«ضريبة السوري» أحدث ابتكارات العنصرية اللبنانية (الأخبار 21 آب)

120 دولاراً على كل سوري بالغ، و60 دولاراً على من هو دون الثامنة عشرة. هذا الرسم الذي اقترح النائب سجيع عطية فرضه على السوريين بشكل سنوي وتطبيقه من خلال البلديات، بحجّة أن وجودهم ضمن النطاق البلدي له كلفة، وأنهم ينافسون اللبنانيين في سوق العمل. يستحقّ الأمر النقاش، ليس من باب فرض هذه الضريبة أو حجبها، بل من باب الغباء العنصري الذي يعتقد أن كره الآخر هو السبب الوحيد لوجود الدولة.
فالنظام الضريبي لا يتعلق بالعنصرية بل يفترض أن يرتّب ضرائب على أي مداخيل، وأن يراعي مصالح الاقتصاد الوطني. فهل من مصلحة الاقتصاد الوطني الاستغناء عن العمالة السورية؟
من سيحلّ محلّهم؟ هل فكّر عطية وغيره من أفذاذ العنصرية اللبنانية بمصلحة اقتصادهم قبل تقديم اقتراح كهذا؟ هل النظام الضريبي يجب أن يقاس على أساس المصالح الوطنية بدلاً من أن يقاد بطريقة فئوية وعنصرية؟ ألم يكن، وما زال، نظاماً ضريبياً فيه من اللاعدالة لدرجة تفضيل فئة أصحاب الرساميل على العمال، أي إنه يرغب في إضافة العنصرية كدافع لفرض الضريبة؟ أليس العامل السوري مثله مثل أي مقيم في لبنان لديه مسكن ويحصل على الخدمات ويعمل ويشتري سلعاً ومُنتجات… أي إنه يجب أن يخضع لكل الضرائب التي يفترض فرضها على الآخرين، لا أن يخضع لوحده لضريبة إضافية فقط لأنه يحمل الجنسية السورية؟
بحسب ورقة صدرت عن منظمة العمل الدولية، فإنه بين مطلع 2012 و27 أيار 2024 أُصدرت 9703 إجازات عمل للمرة الأولى للسوريين، وأن مجمل تعداد القوّة العاملة السورية في لبنان يُقدّر بما بين 300 ألف و400 ألف، أي إن إجازات العمل الأولى الصادرة خلال أكثر من 12 عاماً، لا توازي في الحد الأقصى سوى 3.2% من حجم القوّة العاملة، ما يعكس محدودية وصول السوريين إلى سوق العمل النظامية، بسبب القيود وكلفة الرسوم والتعقيدات الإدارية، وأن نحو 95% منهم يعملون في الاقتصاد غير المُنظّم.
إذاً، أمام الدولة مئات آلاف الأشخاص الموجودين أصلاً في سوق العمل لكنّ غالبيتهم خارج النظام. الأولوية المنطقية هنا إلى جانب التعداد، السعي لمعرفة عدد العاملين بينهم، وفي أي قطاعات، وتنظيم هذا العمل عبر فرض إصدار إجازات العمل، وإلزام أرباب العمل بالقواعد والأصول القانونية، وجباية الرسوم المستحقّة، وكلّه في إطار ضبط المنافسة مع العمالة اللبنانية. لكن كل هذا الأمر لا يمكن حصوله من خلال الابتكار العنصري الأخير القاضي بفرض رسم جديد لا علاقة له بشؤون العمل، بل بالجنسية.
ويتعزّز هذا الأمر لأن العمالة السورية ليست عبئاً صافياً على الاقتصاد. فالواقع أن هناك قطاعات تعتمد عليها فعلياً. يقول تقرير حديث لمنظّمة العمل الدولية عن مهارات السوريين في لبنان، إنّ خبراتهم تتركّز بصورة كبيرة في الزراعة والبناء والصناعة، في القطاعات التي يصعب أن يكون فيها عمال لبنانيون.
ففي حزيران 2026، تحدّثت منظمة العمل الدولية عن تزايد النقص في اليد العاملة الزراعية في لبنان، وعن الحاجة إلى آليات أكثر تنظيماً لتأمين العمال وتشغيلهم. هنا يجب ألّا «نضحك» على أنفسنا. المسألة ليست أن اللبناني «لا يعمل» بالمُطلق، ولا أن السوري يجب أن يحلّ مكانه. لكنّ هناك أعمالاً، وخصوصاً الموسميّة والشاقّة والمنخفضة الأجر، لا يجد طالبوها، بسهولة، عمالاً لبنانيين بالعدد المطلوب وبالشروط السائدة اليوم. فالمزارع بحاجة إلى من يقطف ويزرع، والمقاول بحاجة إلى عمال بناء، ومؤسسات كثيرة بنت طريقة عملها منذ سنوات على توفّر هذه اليد العاملة. خروجها فجأة لا يعني أن لبنانياً سيحل مكانها تلقائياً، بل قد يعني ببساطة نقصاً في العمال وارتفاعاً في كلفة الخدمات والإنتاج.
