أخبار لبنانتقارير وإحصاءات

كتاب نهوض لبنان (5): تحسين شروط الانتاجية

في ظل الضياع الذي يسود البلاد جراء الاختلاف على خطة الانقاذ المالي، والانتقادات التي وجهت اليها من قبل الكثير من القوى السياسية والجهات الاقتصادية لتضمنها الكثير من الاجراءات والافكار التي تتعارض مع الدستور وتضرب النظام الاقتصادي الحر، فضلاً عن عدم تضمنها برنامجاً واضحاً للنهوض بالاقتصاد الوطني،
تبرز الحاجة الملحة الى الكتاب الذي عمل على وضعه واعداده رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي السابق روجيه نسناس، حين كان لا يزال يشغل هذا المنصب في العام 2016، تحت عنوان: نهوض لبنان، نحو دولة الانماء، لكونه يقدم حلولاً عملية وعلمية لمشكلات لبنان الاقتصادية ولكونه يقدم سلسلة متكاملة من الاقتراحات والسياسات والتدابير التي تسمح بإعادة وضع الاقتصاد الوطني في مسار التعافي والنهوض وحماية قوته البشرية.
إنطلاقاً من هذه الاعتبارات فإن موقع leb economy files سيقوم بنشر محاور الكتاب التي يتضمنها بشكل متلاحق،

في حلقة اليوم (5) ننشر الفصل الخامس تحت عنوان “تحسين شروط الانتاجية”

———————————

ينبثق مفهوم الانتاجية من جذور التنمية في البلدان الناشئة، ويؤدي عادة الى زيادة الطلب على العمل، ويؤثر مباشرة على مستوى المعيشة. لا يختلف الوضع في البلدان المتقدمة، ولكن يحقق فيها الوعي اكثر انصافاً في توزيع المداخيل. وتعود انتاجية الموارد البشرية الى ثقافتهم وتدريبهم وخبرتهم ، وعدد الساعات التي يخصصونها لعملهم، وحسن الادارة التي تحيط بهم، ناهيك عن دوافعهم الاجتماعية وسلوكهم المهني. وتزداد طاقات الموارد البشرية بالانتاج بقدر ما تجيد استخدام الوسائل الفنية والمعلوماتية المتطورة. وترتفع انتاجية المؤسسة بقدر ما تستخدم كفاءات عالية ومعدات متطورة وتطبق تنظيما فعالا. ولكن يصعب الربط بين انتاجية المؤسسة والمستوى العام لانتاجية البلاد؛ كما نرى انه ليس بالشيء السهل معرفة الاسباب التفصيلية لتحسن او تراجع الانتاجية الشاملة. هل تأتي الطاقة الانتاجية لبلد ما من مجموع الطاقات الانتاجية المتوفرة لدى المؤسسات والافراد؟ يذكر مايكل بورتر في كتابه “هل لايزال اليابان قادرا على المنافسة؟” ان بعض المناطق الريفية في اليابان لاتزال تفتقر الى التيار الكهربائي؛ ويولد عامل الطاقة التي يحتاجها لتحريك الآلة، بالقدمين، بفضل جهاز مشابه لدواسات دراجة. لا شك ان انتاجية هذا العامل متدنية جدا ومن الصعب ان تسمح له المنافسة في السوق الحرة؛ ولكن يوفر الانتاج الذي يقوم به هذا العامل جزءا من المساعدة التي تضطر الدولة الى انفاقها لو كان هذا الاخير عاطلا عن العمل. تشكل هذه الحالة وجها من اوجه الانتاجية التي تحققها البلاد، وتشير الى كيفية تأمين مستوى الرفاهية التي يتوق اليها مجتمع باقل كلفة ممكنة.
يوجد في لبنان، وفي العديد من دول العالم، شركات تعرف نجاحا باهرا ومؤسسات زراعية وصناعية، خاصة في الاطراف، لاتزال تعمل بانتاجية متدنية جدا وتنهار الواحدة تلوى الاخرى اذا لم تعيرها الدولة اهتماما خاصا، حارمة الناتج المحلي من مساهمتها، وقد تنمي خزان البطالة وتسرع الهجرة. هذه هي احدى نقاط ضعف اقتصاد السوق. لذلك تدعم الدول المتقدمة مستوى المعيشة للفئات ذات الدخل المتواضع، بسياسة اجتماعية تؤمن الطب المجاني للجميع والتعليم الرسمي على عاتق الدولة وتعوض عن البطالة، وتقوم ببرامج تدريب لتكييف خبرات وكفاءات العاطلين عن العمل مع الفرص المتوفرة. وتتجاهل بعض الدول، وخاصة النامية من بينها، موجباتها الاجتماعية معتبرة انها تفوق طاقتها الاقتصادية. يؤدي ذلك الى خسارة الموارد البشرية وهدر المبالغ التي ضحت بها البلاد من اجل تربيتهم وتـدريبهم، وتزداد نسبة الفقر والتهميش في المجتمع، وتتسع الشريحة المنفتحة للافكار الهدامة كلما اتسعت الهوة بين الميسورين والمحرومين. وهكذا تتفاعل الانتاجية مع ثُلاثية، اقتصادية اجتماعية وامنية، لا داعي لتحليلها هنا، الا اننا نود تسليط الضوء على الرابط بينها.

