وإذا كان لا يزال من المبكر مقاربة تحالفات الاستحقاقات النيابية والرئاسية المقبلة، فإن ثمّة من لا يستبعد في المجالس السياسية أن تبنى التحالفات وفق “المحاور الجديدة” المعبّر عنها.

بواسطة
مجد بو مجاهد
المصدر
النهار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى