خاص – بعد الأضرار الكارثية في النصف الأول: أي سيناريو اقتصادي ينتظر لبنان في النصف الثاني من 2026؟

رغم موجة التفاؤل التي رافقت انطلاق عام 2026، وما حملته من رهانات على بداية مسار تعافٍ اقتصادي تدريجي، جاء النصف الأول من السنة ليبدد معظم هذه الآمال، بعدما شكّلت الحرب الإسرائيلية على لبنان، التي اندلعت في الثاني من آذار الماضي، ضربة قاسية للاقتصاد اللبناني. فقد أعادت المواجهات العسكرية إدخال البلاد في دوامة من الخسائر والأضرار الواسعة، سواء على مستوى النشاط الاقتصادي المباشر أو من خلال التداعيات غير المباشرة التي طالت مختلف القطاعات الإنتاجية والخدمية، فضلاً عن الأضرار المادية التي لحقت بالبنى التحتية والممتلكات. ومع دخول وقف الأعمال الحربية حيّز التنفيذ وظهور مؤشرات سياسية جديدة، تتجه الأنظار اليوم إلى النصف الثاني من العام، بحثاً عن السيناريو الأكثر ترجيحاً للاقتصاد اللبناني، في ظل خسائر تُقدّر بمليارات الدولارات وتحديات لا تزال تلقي بثقلها على فرص التعافي والاستقرار.
في هذا الإطار، رأى الكاتب في الاقتصاد السياسي د. بيار الخوري، في حديث لموقعنا Leb Economy، أن السيناريو الأكثر ترجيحًا في النصف الثاني من 2026 ليس الانتعاش، ولا الانهيار التام، بل ما يمكن تسميته بـ”الاستقرار المضطرب المشروط”. اقتصاد يلتقط أنفاسه بعد ضربة مزدوجة، حرب على حرب، وأزمة فوق أزمة، لكنه لا يملك من الطاقة الذاتية ما يكفي للإنطلاق دون دعم خارجي منظّم وإرادة إصلاحية داخلية متواصلة. هذا ليس تشاؤمًا، بل هو قراءة في بنية اقتصاد لا يزال هيكله الإنتاجي مفككًا، وجهازه المصرفي معسرًا بخسائر تتجاوز 72 مليار دولار، وموازنته مُثقلة بنفقات طوارئ لم تكن في الحسبان.

وأشار خوري إلى أنه على مدى خمسة أسابيع فقط من الحرب الثانية، فقد الاقتصاد اللبناني ما يقارب 5 إلى 7 بالمئة من ناتجه المحلي الإجمالي، ومحا ذلك كل ما تراكم من زخم التعافي خلال عام 2025. وكانت توقعات البنك الدولي في مطلع 2026 تشير إلى نمو بنسبة 4 بالمئة، مبنيًا على افتراضات الاستقرار والإصلاح المتدرج، وقد تبخّرت تلك التوقعات مع اشتعال الجبهات من جديد. وفي مقابل تلك التوقعات الإيجابية، باتت التقديرات الراهنة تشير إلى انكماش لا يقل عن 7 بالمئة، وهو ما يعني فعليًا ضياع سنتين كاملتين من التعافي البطيء في غضون أشهر.
ولفت إلى أن الحديث عن النمو يُظهر أنه يصعب توقع أرقام موجبة ذات معنى قبل الربع الأخير من 2026، وحتى في السيناريو الأفضل حيث يصمد وقف إطلاق النار ويبدأ التدفق المنظّم للمساعدات، فإن أي نمو لن يكون تعبيرًا عن دينامية إنتاجية حقيقية، بل سيعكس في معظمه أثر إعادة الإعمار، وهو نمو استهلاكي أكثر منه هيكليًا. وعلى صعيد التضخم، ومع ارتفاع أسعار النفط عالميًا جراء اضطرابات الممرات البحرية، تشير التقديرات إلى أن التضخم في لبنان قد يتراوح بين 25 و30 بالمئة، وهو رقم يلتهم أي مكتسبات اسمية في الدخل ويُعيد ضرب القدرة الشرائية لدى الشرائح الأضعف. وقد كانت معدلات الأسعار قد بلغت ذروتها خلال النصف الثاني من 2025، قبل أن تشهد تراجعًا نسبيًا وصل بالتضخم إلى 14.6 بالمئة على مدار العام، وهو كسب اكتسب بشق الأنفس وبات مهددًا من جديد.
واعتبر خوري أن سعر صرف الليرة هو المؤشر الأكثر حساسية سياسيًا وأجلى تعبيرًا عن حساسية الثقة. وكان الاستقرار النسبي لسعر الصرف قد صمد منذ أغسطس 2023، مدعومًا بانضباط مالي نسبي وتحسّن في الإيرادات الضريبية، لكن الضغوط ارتفعت من جديد مع تراجع الاحتياطيات وتصاعد نفقات الطوارئ. وفي النصف الثاني من 2026، من المرجح أن يظل السعر في نطاق الـ90,000 ليرة مقابل الدولار مع ضغوط تصاعدية، لا انهيارًا حادًا بالمعنى التقني، لكن تآكلًا هادئًا مؤلمًا.