1 – الانتاجية في خلق وتوزيع الثروات
حاول بعض االباحثين جعل الاقتصاد علما دقيقا كالفيزياء، واستعملوا الادوات الرياضية بشكل مفرط، وحققوا تقدما بارزا في مجالات محددة؛ لكنه يبقى من المستحيل صياغة الواقع الاقتصادي في حدود ضيقة وتصور المستقبل من خلال نموزج رياضي. لا يزال الاقتصاد، وسوف يبقى، جزءا لا يتجزأ من علم الانسان والمجتمع. ويؤمن العالم اليوم بشبه اجماع باقتصاد السوق، بعد ان مارست الاكثرية الاقتصاد الموجه الذي يفترض منه ضمان المساواة بين كافة المواطنين بفضل الانظمة الاشتراكية. ولكن اضمحلت فيها الانتاجية، واتسعت الفجوة بين مستوى معيشة المواطنين فيها وهؤلاء في دول الاقتصاد الحر، ولن تؤمن المساواة في الداخل، وانهارت بسبب فشلها الاقتصادي. وبعد تدمير الستار الحديدي، اتخذ الاقتصاد الحر مسارا جديدا. وجعل ابتعاد شبح الخطر الشيوعي اكثرية الدول تتراجع عن سياسات الانتاج لصالح اقتصاد الريع دون الاكتراث بما ينتج عن ذلك من بطالة بحكم العرض المتزايد. فاتسعت الهوة بين دخل الطبقة الميسورة والطبقة العاملة، وبين الدول المتقدمة والدول النامية.
نشر صندوق النقد الدولي دراسة منذ قليل مفادها أن “توسع رقعة عدم المساواة، هي سمة من سمات اقتصاداتنا في العقدين الاخيرين، وباتت عقبة في سبيل نمو اكثر ديناميكية، لانها ادت الى اقل عدالة وتوازن في المداخيل “. ولكن ما هو معيار العدالة في التوزيع، اذا سلمنا جدلا ان السوق لا يحقق العدالة، وان المنافسة الفضلى لا تتحقق تلقائيا في الاسواق؟ يسهل التصور ان العدد المتزايد للعاطلين عن العمل و/او المهاجرين لاسباب اقتصادية، ينعكس سلبا على اجمالي الناتج المحلي ويؤدي الى تباطؤ النمو. فاذ بنا امام معادلة مزدوجة: -يتراجع النمو عندما تتقلص مروحة المداخيل كثيرا، ولم يعد المرء يستفيد من نشاطه وراسماله، كما كان الحال في الدول الشيوعية؛ -كما يتراجع النمو عندما تتسع الفجوة بين المداخيل، وفقا لاستنتاجات الدراسة المذكورة آنفا، والعديد من التقارير والدراسات المشابهة. لذلك نرى من المنطق ان نتكلم عن “فعالية التوزيع” بدلا من “عدالة التوزيع”، والتعريف عنها كطريقة توزيع المداخيل التي تؤمن اعلى نسبة من النمو. وتتحقق العدالة عبر النظام الذي يعطي لاصحاب الدخل المحدود الدخل المطلق الاعلى. وهكذا تكون “فعالية التوزيع” احدى عناصر “الانتاجية” .
11- اجمالي الناتج المحلي وتطور النمو
كان علينا ان نستعين بفرضية “نسبة التوزيع الاكثر فعالية” وتحديد مضمونها، وتأثيرها على الانتاجية، وبالتالي على دورها في التسبب بالازمات كما بالنهوض الاقتصادي. ومن المنطق ان تختلف تلك النسبة مع تعدد المجتمعات، وان تدور حول نقطة توازن يحددها النظام الاقتصادي الاجتماعي الشامل للبلد. وقد جعل انفتاح الدول على بعضها، وانتشار الوسائل المرئية والمسموعة، حصول تقاربا طبيعيا بين المجتمعات الراقية، وتشابها بعادات الاستهلاك، وتفاعلا في سياسات الحماية الاجتماعية، الامر الذي يوحي ان “فعالية التوزيع” باتت اكثر تعادلا بين المجتمعات مما كانت عليه في العقود الماضية. واذ حصل في تلك الفترة، اي منذ مطلع التسعينات، تباين مطرد بالمداخيل في الدول القاطرة للاقتصاد العالمي، الا يمكن ان يكون ذلك من اهم اسباب الازمة الاقتصادية العالمية؟
111- تطور الناتج المحلي، الاستثمار، فرص العمل
هبط النمو فجأة في لبنان، عام 2011، اثر الحظر الذي قررته دول الخليج عند تردي الاوضاع الامنية في البلاد. واستمر منخفضا للسنوات الاربع الاخيرة المتتالية؛ ورافقه خسائر كبيرة ادت الى اقفال مؤسسات عديدة في مجال السياحة. كما تأثر القطاع التجاري خاصة في مجال تجارة المفرق. وكان الفارق بينهما ان المؤسسات السياحية (فنادق، مطاعم، مقاهي) هي كثيفة الاستخدام، ولا تتحمل الاعباء الادارية اذا ما طالت الازمة اكثر من اسابيع معدودة؛ وقد عانت المؤسسات التجارية انخفاضا مماثلا، انعكس بالطبع على ربحيتها، الا انها تتكبد مصاريف ادارية اقل بكثير، الامر الذي يسمح لها الانتظار وقتا اطول.
وتراجعت الانتاجية على مستوى المؤسسة من جراء تراجع الطلب، وعبر عن ذلك الاقتصاد الكلي، وظهر ضعف في التكوين الاقتصادي المبني على حجم السياحة وتأثرها بالاوضاع الامنية. ولم يؤثر الطلب المستجد، الناتج عن النازحين السوريين، على النشاط العام في السنوات الاخيرة.

