خاص – لا تهلّلوا كثيراً لـ”صحوة” القضاء .. هذه هي تداعيات ملاحقة سلامة وما قبلها!

للأسف، في هذه الأيام العجاف، كلما تحرك القضاء، كلما كبر الشعور بالخوف والريبة أكثر فأكثر.
ممكن، أن يكون الشعور مبرر، لأن تجارب الماضي في هذا الإطار مريرة لا بل مؤلمة.
بالمنطق، وإنطلاقاً من الإلتزام بمبدأ العدل والعدالة، كان يجب أن يكون هناك شعور كبير بالراحة والطمأنينة لتحرك القضاء خصوصاً عندما يتعلق الأمر بوضع يده على قضايا وطنية، لا سيما تلك المتعلقة بالإختلاس والفساد ومد اليد على أموال الدولة والمواطنين.
لكن في حالتنا اليوم، هناك الكثير من الأسباب تبرر الخوف وعدم الإطمئنان والريبة، وهي:
– من غير المعقول والمنطقي أن تتم مكافحة الفساد وملاحقة الفاسدين، من قبل سلطة الجميع يتهمها بالإرتكاب وقضاء مسيّس كما هو قائم حالياً.
– أن هذه العملية يجب أن تأتي بعد تشكيل السلطة التنفيذية (إنتخاب رئيس للجمهورية وتأليف حكومة جديدة) على أساس إصلاحي تأخذ على عاتقها القيام بالعملية الإصلاحية وأولها مكافحة الفساد، وذلك من ضمن برنامج إصلاحي وإتقاذي شامل ومتكامل.
– إن التجارب التي حصلت في الفترة السابقة، لم تؤدِ الى النتائج التي يرجوها الشعب، إنما بالعكس إرتدت سلباً على المواطنين وعطّلت الدولة، مثل نموذج الملاحقات القضائية في النافعة وفي الدوائر العقارية، حيث أدت الملاحاقات القضائية والتوقيفات الى إقفال النافعة والدوائر العقارية، وتعطيل مصالح الناس والمؤسسات وحرمان الدولة من مئات مليارات الليرات فيما هي بأمسّ الحاجة للإستمرار بتشغيل مرفقها ومؤسساتها.
– في ظل الفراغ السياسي وشلل السلطتين التنفيذية (الحكومة) والتشريعية (مجلس النواب) وإنقسام القضاء، أي أمر يتم تعطيله أو إسقاطه، هناك إستحالة بإجراء تعيينات للمراكز الشاغرة والمؤسسة المعطلة، ما يعني أن الأمور ستسير من سيء الى أسوأ وليس الى الأفضل، ويعني ايضاً المزيد من تفريغ الدولة وتكسير أعمدتها، الأمر الذي يهدد بسقوطها.
حقيقة، كل ما سبق، يمكن إسقاطه على ما يجري حالياً مع المصارف وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة.
فبالنسبة للمصارف هناك أحكام قضائية تفرض عليها دفع الودائع بالدولار النقدي، مع إلزامها أيضاً بقبض القروض بدولار على 1500 ليرة في السابق، والآن دولار على سعر صرف 15 ألف ليرة وبالشيك الدولار، في استنسابية غير مسبوقة، ما سيؤدي الى حصول قلة محظية من المودعين على ودائعهم بالدولار وحرمان الأغلبية الساحقة ولو القليل من حقوقها، ويعني أيضاً دفع المصارف الى الإفلاس، من دون أن يكون هناك بدائل لها، وهذا أخطر ما يمكن أن يحصل للبنان على الإطلاق.
وبالنسبة لسلامة، اليوم هناك موجة شعبوية تهلل للتحقيق معه وللتسريبات حول إستقالته أو القاء القبض عليه وسجنه، لكن السؤال الأبرز، هلى هناك إمكانية في ظل الوضع القائم لتعيين بديلاً عنه؟ أم ان هذا المركز سيُسَيَّر “بحواضر البيت” أو سيترك للفراغ؟
قبل هذا وذاك، ونتيجة لتهاوي الدولة، أو ما تبقى من الدولة، وللإنهيار شبه الكلي، وللفراغ، ولعدم الثقة، وعدم القدرة على إتخاذ القرارات أو إنتاج حلول، فإن المصيبة المباشرة والسريعة ستكون بحصول قفزات كبيرة لسعر صرف الدولار مقبال الليرة، في حال تطوّر التحقيق مع سلامة دراماتيكياً لناحية إلقاء القبض عليه، او دفعه للإستقالة أو ما شابه.
صراحة، من ضمن الوضع القائم، وبحسب تسلسل الأحداث، وتدحرج الإنهيار والتدمير الممنهج للدولة، فكل ما يجري الآن في لبنان، يدعو للريبة.
بالتأكيد، إن كتابة هذا الرأي، ليس على الإطلاق للدفاع عن سلامة أو تبرءته أو مناصرته، أو مناصرة غيره، إنما بهدف وضع الأمور في نصابها الصحيح وإنطلاقاً من الحرص الشديد على الحفاظ على ما تبقى من موجودات وإمكانات.
لا بد من الغشارة، الى أن كل ما حصل ويحصل منذ بدء الأزمة الإقتصادية حتى يومنا هذا، يتم الدفع اليه من قبل القوى السياسية باعتماد الشعبوية لحرف أنطار الرأي العام عن الحقيقة وعن مسؤوليتهم الكبرى في كل ما يجري، ولو كان ذلك على حساب الدولة والشعب ومستقبلهما.