وأكد أن السياحة هي القطاع الأشد حساسية لإشارات الأمن، وبالتالي الأقدر على الانتعاش السريع في حال ثبوت الهدنة. وقد خسر لبنان وحده 1.3 مليار دولار من عائدات السياحة جراء الحرب الأخيرة، وذلك حتى خارج مناطق النزاع المباشر، مما يدل على أن أثر الخوف وانهيار ثقة المسافر كان أشمل من رقعة العمليات العسكرية. وفي الربع الأخير من 2026، قد يبدأ بعض الحركة السياحية بالعودة، لا سيما من المنتشرين اللبنانيين الذين يشكّلون العمود الفقري للقطاع، لكن الموسم سيكون منتهيًا فعليًا. السياحة ستكون عامل انتعاش أساسي في 2027، وليس في 2026.
وأوضح خوري أن الاستهلاك الداخلي لا يزال مدفوعًا في معظمه بالتحويلات الخارجية، التي تمثل نحو 6.2 بالمئة من الناتج المحلي، مما يكشف عن اقتصاد يعتمد على المحرّكات الخارجية أكثر مما يعتمد على دينامية إنتاجية محلية. وقد شهدت تحويلات المغتربين تراجعًا ملحوظًا خلال فترة الحرب، والأرجح أن تعود بعض مستوياتها بانتهاء الأعمال القتالية، لكنها ستبقى دون مستوياتها المتوقعة ما لم تتحسن صورة لبنان الاستثمارية والأمنية لدى المجتمعات المنتشرة.
ورأى أن الصورة المتعلقة بإعادة الإعمار تبقى ضبابية لأسباب هيكلية. إذ تُقدَّر الأضرار الإجمالية بـ14 مليار دولار بحسب تقييم البنك الدولي، منها 11 مليارًا لاحتياجات التعافي وإعادة الإعمار، في حين أن ما تم الالتزام به فعليًا من تمويل خارجي لا يتجاوز قرضًا من البنك الدولي بقيمة 250 مليون دولار، مع وعود أولية من فرنسا والعراق والجزائر. والفجوة بين الحاجة والتعهد مهولة، والمانحون ليسوا مستعدين لتحرير الأموال الكبرى دون ضمانات حوكمة واضحة وإطار إصلاحي موثوق، إذ لا تزال المؤسسات الدولية كصندوق النقد تشترط توحيد أسعار الصرف وإعادة رسملة المصارف وخفض العجز المزمن شرطًا مسبقًا لأي دعم واسع النطاق.
وشدّد خوري على أن المحرّكات المحتملة للتعافي في النصف الثاني من 2026 تتمحور حول ثلاثة أقطاب: صمود وقف إطلاق النار وتحوّله من هدنة إلى وضع دائم، والتقدم في مفاوضات البرنامج مع صندوق النقد الذي سيفتح الباب أمام موجة أوسع من التمويل الدولي، وعودة المغتربين بأموالهم إذا أعطتهم الحكومة إشارات ثقة حقيقية. وإيجاد حل لسلاح حزب الله أو إعادة تموضعه خلف خطوط محددة يظل الشرط الجوهري لإستعادة ثقة المستثمرين وفتح أبواب المساعدات الخليجية والغربية.
وحذّر من أن المخاطر كثيرة ومتعددة الأصول. فداخليًا، الأخطر هو الخوف من أن يُعيد النظام السياسي القديم تموضعه خلف واجهة الإعمار ويلتهم الموارد قبل وصولها إلى أهدافها. وخارجيًا، فإن أي تصعيد إسرائيلي جديد سواء في الجنوب أو عبر الضربات الاستهدافية سيُجمّد كل شيء فورًا. كذلك يمثّل ارتفاع أسعار النفط العالمية عاملًا مركّبًا يزيد فاتورة الاستيراد ويوسّع العجز في الميزان الجاري لدولة تعتمد على النفط بنسبة 100 بالمئة لتوليد الكهرباء. وعلى المستوى الاجتماعي، تتركّز الضربة الأشد على الاقتصاد غير الرسمي والعمال الأكثر ضعفاً، فيما اختفى كثير من المشاريع الصغيرة التي كانت شبكة الأمان الفعلية للطبقات الوسطى والدنيا، مما يُفاقم الضغوط الاجتماعية ويُهدد الاستقرار اللازم للتعافي.
وأشار إلى أن الإصلاحات التي لا تحتمل التأجيل تتمثل في إقرار قانون إعادة هيكلة المصارف وتفعيله فعليًا لا ورقيًا، والتقدم في مسار اتفاقية الصندوق التي تعثرت مرات عدة منذ 2022، وضبط الإنفاق العام مع فتح قنوات موجّهة لإعادة الإعمار، وتحديث منظومة الضرائب بما يحقق عدالة توزيعية ويرفع الإيرادات، فضلًا عن وضع إطار واضح للشفافية في إدارة أموال الإعمار لأن الجهات المانحة ستربط كل دولار بآلية رقابة.
وخلص الخوري إلى أن العودة إلى مستويات الناتج المحلي لما قبل حرب 2026 قد تستغرق ما بين ثلاث وأربع سنوات إذا توافرت الظروف المناسبة كلها، من وقف إطلاق نار دائم، واتفاق مع صندوق النقد، وتدفق منظّم للمساعدات، وحكومة ذات صدقية. أما العودة إلى مستويات 2019 فهي مسألة مختلفة كليًا وتحتاج إلى عقد كامل في أفضل السيناريوهات، إذ إن الوصول إلى ناتج محلي يعادل 53 مليار دولار كما كان في 2019 لم يعد مرتبطًا بالإصلاح وحده، بل أصبح رهينًا بسياق الحرب وتقلباتها، ومن يتجاهل هذه الحقيقة الجوهرية لا يُحلّل الاقتصاد اللبناني، بل يضيف وهمًا إلى أوهام متراكمة.