وتسبب التراجع في الانتاجية بتراجع مطرد في حركة التصدير بلغ مجموعه 28% للسنتين الاخيرتين؛ كما ادى تراجع النشاط الاقتصادي والمنافسة السورية الى تراجع فعلي في الرواتب والاجور، لولا ذلك لازداد تقهقر حركة الصادرات وعجز الموازنة.
وبالطبع ادى ذلك الى الابتعاد اكثر فاكثر عن الاستثمار في قطاع الانتاج واستمرت التحويلات نحو الاستثمار في العقار ومراكز المال، وان بوتيرة اخف؛ الامر الذي لا يبشر بتحسن في الانتاجية واستقرار في العمالة.

وتسبب التراجع في الانتاجية بتراجع مطرد في حركة التصدير بلغ مجموعه 28% للسنتين الاخيرتين؛ كما ادى تراجع النشاط الاقتصادي والمنافسة السورية الى تراجع فعلي في الرواتب والاجور، لولا ذلك لازداد تقهقر حركة الصادرات وعجز الموازنة.
وبالطبع ادى ذلك الى الابتعاد اكثر فاكثر عن الاستثمار في قطاع الانتاج واستمرت التحويلات نحو الاستثمار في العقار ومراكز المال، وان بوتيرة اخف؛ الامر الذي لا يبشر بتحسن في الانتاجية واستقرار في العمالة.

112- النمو دون الانماء
برزت في السنوات الاخيرة هشاشة الحالة الاقتصادية في لبنان نتيجة الارقام الهزيلة التي سجلها النمو، وادت الى صراعات اجتماعية لم تصل الى حل بعد، ومن الصعب ان تجد حلولا مرضية، وكان ابرزها المطالبة بتعديل سلسلة الرتب والرواتب في الادارة بشكل جذري. واعتبر المحللون ان هذا المطلب يهدد استقرار النقد وينعكس سلبا على مستوى المعيشة وعلى وتيرة النمو المنعدمة اصلا، نظرا لحجم الدولة في الاقتصاد اللبناني، في الوقت الذي يعتبر ان اجراء القطاع العام لم يستفيدوا قطعا من النمو الذي تحقق منذ عشرين عاما.
كما لم يُتَرجم النمو المرتفع في السنوات السابقة الى تحسن ملموس في مستويات المعيشة، ولا في مجالات التعليم الرسمي او المستشفيات العامة، اي في الخدمات التي تشكل الهاجس الاول للمواطنين. كما نرى، عبر الفترات المتتالية للحياة الوطنية، تباينا واضحا بين النمو الاقتصادي والانماء الشامل. وباتت الستينات الفترة الوحيدة في الحياة الوطنية التي عرفت جهدا حثيثا في سبيل الانماء المتوازن، مع الخطة التي وضعها الاب لوبري بناء لطلب حكومة الرئيس فؤاد شهاب، التي اوجدت المؤسسات الادارية والاجتماعية التي لا تزال تعمل حتى الآن، ولكن بفعالية متفاوتة.
وتوقف كل جهد انمائي اثناء الحوادث، وبالعكس عانت المناطق من العزل، والتراجع الاقتصادي، وتدمير المنشآت العامة والخاصة، وحرمت من عناية الادارة المركزية، وفقدت معظم مقومات الدولة. وتميزت الفترة التي أعقبت الاحداث بمشروع كبير “اعادة اعمار لبنان”. وتم ذلك 80 بالمئة بتمويل محلي و/او بدين اجنبي وقع فيما بعد على عاتق الخزينة. واعتاد المغفور له الرئيس رفيق الحريري ان يقول، عندما كان البعض يلفت نظره الى سوء الادارة والسرقات: ما العمل ؟ هل نوقف حركة الاعمار؟ على الاقل، نكون قد اعدنا اعمار البلد. وهذه كانت بالفعل النتيجة الايجابية، وبات التأثير على حركة الانماء محدودا، ولم تتحسن انتاجية الاستثمارات او القوى العاملة.
تَتَطور الانتاجية بشكل رئيسي بفضل تحسين الاجراءات الادارية وابتكار الوسائل الاكثر فعالية لتحسين النوعية وتخفيض الاكلاف؛ وتؤثر على كافة المرافق الاقتصادية؛ ويتحقق التأثير الاهم في القطاع الصناعي. ونجد في الادبيات الاقتصادية المحلية ان الحكومات المتتالية في لبنان منذ الاستقلال لم ترغب بتشجيع الصناعة خوفا من توسع زنار الفقر حول المدن وتكوين نقابات قوية صاحبة نزعة شيوعية. والحقيقة اننا لم نر اي اثبات على هذا التوجه، ومن الطبيعي ان ينطبق على بعض السياسيين، ولكن لم يكن ذلك موقف الاكثرية حتى يتسبب بغياب الصناعة.
لقد تمتع لبنان منذ الاستقلال بمناخ حرية سياسية وليبرالية اقتصادية فريد في الشرق الاوسط، استقطب الرساميل والكفاءات من فلسطين والعراق ومصر وسوريا وغيرها، على دفعات متتالية، رفع خلالها حكما الطلب الكلي والانتاج والرواتب والاجور واسعار العقارات ومستوى المعيشة. فكانت نتيجة ذلك ان تعاظم الاستيراد وتقلص الانتاج الصناعي والانتاج الزراعي لصالح الخدمات، خاصة تلك المرتبطة بالسياحة والنشاط العقاري والقطاع المالي.
وصح التعبير من قال ان “الحرية والليبرالية هما نفط لبنان” ؛ لان لبنان عانى من الداء الهولاندي جراء توافد الرساميل والاستثمارات في تلك الحقبة من الزمن، تماما كالدول التي استفاقت على استخراج كميات من النفط ادت الى تحسين القدرة الشرائية للنقد، والدخل الحقيقي للعائلات، كما ادت الى تعزيز الطلب والاستيراد، وحدت من التصدير والانتاج، وتسببت بارتفاع مطرد للبطالة.

