بعد سنوات من الانتظار… أول خط بحري من جونية يتعثر عند بوابة “شنغن”

ما كاد مرفأ جونية يستعيد موقعه على خريطة النقل البحري بعد سنوات من الغياب، حتى واجه أولى عقباته. فالمشروع الذي عُلّقت عليه آمال بإعادة وصل لبنان بحرا مع محيطه وتنشيط الحركة السياحية، تعثرت انطلاقته منذ الرحلة الأولى، بعدما أعلن تأجيل رحلة Cedar Waves إلى لارنكا. ومنذ ذلك الحين، برزت تساؤلات عن حقيقة ما جرى: هل المشكلة في جهوزية المرفأ، أو في استكمال الموافقات والإجراءات المطلوبة لتشغيل الخط البحري؟
وكان مشروع الرحلات البحرية لشركة Cedar Waves، المشغلة لأول خط عبارات منتظم للركاب، يقضي بربط لبنان بثلاث وجهات بحرية إقليمية هي لارنكا في قبرص، ومرسين في تركيا، واللاذقية في سوريا. وكان من المقرر أن تنطلق أولى الرحلات في 19 حزيران الماضي لتشكل خيارا أقل كلفة من السفر الجوي، وتسهم في استقطاب جزء من السياح الوافدين إلى قبرص لزيارة لبنان. إلا أن الرحلة الأولى إلى قبرص أرجئت في اللحظات الأخيرة.
وبحسب الشركة والجهات المعنية، فإن مرفأ جونية بات جاهزا من الناحية الفنية والتشغيلية، فيما يعود سبب التأجيل إلى إجراءات اعتمدتها السلطات القبرصية في إطار استعدادها لاستكمال متطلبات الانضمام إلى منطقة “شنغن”، ما أرجأ إطلاق الخط البحري بين جونية ولارنكا إلى حين استكمال المتطلبات التنظيمية. وبينما يؤكد القائمون على المشروع اكتمال تجهيزات المرفأ، تشير الشركة إلى استمرار تشغيل الخطين البحريين إلى سوريا وتركيا وفق البرنامج المقرر، في حين يبقى خط جونية – لارنكا رهنا باستكمال الإجراءات التنظيمية والأمنية لدى الجانب القبرصي.
المرفأ جاهز؟
بحسب مصادر مقربة من النائب نعمة افرام، استكمل مرفأ جونية جميع التجهيزات الفنية والتشغيلية اللازمة لاستقبال الرحلات البحرية، بعد إعادة تأهيله بتمويل من جمعية إفرام، فيما تولت بلدية جونية تجهيز قاعة المسافرين والمرافق والخدمات، في حين بقيت الإدارة الأمنية والإدارية للمرفأ من مسؤولية السلطات اللبنانية المختصة.
وتوضح المصادر أن المبادرة التي قادها إفرام هدفت إلى إعادة تشغيل مرفق عام كان متوقفا منذ سنوات، من خلال توفير التمويل اللازم وتأهيل البنية التحتية، إضافة إلى المساهمة في إيجاد شركة تتولى تشغيل الخط البحري، من دون أن يكون معنيا بإدارة الرحلات أو الاستثمار فيها، إذ تبقى هذه المسؤولية من اختصاص الشركة المشغلة والجهات الرسمية.
وتؤكد أن ما أثير عن عدم جهوزية المرفأ “لا يعكس الواقع”، مشيرة إلى أن “الشركة مستمرة في تشغيل الرحلات إلى اللاذقية وتركيا، مع وجود حجوز قائمة، فيما يجري العمل على إضافة وجهات جديدة في البحر المتوسط”.
لماذا تأجل خط جونية – لارنكا؟
شركة Cedar Waves أوضحت من جهتها أنها استكملت جميع التراخيص والشهادات والإجراءات التشغيلية الواقعة ضمن مسؤوليتها، مشيرة إلى أن “السلطات القبرصية اعتمدت أخيرا متطلبات إضافية تتعلق بنقل الركاب بحرا، في إطار مواءمة أنظمة إدارة الحدود لديها مع متطلبات الانضمام إلى منطقة شنغن”.
وأضافت أن “قرار التأجيل جاء حرصا على استكمال هذه المتطلبات بالتنسيق مع الجهات الرسمية، بما يضمن الامتثال الكامل للإجراءات التنظيمية قبل إطلاق الرحلات”.
من جهته، نفى رئيس “مجموعة أبو مرعي غروب” المالكة للباخرة Cedar Waves مرعي أبو مرعي، وجود أي خلل في الباخرة أو في مرفأ جونية، مؤكدا أن “المشكلة ليست في الباخرة إطلاقا”، وأنها كانت تواصل رحلاتها بصورة طبيعية، فيما تعذر الحصول على موافقة خطية من الجانب القبرصي.
وقال لـ”النهار” إن اتصالاته بالمسؤولين القبارصة، وآخرها بوزير الخارجية، أظهرت أن سبب التأجيل يرتبط بملف انضمام قبرص إلى منطقة “شنغن”. وبحسب ما نقل إليه المسؤولون، فإن السلطات القبرصية تخشى أن يؤدي افتتاح خط بحري منتظم مع لبنان في هذه المرحلة إلى إثارة تحفظات لدى بعض الدول الأوروبية التي لا تزال تدرس طلب انضمامها، باعتبار أن الخط البحري قد يُنظر إليه على أنه منفذ جديد لدخول الركاب إلى الاتحاد الأوروبي.
وأضاف أن قبرص طلبت من الشركة التريث إلى حين انتهاء المحادثات الأوروبية، موضحا أن الجانب القبرصي أبلغهم بهذا الموقف شفويا من دون إصدار قرار رسمي مكتوب، وهو ما حال دون إطلاق الرحلات في موعدها.
الرحلات إلى تركيا وسوريا مستمرة
في المقابل، أكد أبو مرعي أن الخطين البحريين إلى اللاذقية وتركيا يسيران وفق البرنامج المقرر، نافيا ما تردد عن وجود مشاكل تشغيلية في الجانب التركي.
وأوضح أن الشركة تعتمد ميناء تاشوكو التابع إداريا لولاية مرسين، لأنه الأقرب إلى المناطق السياحية، نافيا صحة المعلومات التي تحدثت عن تغيير غير معلن للوجهة أو عن إنزال الركاب في مرفأ مختلف.
وكشف أنه تقدم بطلب إلى وزارة الأشغال العامة والنقل للحصول على استثناء يسمح للباخرة المسجلة تحت العلم الإيطالي، بتسيير رحلات سياحية داخلية بين جونية و”زيتونة باي” والبترون، موضحا أن القانون اللبناني يمنع السفن الأجنبية من نقل الركاب على الخطوط الداخلية إلا بقرار استثنائي.
وبذلك، يبدو أن تعثر انطلاقة خط جونية – لارنكا لا يرتبط، وفق المعطيات المتوافرة، بجهوزية المرفأ أو بالباخرة نفسها، بل بإجراءات تنظيمية متصلة بالجانب القبرصي. وفي انتظار استكمال هذه المتطلبات، يبقى المشروع قائما، فيما تتواصل جهود الشركة لإطلاق الخط البحري الذي يعول عليه في إعادة وصل لبنان بمحيطه عبر النقل البحري المنتظم.



