عودة قروض الإسكان الميسّرة

بعد سنوات من الشلل الذي فرضته الأزمة المالية والمصرفية غير المسبوقة في لبنان، بدأ قطاع التمويل السكني في البلاد يستعيد زخمه تدريجيًا. ويتصدر مصرف الإسكان هذه المرحلة من التعافي، بعدما استأنف منح القروض في مطلع عام 2025 عقب تأمين مصادر جديدة للتمويل طويل الأجل. وقد أعادت عودة القروض السكنية الأمل إلى آلاف العائلات اللبنانية الساعية إلى تملّك منزل بأسعار ميسّرة، في وقت لا تزال فيه أسعار العقارات المرتفعة، وتزايد تكاليف المعيشة، وصعوبة الحصول على التمويل التجاري، تجعل شراء منزل أكثر صعوبة من أي وقت مضى.
في هذا السياق، تواصلت The Beiruter مع رئيس مجلس الإدارة والمدير العام لمصرف الإسكان، أنطوان حبيب، لفهم آليات التمويل التي مكّنت المصرف من استئناف الإقراض، والأولويات التي تستند إليها برامجه التمويلية، وشروط الاستفادة من القروض، والرؤية طويلة الأمد الرامية إلى إرساء نموذج مستدام للتمويل السكني قادر على خدمة الأجيال المقبلة.
إعادة بناء التمويل السكني عبر التمويل طويل الأجل
بحسب حبيب، فإن استئناف منح القروض السكنية جاء ثمرة جهد شامل لإعادة تفعيل دور مصرف الإسكان بعد سنوات من الاضطرابات الاقتصادية. ولم يقتصر الأمر على استئناف العمليات السابقة، بل ركّز المصرف على تأمين تمويل طويل الأجل يتلاءم مع طبيعة القروض السكنية التي تتطلب مصادر تمويل مستقرة تمتد على فترات سداد طويلة. “لم يكن استئناف منح القروض السكنية مجرد عودة إلى العمليات السابقة، بل كان إعادة بناء لمنظومة تمويل سكني مستدامة بعد سنوات من الأزمة المالية.”
ويرتكز هذا التعافي على تسهيل تمويلي بقيمة 50 مليون دينار كويتي قدّمه الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي. ومنذ استئناف الإقراض في بداية عام 2025، أتاح هذا التمويل لمصرف الإسكان تقديم قروض سكنية تستهدف بشكل رئيسي أصحاب الدخل المحدود والمتوسط، مستفيدًا منها أكثر من 1،200 عائلة لبنانية.
وأشار حبيب إلى أنه تم حتى الآن استخدام نحو 80 مليون دولار من إجمالي الحزمة التمويلية، التي تُقدَّر قيمتها الإجمالية بحوالي 165 مليون دولار. إلا أنه شدّد على أن استراتيجية المصرف طويلة الأمد لا تعتمد على مصدر تمويل واحد، بل تقوم على تنويع مصادر التمويل من خلال شراكات مع صناديق التنمية العربية، والمؤسسات المالية الدولية، والوكالات الإنمائية القادرة على توفير تمويل ميسّر وطويل الأجل. وأضاف: “يتطلب التمويل السكني مصادر تمويل مستقرة وطويلة الأجل، ولا يمكن أن يعتمد على مصادر تمويل قصيرة الأجل.”
ويظل خفض كلفة الاقتراض أيضًا هدفًا رئيسيًا للمصرف. وأوضح حبيب أن خفض الفائدة على القروض المموّلة من الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي من 6% إلى 5،75% يعكس جهود المصرف لتخفيف الأعباء المالية عن المقترضين، مع توسيع إمكانية الوصول إلى التمويل السكني الميسّر.
تلبية الطلب المتزايد مع الحفاظ على الاستدامة المالية
شهد الطلب على القروض السكنية ارتفاعًا ملحوظًا نتيجة زيادة أسعار العقارات، وارتفاع تكاليف البناء، وتصاعد بدلات الإيجار، وتراجع القدرة الشرائية. وأوضح حبيب أن العديد من العائلات اللبنانية تمتلك دخلاً ثابتًا، لكنها تفتقر إلى القدرة المالية التي تمكّنها من شراء منزل من دون الاستفادة من تمويل طويل الأجل وبأسعار ميسّرة.
ولتلبية هذه الحاجة، يمنح مصرف الإسكان الأولوية للأسر من ذوي الدخل المحدود والمتوسط، وكذلك للأشخاص ذوي الإعاقة، باعتبارهم من الفئات التي تواجه أكبر الصعوبات في الحصول على القروض التجارية التقليدية.