النموذج السوفياتي
يذكر بول كروغمان في كتابه “عودة الانهيارات الاقتصادية” في حديثه عن الاتحاد السوفياتي “لقد ارتفع الانتاج بشكل ملحوظ في الخمسينات ومطلع الستينات دون تحسن يذكر في الانتاجية. وسجل اجمالي الناتج المحلي ارتفاعا كبيرا بفضل تعبئة هائلة من العمالة والاستثمارات؛ في الوقت الذي كانت تتقدم فيه الانتاجية الشاملة بكثير من البطء. وكان ذلك ينبئ عن توقف النمو حكما في المستقبل القريب”. ويخلص كروغمان الى الاستنتاج “لقد بات ضعف الانتاجية الشاملة آنذاك، ورغم النمو الكبير، الانذار المبكر للمشاكل التي سوف يواجهها الاتحاد السوفياتي”
كان الاتحاد السوفياتي في تلك الفترة، ليس فقط الدولة التي تنافس الولايات المتحدة على القدرة النووية، فحسب، بل تفوقت عليها بالسباق في الفضاء واطلقت المركبة الفضائية الاولى “سبوتنيك”. لكنها خسرت المعركة اقتصاديا لعدم كفاءتها بوضع السلع الاستهلاكية التي كان يراها او يسمع عنها من الغرب، بتصيرف شعبها. يشكل ذلك البعد الاضافي للانتاجية، وهو التكيف مع مواصفات الطلب كما تحددها الاسواق. وانهار، تجاه هذا الواقع، بناء عقائدي استمر سبعين عاما وكاد يجتاح العالم.
12- القدرة الشرائية
لا تعبر القدرة الشرائية للنقد حكما عن تطور الانتاجية في البلاد اذ يجوز ان تساهم عوامل عديدة باستقرار، وحتى بتحسين، القدرة الشرائية للوحدة النقدية؛ وقد راينا من بينها “الداء الهولاندي”، وهو النعت الذي اختارته مجلة الايكونوميست في نهاية الخمسينات لوصف الحالة التي آلى اليها الاقتصاد الهولاندي اثر تدفق النفط في البلاد، والذي ينطبق على الحالات التي تسببها العائدات غير المبررة بالنشاط الاقتصادي؛ ومنها التحويلات الخارجية الايجابية؛ والانفتاح على اسواق عملاقة لاسباب سياسية، كالمثل التايواني ومدينة هونغ كونغ؛ او اعتماد السياسة النقدية على هوامش واسعة، في سياسة التسليف، تحد النشاط الانتاجي.
بالمقابل، يؤثر تطور الانتاجية في البلاد على القدرة الشرائية للنقد. يثبت نموذج “موندل فليمنغ ” انه عندما يحدث تفاوت بالانتاجية بين دولتين تتعامل بكثافة فيما بينها (او بين مجموعة دول) على الدولة الاقل انتاجية ان تحد من ارتفاع الرواتب والاجور عندها، والا يتدهور فيها النقد.
تساهم الانتاجية، كل شيء على حاله، بدعم سعر الصرف؛ كما يحرم تراجع الانتاجية النقد الوطني من اهم عوامل استقراره. عندئذ تُحكم الادارة ضبط الكتلة النقدية، وترفع فوائد التسليفات، فتتراجع الاستثمارات في قطاع الانتاج، وتضمحل فرص العمل.
13- الانتاجية والتجارة الخارجية
يؤمن الاقتصاد، عبر الاستيراد، تحسين شروط الحصول على عوامل الانتاج من مواد اولية ومواد مساعدة وسلع وسيطة وجاهزة وسائر الخدمات التي يحتاجها في عمليات الانتاج والاستهلاك. كما يؤدي عبر التصدير الى تأمين الامكانات اللازمة لتمويل عملية الاستيراد وتأمين فرص العمل الكافية في البلاد. ويعبر “ميزان تداول السلع والخدمات” عن هذا النشاط، ويشكل جزءاً من الميزان الجاري، حيث يستثني تحاويل اللبنانيين لعائلاتهم كونها ناشئة في الخارج.
يشجع البنك الدولي، من اجل استقرار الاقتصاد العالمي، كافة الدول على العمل لتعادل ميزان التجارة الخارجية (سلع وخدمات). ويحقق هذا التعادل، عندما يحصل، اعلى نسبة من الانتاجية ناجمة عن التجارة الخارجية، بفضل الاستثمارات التي يستحدثها وفرص العمل التي يخلقها لقطاعات الانتاج. فما هي الاجراءات التي يمكن اتخاذها للحد من خلل ميزان التجارة الخارجية؟ علما ان تحاويل اللبنانيين من الخارج تدعم الاستهلاك الاسري، ولا تفرق بين السلع والخدمات المستوردة والمصنوعة محليا؛ كما ان الودائع الاجنبية لم توظف في قطاع الانتاج حتى تساهم بخلق فرص عمل الا بنسبة ضئيلة جدا.
عندما تخطت التحويلات الى سويسرا طاقة الاقتصاد بالاستثمار، فرضت المصارف السويسرية على الموديعين فائدة سلبية. رغم ذلك لم يبتعد المودعون عن السوق المالي السويسري، لتوافر فيه مزايا اهم من الفائدة التي يتقاضونها في اسواق مالية بديلة. يستقطب السوق المالي اللبناني المودعين لعدة مزايا غير الفائدة، ولن يبتعد عنه المودعون اذا تدنت نسبيا، بل سوف يتحسن التصنيف، علما ان مستوى الفوائد المدينة المعمول بها حددته المنافسة بين المصارف المحلية اكثر من المراكز العالمية. وقد يساهم بعض التخفيف بمستوى الفوائد بتحسين الانتاج الوطني وزيادة الصادرات والاستثمار في قطاع الانتاج.