بمعنى أوضح، تصبح فكرة الرسم مُستغربة اقتصادياً. لنفترض أن العامل السوري مُطالب بدفع 120 دولاراً سنوياً، وزوجته المبلغ نفسه إذا كانت بالغة، و60 دولاراً عن كل طفل. أسرة من بالغين وطفلين تصبح مُطالبة بـ360 دولاراً في السنة. فمن أين ستأتي بها الأسرة؟ من الأجر المُكتسب من العمل. وبالتالي، فإنه كلّما ازدادت التكاليف على العامل، أصبحت شروط عمله وتوظيفه مختلفة، فإمّا سيُطالب بزيادة البدلات المالية التي يتقاضاها يومياً أو أسبوعياً أو شهرياً، أو زادت صعوبات معيشته بسبب انخفاض الدخل مقارنة مع زيادة الأكلاف.
أمّا ربّ العمل الذي سيدفع الأجر الأعلى ليس جهة مجهولة؛ فهو في حالات كثيرة مزارع لبناني أو مقاول لبناني أو صاحب مؤسّسة لبنانية. فإذا ارتفعت كلفة العمالة عليه، سيحاول بدوره تحميل جزء منها على سعر المُنتج أو الخدمة. وفي النهاية، يمكن أن نجد أنفسنا أمام رسم قيل إنه سيُفرض على السوري، لكنّ جزءاً من كلفته انتقل إلى ربّ العمل اللبناني ثم إلى المستهلك اللبناني. وكل ذلك من دون أن نكون قد نظّمنا سوق العمل أو حللنا مشكلة البلديات.
حتى منطق الرسم نفسه غير واضح. إذا كانت المشكلة هي النفايات، لماذا لا يُفرض رسم مرتبط بالمسكن أو بكمية الخدمة وعلى كل من يستخدمها؟ وإذا كانت المشكلة في الصرف الصحي والطرق والإنارة، لماذا لا تكون المساهمة مرتبطة بالوحدة السكنية أو المؤسّسة؟ وإذا كانت المشكلة هي المنافسة في سوق العمل، فما علاقة طفل سوري دون الثامنة عشرة بها حتى يدفع 5.5 ملايين ليرة؟وهذا تحديداً أحد الاعتراضات التي سجّلتها الإدارات الرسمية. هيئة التشريع والاستشارات لفتت إلى أن الرسم يُفترض أن يرتبط بخدمة أو منفعة محدّدة، فيما لا يحدّد الاقتراح الخدمة التي تُدفع في مقابلها هذه المبالغ. وهذه النقطة مُستغربة جداً، فالنائب يفترض أن يفرّق بين الرسم والضريبة، وهذا ربما ما لم يلحظه عطية. كما أنّ وزارة المالية أثارت أيضاً ضرورة تحديد طبيعة الرسم والخدمات المقابلة له وآلية احتسابه واستيفائه.
طبعاً، لا يُفترض أن تتحمّل البلديات مجاناً كلفة وجود أعداد كبيرة من السكان ضمن نطاقها. هذه مشكلة فعلية. لكن حلها يمكن أن يكون برسوم خدمات تُطبّق على الجميع بحسب الاستفادة. وفي سوق العمل، يكون الحل بتنظيم العمالة السورية التي يحتاج إليها الاقتصاد، لا بتركها تعمل في الظل ثم اختراع رسم جديد عليها.
المفارقة أن الدولة تملك أمامها أساساً باباً للجباية والتنظيم اسمه إجازة العمل، لكنها لم تنجح إلّا في إدخال جزء ضئيل جداً من قوة العمل السورية إليه. فبدلاً من معالجة هذا الفشل، يأتي أحد النواب، الذين من المُفترض أن يقدّموا اقتراحات قوانين مدروسة وفعّالة، «بأول فكرة خطرت في باله»: ليَدفع السوري لأنه سوري. المشكلة إذاً ليست أن السوري يدفع أو لا يدفع، فهذا نقاش طويل. المشكلة من يتحمّل الكلفة في النهاية؟ لأن رسماً يبدو على الورق موجهاً إلى السوري قد ينتهي، بعد دورة واحدة في الاقتصاد، جزء إضافي من فاتورة اللبناني نفسه، والذي لا ينقصه أي زيادة. والأسوأ في الأمر، أنّ تحليلاً بسيطاً لأبعاد هذا الرسم، يفضي إلى اكتشاف هذه النتيجة، إلا أنّه يبدو لم يكلّف مقترحه نفسه قليلاً بذلك.
والجدير بالذكر، أنّ عدم موافقة مجلس الوزراء على الاقتراح لا يعني سقوطه، إذ إن رأي الحكومة فيه غير مُلزِم لمجلس النواب. ويبقى الاقتراح قابلاً لاستكمال مساره في اللجان النيابية المختصّة وصولاً إلى الهيئة العامة للتصويت عليه. وهكذا يبقى مصير هذا الاقتراح، بيد اللجان المختصة… فلنرَ هل الجميع يفكرون بالطريقة نفسها؟