ولا تقتصر أنشطة المصرف على تمويل شراء أو بناء المساكن. فبحسب البرامج التمويلية المتاحة، أوضح حبيب أن بإمكان المقترضين أيضًا الحصول على قروض لترميم المنازل، وإجراء أعمال التأهيل والتحسين، وتركيب أنظمة الطاقة الشمسية، وإنشاء محطات معالجة مياه الصرف الصحي. ولا تساهم هذه المبادرات في تحسين ظروف السكن فحسب، بل تساعد الأسر أيضًا على خفض نفقات الطاقة والخدمات على المدى الطويل.
وأكد حبيب أن المصرف لا يقيس نجاحه بمجرد حجم طلبات القروض المقدمة، بل بقدرته على تحويل هذا الطلب إلى عمليات إقراض مستدامة ماليًا. لذلك، تبقى الدراسة الدقيقة لقدرة المقترضين على السداد عنصرًا أساسيًا لضمان أن تسهم القروض في تحسين مستوى المعيشة من دون أن تتحول إلى عبء مالي مفرط.
ولهذا السبب، شدّد حبيب على أن: “تُمنح الأولوية بشكل دائم للمتقدمين الراغبين في شراء مسكنهم الأساسي، وليس لتمويل الاستثمارات العقارية ذات الطابع المضاربي.” وهو ما يعكس الرسالة الاجتماعية لمصرف الإسكان في تعزيز الاستقرار السكني.
معايير الاستفادة من القروض والبرامج التمويلية المتاحة
أوضح حبيب أن مصرف الإسكان يسعى إلى تحقيق توازن بين رسالته الاجتماعية والإدارة الائتمانية الرشيدة. لذلك، يتم تحديد أهلية الحصول على القروض من خلال تقييم شامل للوضع المالي لمقدم الطلب، إلى جانب الغاية المقصودة من التمويل. فقال أنّ “القرض الناجح هو الذي يمكّن المواطن من تملّك منزل من دون أن تفرض عليه الأقساط الشهرية أعباءً تفوق قدرته المالية.”
وتستند معايير الأهلية بصورة عامة إلى الجنسية، ووضع الإقامة، ومستوى الدخل، وملكية العقارات، والغرض من التمويل (سواء لشراء منزل أو بنائه أو ترميمه)، إضافة إلى الوضع الائتماني العام لمقدم الطلب. ومن المهم الإشارة إلى أن هذه البرامج متاحة لكل من اللبنانيين المقيمين وأبناء الجالية اللبنانية في الخارج.
كما يقيّم المصرف قدرة المقترض على السداد، وقيمة العقار، ونسبة القرض إلى قيمة العقار، ومتطلبات الضمانات، والتغطية التأمينية، وغيرها من المؤشرات المالية، بما يضمن استدامة عمليات الإقراض على المدى الطويل.
وتشمل البرامج التمويلية الحالية قروضًا لشراء المساكن أو بنائها بقيمة تصل إلى 100 ألف دولار أميركي، مع فترات سداد تصل إلى 20 عامًا لشراء المساكن و18 عامًا لمشاريع البناء. كما تتوافر قروض لترميم المنازل بقيمة تصل إلى 50 ألف دولار أميركي، مع فترة سداد تمتد إلى 10 سنوات. وتبلغ الفائدة الحالية على هذه القروض 5،7%، وهي فائدة ثابتة خلال السنة الأولى، قبل أن تخضع للتعديلات اللاحقة.
وتشمل قروض البناء والترميم أيضًا تمويل الاستثمارات الصديقة للبيئة، بما في ذلك أنظمة الطاقة الشمسية ومحطات معالجة مياه الصرف الصحي.
وإدراكًا منه بأن العديد من اللبنانيين يتقاضون رواتبهم بالليرة اللبنانية، أطلق مصرف الإسكان أيضًا قروضًا لترميم المنازل بالعملة الوطنية، تصل قيمتها إلى ملياري ليرة لبنانية، مع فترة سداد تمتد إلى 10 سنوات، وبفائدة سنوية تبلغ 7%. وأضاف: “نسعى إلى توفير تمويل يبقى في متناول المواطنين، مع الحفاظ في الوقت نفسه على المتانة المالية لمصرف الإسكان.”
رؤية طويلة الأمد لقطاع الإسكان في لبنان
يرى حبيب أن على لبنان الانتقال من الحلول التمويلية المؤقتة إلى بناء منظومة شاملة ومستدامة للتمويل السكني، تكون قادرة على دعم التعافي الاقتصادي على المدى الطويل.