14- الانتاجية وسوق العمل
يجيد لبنان التدريب المهني، والبرهان على ذلك فرص العمل التي يملأها طلاب المعاهد اللبنانية في الخليج. بالطبع يمكن تحسين هذا القطاع ولكن من الصعب ان يستفيد منه الاقتصاد اللبناني قبل ان يزداد الاستثمار بقطاع الانتاج بشكل ملحوظ. ولن يحصل ذلك قبل اعادة الربحية الى عامة مؤسسات القطاع الخاص القادرة على التوظيف. وهذا يتطلب مجموعة اجراءات تطور مناخ الاستثمار (راجع الفصل الرابع). والملفت بهذا الصدد، هو ان تستمر الاجراءات بمستوى اقلها فعالية؛ وتشكل بعض الحالات عنق الزجاجة في تطوير بيئة الاعمال وتعطل كافة الجهود. لعب هذا الدور تارة الوضع الامني وطورا ارتفاع الفوائد او تقهقر الطاقة الكهربائية.
لا تكمن المشكلة في لبنان بالانتاجية الفردية، حيث تتوفر الكفاءات في مختلف الحقول، بل على مستوى القوى العاملة ككل. فهي تعد الآن قرابة مليون ومئتا الف شخص، يقدر من بينهم عشرون بالمئة عاطلون عن العمل، وبالتالي تنحصر القوى العاملة فعلا باقل من مليون نسمة بما فيهم 235 الفا على عاتق الدولة والبلديات. وبالتالي لا يتخطى العاملون في القطاع الخاص، وفي كافة المهن، 750 الف شخص.

141- البطالة
يتأثر حجم القوى العاملة بنسبة عمل النساء والشباب، ولكن غالبا ما يظهرون في سوق العمل عندما تتوفر الفرص بكثافة. وتتجاهلهم الاحصاءات اذ لا يطلبون العمل في ظروف البطالة المستفحلة، وغالبا ما يختارون الهجرة قبل الحصول على اول عمل في لبنان. وبالتالي، ان معالجة البطالة تؤدي ايضا الى تصويب حجم القوى العاملة في البلاد.
في الثلاثين عاماً “الذهبية” التي طغى عليها التفكير الكينزي اعتبرت البطالة اهم داء يشكو منه الاقتصاد ويجب معالجته بالسياسات النقدية والمالية؛ وبالفعل استمر هذا الاتجاه في الدول الصناعية حتى السبعينات حيث طغى الخوف من التضخم الذي يمكن ان يحدثه في بعض الظروف التشغيل الشامل على الفكر الاقتصادي؛ واعتنقت “مدرسة شيكاغو” مع اقتصاديين لامعين حاز عدد منهم على جائزة “نوبل” للاقتصاد، وفي طليعتهم “ميلتون فريدمان” و”روبرت لوكاس” و”روبرت بارو” وغيرهم، نظرية “النسبة الطبيعية للبطالة”. ويبدو بحكم تلك النظرية ان كل محاولة للحد من البطالة بالسياسة النقدية (زيادة الكتلة النقدية عن طريق توسيع قاعدة التسليف) او المالية (زيادة الانفاق العام الاستثماري عن طريق العجز والاستدانة). وسيطرت تلك النظرية في كافة الدول الصناعية حتى اندلاع الازمة العالمية عام 2007 ، عندئذ بدا واضحا ان المتابعة بها، في هكذا ظرف، سوف يودي الاقتصاد العالمي الى هلاك اعمق من الازمة العالمية التي اجتاحت العالم في الثلاثينات ولم تنتهي فعلا الا قرابة الحرب العالمية الثانية.
لقد اكدنا فيما سبق ان قناعاتنا الاقتصادية تمر بعلوم الانسان والمجتمع، وبالتالي تخضع الآليات الاقتصادية الى تطور الوضع العام في المحيط الوطني والدولي. وهذا ما حصل عندما اقتنع العالم بضرورة مساندة النشاطات المهددة على حساب الدولة، وانفقت الدول الصناعية اموالا طائلة، جزء كبير منها مرشح للهلاك، في دعم المؤسسات المالية والعقارية المهددة بالانهيار. وبدت العودة الى الكينزية ظرفية عند معالجة قضية اليونان، ولكن فشل تطبيق العقيدة المحافظة السائدة قبل الازمة.
لذلك نتحفظ من الدخول باي منحى نظري، ونسعى فقط الى تحديد هدف للخروج من البطالة المستفحلة في البلاد. لقد اصدر مجلس الشيوخ الاميركي عام 1978 قانونا يفرض على الادارة الامريكية المحافظة على البطالة بحدود 4% . وكان قد قدم الاقتصادي الامريكي Lester Thurow اقتراحا عام 1968 بخفض البطالة الى 3% في الولايات المتحدة “لاستخراج الاقليات المهمشة من الحلقة المفرغة للفقر”. لذلك نقترح ضبط البطالة بشكل افضل يتناول من الآن وصاعدا كافة الراغبين بالعمل، بما فيهم الشباب الذي يهاجر بحثا عن وظيفة، وان نضع هدفا مرحليا لا يتخطى 8% وهو رقم عرفه سابقا الاقتصاد اللبناني.

