حرب إيران تضغط على النمو العالمي وتفاقم مخاوف التضخم

يظهر الاقتصاد العالمي مؤشرات متزايدة على تباطؤ الزخم الاقتصادي وتصاعد الضغوط التضخمية، مع دخول أزمة الطاقة الناجمة عن حرب إيران شهرها الثالث.
وكشفت استطلاعات مديري المشتريات من أستراليا إلى أوروبا عن تفاقم الضغوط التي تواجهها شركات التصنيع والخدمات خلال مايو. وعلى وجه الخصوص، تباطأ نشاط المصانع وفق مؤشرات “إس آند بي غلوبال” (S&P Global)، أو انكمش في معظم القراءات الصادرة صباح الخميس، باستثناء المملكة المتحدة.
وأظهرت النتائج استمرار تأثير موجة بناء المخزونات، كما أبرزت كيف تدفع القفزات في التكاليف الشركات إلى امتصاص الأعباء أو تحميل جزء منها للعملاء.
الركود التضخمي يطرق أبواب أوروبا
كما كان الحال في أبريل، جاءت الضربة الأقسى في منطقة اليورو، إذ شكّل الهبوط الحاد في المؤشرات الفرنسية أكبر مفاجأة للأسواق. كما أن قطاع التصنيع في فرنسا وفي ألمانيا- أكبر اقتصاد أوروبي- انزلق حديثاً إلى مرحلة انكماش النشاط.
تضيف هذه البيانات مزيداً من الأدلة على أن صدمات النمو والتضخم الناتجة عن أزمة الشرق الأوسط بدأت تمتد عبر الاقتصاد العالمي، ما يزيد تعقيد مهمة البنوك المركزية. ومع تنامي خطر ترسّخ الضغوط السعرية، قد تضطر هذه البنوك إلى رفع تكاليف الاقتراض حتى لو جاء ذلك على حساب اقتصاد يعاني تباطؤاً متزايداً.
خلال الأسبوع الماضي، سيطرت المخاوف المرتبطة بالتضخم واحتمالات رفع أسعار الفائدة على معنويات المستثمرين، فيما دفعت التداعيات المالية لهذه التوقعات إلى موجة بيع واسعة في السندات الحكومية، رفعت العوائد طويلة الأجل إلى أعلى مستوياتها منذ أكثر من عقدين.
لكن الخطر الكامن وراء ارتفاع تكاليف الاقتراض التي تفرضها البنوك المركزية يتمثل في احتمال أن يتوقف النمو في بعض الاقتصادات تماماً، أو يتحول إلى انكماش فعلي.
وقالت ميلاني بيكر، الاقتصادية لدى “رويال لندن أسيت مانجمنت” (Royal London Asset Management)، في مقابلة مع تلفزيون “بلومبرغ”: “هناك احتمال كبير، في ظل ضعف النمو في أوروبا، أن نشهد ما يشبه الركود التقني”، مضيفة: “بدأت ملامح الركود التضخمي تلوح في الوقت الراهن”.
الهند واليابان أكثر صموداً
من بين نتائج الاستطلاعات الصادرة الخميس، بدت الهند واليابان الأكثر صموداً. ففي كلا البلدين، واصل قطاع التصنيع تسجيل نمو قوي نسبياً، وإن بوتيرة أبطأ. كما ساهمت جهود تكوين المخزونات في دعم الشركات اليابانية، رغم تصاعد الضغوط الناتجة عن ارتفاع تكاليف الطاقة.
وقالت أنابيل فيدس، الاقتصادية لدى “إس آند بي غلوبال” (S&P Global)، في تعليق مرفق: “تعكس بيانات الأسعار صورة مقلقة بشكل متزايد”، مضيفة “إذا استمرت ضغوط التكاليف في التصاعد بالتزامن مع ضعف الطلب، قد تواجه ثقة الشركات والاقتصاد الأوسع ضغوطاً أكبر”.