وترتكز استراتيجية مصرف الإسكان على عدة محاور رئيسية.
أولها مواصلة تنويع مصادر التمويل من خلال التعاون مع المؤسسات التنموية العربية والدولية، إذ يبقى تأمين التمويل المستقر وطويل الأجل شرطًا أساسيًا لاستمرار تقديم القروض الميسّرة.
أما المحور الثاني، فيتمثل في توسيع مجموعة المنتجات التمويلية التي يقدمها المصرف لتلبية الاحتياجات المتغيرة، بحيث لا تقتصر على شراء المساكن، بل تشمل أيضًا تمويل البناء والترميم.
ويتمثّل المحور الثالث في تطوير نماذج سكنية مبتكرة تهدف إلى خفض كلفة تملّك المنازل. ومن بين المشاريع التي يدرسها المصرف حاليًا إطلاق برامج الإيجار المنتهي بالتملّك، إلى جانب مبادرات للإسكان الميسّر تستهدف أصحاب الدخل المحدود والمتوسط.
كما يشكّل التحول الرقمي عنصرًا أساسيًا في استراتيجية تحديث المصرف. وأوضح حبيب أن العمل جارٍ على تبسيط إجراءات تقديم طلبات القروض وإدارة الملفات عبر منصات إلكترونية، بما يتيح للمتقدمين الاطلاع على شروط الاستفادة وتقديم طلباتهم إلكترونيًا بسهولة.
وفي نهاية المطاف، شدّد حبيب على أن معالجة أزمة الإسكان في لبنان تتطلب تعاونًا منسقًا بين مصرف الإسكان، والحكومة اللبنانية، ومصرف لبنان، والمؤسسات المالية الدولية، والقطاع الخاص، والمطورين العقاريين. فبينما يشكل مصرف الإسكان المحرك الأساسي للتمويل السكني، فإن التوصل إلى حلول مستدامة يبقى رهناً بتعاون مؤسساتي أوسع. فقال “يمكن لمصرف الإسكان أن يكون المحرك الرئيسي للتمويل السكني، لكنه لا يستطيع بمفرده حل أزمة الإسكان في لبنان”.
دور مصرف الإسكان في لبنان
تأسس مصرف الإسكان عام 1977 كشركة مساهمة لبنانية، ويعمل كمؤسسة مختلطة تجمع بين القطاعين العام والخاص، إذ يمتلك المساهمون من القطاع الخاص 80% من رأسماله المدفوع (بما في ذلك المصارف التجارية، وشركات التأمين، والمستثمرون الأفراد)، فيما تمتلك الدولة اللبنانية 20% منه. ويبلغ رأس المال المدفوع للمصرف اليوم 150 مليار ليرة لبنانية.
ويُعد المصرف عضوًا في جمعية مصارف لبنان، ويعمل وفق أحكام اتفاقية العمل الجماعية. ومنذ تأسيسه، انصبّ نشاطه الأساسي على توفير قروض سكنية طويلة الأجل بالليرة اللبنانية لمساعدة ذوي الدخل المحدود على شراء المساكن أو بنائها أو ترميمها، إلى جانب تمويل التعاونيات السكنية.
إلى جانب أنشطته الإقراضية، يتولى مصرف الإسكان إدارة الأموال العامة والخاصة المخصصة لبرامج التمويل السكني، كما يدير محفظة شهادات الإيداع المرتبطة بتشغيل العمال غير اللبنانيين، وذلك وفقًا لأحكام التشريعات اللبنانية.
لا يقتصر دور المصرف على الجانب المالي فحسب، بل ينظر إلى التمويل السكني باعتباره مسؤولية اجتماعية. وتتمثل رسالته في دعم قطاعي الإسكان والعقارات، والمساهمة في التنمية الاقتصادية الوطنية، وتعزيز استقرار المجتمعات، ومساعدة المواطنين اللبنانيين على بناء مستقبل أكثر استقرارًا من خلال تملّك مساكن بأسعار ميسّرة وبصورة مستدامة.
وعليه، فإن عودة مصرف الإسكان إلى منح القروض تمثل محطة مهمة في مسار التعافي الاقتصادي التدريجي في لبنان. ورغم استمرار التحديات الكبيرة، فإن الاستراتيجية التي يعتمدها المصرف تعكس التزامًا أوسع بجعل تملّك المنازل أكثر سهولة أمام اللبنانيين، مع الحفاظ في الوقت ذاته على الاستدامة المالية اللازمة لضمان استمرار خدمة الأجيال المقبلة من العائلات اللبنانية.