142- القوى العاملة
من اصل 4,160,000 عدد سكان لبنان تبلغ فئة من هم في سن العمل 2,720,000 – تشكل ونمو القوى العاملة ما دون 45% من هذا الرقم، اي ما يعادل 1,220,000 من بينهم من يعمل فعلا اقل من 1,000,000 شخص 235,000 من بينهم على عاتق الدولة.
يستهدف الاتحاد الاوروبي منذ مطلع هذا القرن بلوغ نسبة 70% من القوى العاملة من اصل السكان في سن العمل – اي من تتراوح اعمارهم بين سن 15 سنة وسن 64 سنة – وقد عرقلت الازمة العالمية بلوغ هذا الهدف، ولا يزال متوسط عدد القوى العاملة في الاتحاد يدور حول 65% من السكان في سن العمل. وبالتالي علينا بلوغ هذا الرقم اذا اردنا ان يلتحق لبنان بعربة التقدم. ويصبح ذلك ممكنا عندما تتراجع البطالة الى حدودها الدنيا.
عندئذ تصبح القوى العاملة في لبنان (65% من 2,720,000) حوالي 1,768,000 شخص؛ ويصبح العدد المتاح للانتاج (1,768,000 – 235,000) حوالي 1,440,000 بمعدل بطالة 5% بدلا من 765,000 كما هو الحال الآن.
2 – خيارات السياسة الاقتصادية
يختلف عالمنا عن ما كان عليه قبل عقدين او ثلاثة. ترتقي المحاور السياسية الى حجم القارات، في الوقت الذي تطالب فيه المناطق داخل البلاد بادارتها الذاتية وحتى الاستقلال. الاتحاد الاوروبي يسعى الى شد الروابط مع محيطه الطبيعي وخلق لهذه الغاية الاتحاد من اجل المتوسط واندمج به منعا لاي التباس. بالمقابل تطالب “كاتالونيا” بالاستقلال عن اسبانيا؛ والامثلة المشابهة عديدة في الماضي والحاضر وسوف تتضاعف في المستقبل. دول تسعى الى الاتحاد لتثبت موقعها في الصراع الاقتصادي العالمي؛ ومناطق تتوق الى الاستقلال لادارة مصيرها على طريقتها. من المهم معرفة القوات الجاذبة في العالم لاستكشاف المصير.

21- العلاقات الاقتصادية بين لبنان ودول مجلس التعاون الخليجي
يشكل التبادل التجاري بين لبنان والمملكة العربية السعودية 6.71% من اجمالي التبادل التجاري لعام 2014 ويحتل المرتبة الاولى، ويشكل التبادل مع دولة الامارات العربية المتحدة 5.74% ويأتي بعد الصين 6.25% وقبل ايطاليا 4.63% – ويبلغ اجمالي التبادل مع مجمموعة مجلس التعاون الخليجي 14.27%.
وبلغت تغطية الصادرات للمستوردات من تلك الدول 84% فقط للتبادل التجاري، دون اعتبار الخدمات التي تبلغ حجمها الاكبر في دول الخليج. كما ارتفعت الصادرات للسبع سنوات الاخيرة 42% وارتفعت المستوردات 35% .