في المقابل، أظهرت أستراليا مؤشرات ضعف أكثر وضوحاً، بعدما تراجع مؤشر التصنيع إلى مستويات تكاد تبيّن توقف النمو، فيما انكمش قطاع الخدمات بصورة مفاجئة. كما هبط مؤشر ثقة الشركات إلى أدنى مستوى قياسي سُجل آخر مرة خلال ذروة الجائحة، لكن هذه المرة بسبب تصاعد المخاوف التضخمية.
في أوروبا، ولا سيما فرنسا، بدأت تداعيات التباطؤ الاقتصادي تتجلى بوضوح أكبر. إذ انكمش نشاط الأعمال في منطقة اليورو بأسرع وتيرة منذ عامين ونصف، فيما اقتصر الدعم الوحيد للنشاط على استمرار عمليات تكوين المخزونات في قطاع التصنيع.
ورغم ذلك، أظهر الاقتصاد الأوروبي الأوسع قدراً من الصمود، متحدياً الانكماش الذي ضرب المصانع في أكبر اقتصادين بالمنطقة.
ارتفاع الأسعار يعقّد قرارات الفائدة في أوروبا
لكن مع استمرار مؤشرات التضخم في الارتفاع، قد تعزز هذه البيانات مخاوف البنك المركزي الأوروبي من الحاجة إلى رفع أسعار الفائدة لمنع ترسّخ ارتفاع تكاليف المعيشة، حتى لو جاء ذلك على حساب النمو الاقتصادي.
وقبل يوم من صدور البيانات، قال محافظ البنك المركزي البلجيكي بيير وونش في مقابلة مع تلفزيون “بلومبرغ” إن رفع الفائدة في 11 يونيو يبدو “مرجحاً”، ما لم تنتهِ الحرب قريباً.
وقال كريس ويليامسون، كبير الاقتصاديين لدى “إس آند بي غلوبال ماركت إنتليجنس” (S&P Global Market Intelligence)، في بيان الخميس: “يوحي ارتفاع مؤشرات الأسعار في الاستطلاع بأن التضخم قد يقترب من 4% خلال الأشهر المقبلة”.
وأضاف أن هذا التطور، “إلى جانب المؤشرات المتزايدة على انزلاق المنطقة نحو تباطؤ اقتصادي، يضع صانعي السياسات أمام معضلة تزداد تعقيداً”.
مسار الاقتصاد العالمي مرهون بمدة الحرب
رغم استمرار قطاع التصنيع في تسجيل نمو، فإن هذا الزخم قد يبدأ بالتلاشي، كما هو الحال في مجالات أخرى، بمجرد انتهاء العملاء من تكوين مخزوناتهم تحسباً لارتفاع الأسعار.
وفي ما يتعلق بأوروبا، قالت ميلاني بيكر من “رويال لندن أسيت مانجمنت” (Royal London Asset Management) كل شيء مرهون بمدة استمرار الحرب مع إيران، إلى جانب بقاء مضيق هرمز مغلقاً باعتباره محور الأزمة.
قد يهمك: مرصد هرمز | ملاحة محدودة تحت ضغط التهديدات الإيرانية وتلويح أميركي بالتصعيد
وأضافت “من أكثر الأمور التي تقلقنا هي المدة التي قد تستمر خلالها هذه الأزمة في الشرق الأوسط”، متسائلة “هل سنصل إلى مرحلة نواجه فيها نقصاً في الإمدادات عبر عدة قطاعات، بما ينعكس في النهاية في ضربة قوية للطلب؟”
ومن المنتظر صدور المؤشرات الأميركية لاحقاً الخميس، وسط توقعات بتراجع مؤشر التصنيع وارتفاع طفيف في مؤشر الخدمات، وهو ما قد يشير إلى أن الاقتصاد الأميركي لا يزال قادراً على الصمود أمام العاصفة العالمية، ولو مؤقتاً.