 

بلغت الاستثمارات اللبنانية في دول مجلس التعاون الخليجي ما بين 1985-2009 نحو 4.7 مليار دولار امريكي اي 57.4 بالمئة من اجمالي الاستثمارات اللبنانية في الدول العربية. الحصة الاكبر من هذه الاستثمارات كانت في السعودية وقيمتها 2.4 مليار دولار ، ثم الامارات مع 1.5 مليار دولار، والكويت 683.6 مليون دولار – وقدرت استثمارات دول مجلس التعاون الخليجي في لبنان بنحو11.4 مليار دولار نسبتها 92.7 بالمئة من الاستثمارات العربية في لبنان. الحصة الاكبر مصدرها السعودية وقيمتها 4.8 مليار دولار، والامارات بقيمة 2.9 مليار دولار، والكويت بقيمة 2.8 مليار دولار.
قدرت قيمة التحويلات المالية للمغتربين اللبنانيين باكثر من 8 مليارات دولار عام 2014، نصفها من السعودية اي نحو 4 مليارات دولار، و2.5 مليار من باقي دول الخليج العربي، و1.5 مليار دولار من باقي دول العالم.
22- دور لبنان في الاتحاد من اجل المتوسط
انشئ الاتحاد من اجل المتوسط عام 2003 وكان موضوع نقاش بين جهتين الاولى ترى فيه مشروعا للمتوسط على غرار الاتحاد الاوروبي، والثانية ترى فيه حاجة اقتصادية، ولكن لا توافق على خلق رديف للاتحاد، خاصة انه يوجد اربع دول على المتوسط، ايطاليا وفرنسا واسبانيا واليونان فضلا عن البرتغال، الذي يعتبر بحكم الموجود على المتوسط، ودول بحر البلطيك. وكان الجميع مقتنعا ان “اليوروميد” التي تضم دول اوروبا والبحر المتوسط هي ضرورة لمواجهة المنافسة مع المجموعات الاقتصادية العملاقة التي تتقاسم العالم؛ لا سيما الولايات المتحدة والصين واتحاد دول جنوب امريكا Mercosur ومجموعة الدول الآسيوية Asean – وتم الاتفاق على خلق “الاتحاد من اجل المتوسط”، وضم 43 دولة وسمي “اتحاد المشاريع” اشارة الى دوره الاقتصادي والحاجة الى رفع مستوى دول المتوسط كي تتمكن المنطقة من لعب دورها من اجل تكافؤ فرص التداول العالمي.
يساعد موقع لبنان المميز بين الخليج والاتحاد من اجل المتوسط، وانخراطه باقتصاد المجموعتين، من لعب دور هام في التمويل والاستثمار ونقل التكنولوجيا والخبرات بين المجموعتين. وهذا ليس محركاً اساسياً فقط لاقتصاد لبنان فحسب، بل مفيداً للفريقين، ويعتبر من عناصر انتاجية البلد الطبيعية.
23– التعاون مع دول جنوب المتوسط
يشكل العجز التجاري عبئا اقتصاديا كبيرا على لبنان من حيث البطالة التي يحدثها، وتتحمله البلاد بفضل التدفقات المالية التي تسد العجز، الا انها لا تعوض على الوطن خسارته في الطاقة الانتاجية والانماء الشامل.
يزداد العجز بالنسبة للبنان الذي يستورد سلعاً استهلاكية تتضمن قيماً مضافة عالية، ويصدر محاصيل زراعية و مواد خام، وهذا ما تفرضه طبيعة التجارة الخارجية مع الدول الصناعية التي تستأثر بتسعين بالمئة من تجارة بلاد الجنوب ومن بينهم لبنان.
ورغم الاتفاقات التي ابرمتها الجامعة العربية، لا سيما اتفاق المنطقة الحرة العربية الكبرى واتفاق اغادير، وارشادات البنك الدولي، لم يتغير المسار. وبالطبع بمعزل عن تعادل الميزان التجاري للسلع والخدمات ليس من مكان للاستقرار الاقتصادي المبني على خلق فرص عمل كافية.
اما اذا وجدت دول الجنوب وسيلة لتنمية العلاقات الاقتصادية البينية، فيؤمن ذلك مصلحة الجميع. وحتى يتم ذلك دون التعرض الى اقتصاد السوق ينبغي الاستثمار بالصناعات المتطورة والعلامات الفارقة التي تطلبها الاسواق. وهذا يفترض اولا اعتماد سياسة فاعل لتشجيع الاستثمار . نشير اليها للربط بينها وبين وسائل تحسين الانتاجية.
24- تنظيم الداخل واللامركزية الادارية
تصدر مجموعة البنك الدولي سنويا ملفا عن سهولة و/او صعوبة الاعمال في كل من 189 دولة – وفي نهاية عام 2014 صدرت الارقام المتوقعة لعام 2015 في Doing Business in Lebanon بينت لبنان في المرتبة 104 من اصل 189 دولة، وقد تأخر درجتين عن العام السابق.
وتبدو اهم العوائق في منح رخص البناء (المرتبة 164) وقانون الافلاس (المرتبة 136) ومباشرة الاعمال (المرتبة 119) والحصول على تمويل (المرتبة 116) وتنفيذ العقود (المرتبة 110) – وتتصف الادارة اللبنانية بطغيان البيروقراطية، التي تبررها نظريا ضمانة العمليات، ولكن تشكل غالبا ستارا للرشوة.

يجدر القياس بين تكلفة الوقت الضائع من جراء ممارسة تلك البيروقراطية والخطر لو قررنا الحد من الخطوات الادارية غير المفيدة لاجراء المعاملة. لم تهمل الادارة نداء تكنولوجيا المعلومات والاتصالات – الا انها لم تعيد تنظيم اجراءات المعاملات في دوائرها بطريقة حديثة، كما لم تخلق جهازا مركزيا يساعد على اعتماد الوسائل التقنية المتطورة ويسعى الى تسهيل وتفعيل المعاملات بشكل منسق عصري. وذلك يتطلب متابعة مستمرة واجراءات دورية منسقة لتسهيل المعاملات التي تفرضها الاعمال في لبنان.
تفسر مرتبة لبنان في ممارسة الاعمال ابتعاد الاستثمارات الخارجية عن قطاعات الانتاج، في الوقت الذي يستقطب فيه لبنان استثمارات وفيرة في القطاعين المالي والعقاري.
أللا مركزية الادارية
تهمنا اللامركزية في اطار هذا البحث بالنسبة التي تساهم بها بتحسين الانتاجية في العمل الاداري و/او الانتاج المرتبط به والذي يقوم به القطاع الخاص. يمارس النظام اللبناني اللامركزية الادارية على مستوى البلدية، حيث يتم انتخاب المجلس البلدي من السكان المحليين، واعطى القانون صلاحيات واسعة للمسؤولين المحليين (المادة 50 من المرسوم الاشتراعي 118) لا سيما بانشاء وادارة المدارس الرسمية ودور الحضانة والمدارس المهنية والمساكن الشعبية والحمامات والمسابح والمستشفيات العمومية والمصحات والمستوصفات والمتاحف والمكتبات العامة ودور التمثيل والسينما والاندية والملاعب ووسائل النقل المحلية والاسواق العامة. اي معظم المرافق التي تتعلق بعملية التنمية. ولكن لن يعطي القانون البلدية الاموال اللازمة لتحقيق هذه المشاريع، كما لم يعطيها سلطة في مجالات ادارية ترغب السلطة المركزية الاحتفاظ بها. وقد عوضت الادارة المركزية عن هذا النقص باعتماد “اللاحصرية” بانشاء ادارات تابعة لها في المناطق تعنى بشؤون المواطنين.
وقد صححت لجنة اعداد مشروع قانون اللامركزية الادارية التي رأسها معالي الاستاذ زياد بارود تلك الشوائب وقدمت تقريرها عام 2013. يقضي المشروع بتحرير السلطات المحلية المنتخبة من الادارة المركزية، ويمنحها سلطات واسعة وفعلية عبر الاستقلالين الاداري والمالي، ويخضعها فقط الى الرقابة اللاحقة؛ ويؤكد على عدم المس بصلاحيات واموال البلديات، ويعتبر القضاء مساحة “لا مركزية”؛ ويستحدث المشروع صندوقا “لا مركزيا”، يحل محل الصندوق البلدي المستقل، يديره مجلس منتخب ويعمل ضمن اصول محددة تراعي حاجات البلديات وفقا لمعايير الانماء المتوازن؛ ويدعم الشراكة بين القطاعين العام والخاص لتحقيق النمو الشامل، فضلا عن عدد من الاصلاحات الادارية التي تستهدف دعم المبادرة الخلاقة في المناطق.
سوف يؤدي اعتماد مشروع قانون اللامركزية الادارية الى تحسين انتاجية الادارات المحلية ومؤسسات الانتاج التي تتفاعل معها من جراء الواقع المستجد والذي يتصف بالعوامل التالية:
– خلق مناخ من المنافسة بين البلديات يجعلها تسعى دائما الى الافضل لمواجهة الراي العام الذي يبني حكمه على المقارنة بين الانجازات التي تتحقق هنا وهناك – ورغم الامكانات المحدودة لقد برزت بعض البلديات، وخاصة بعض تجمعات بلديات، بعملها الانمائي – ومن المرتقب ان يعمم توفر الامكانات النجاحات على صعيد البلديات والاقضية؛
– يضطر نوات المجلس البلدي الترشيح على اساس برامج انمائية بدلا من زعامات محلية، وهذا يفسح المجال امام الشباب الطالع ومن هو قادر على القيام بالمسؤوليات ومستعد على التضحية في سبيل الشأن العام؛
– تحد مراقبة الراي العام والمقارنة بين الادارات المحلية الجمود الاداري وتوسع البيروقراطية وانتشار الفساد والزبائنية؛
– وهذا يتيح فرص المبادرة والخلق والابداع التي تشكل قاطرة الانتاجية سواء في القطاع الخاص او في القطاع العام.

3 – دولة الرعاية واقتصاد السوق
نشأت دولة الرعاية في نهاية القرن التاسع عشر مع شعور بعض البلدان المتقدمة بضرورة انتهاج سياسة اجتماعية تؤمن لرعاياها الحماية من المخاطر التي يتعرض لها الضعفاء لا سيما عندما يفقد المرء عمله او يصبح في سن التقاعد. وبرز بالفعل اول اجراء منظم بضمان المرض في المملكة المتحدة، اثر تقرير لورد بفريدج عام 1942، حيث اخذت الدولة على عاتقها الخدمات الصحية لكافة السكان، ولكن بالحد الادنى من الرفاهية، ومولته من موازنة الدولة. وتلتها فرنسا بانشاء نظام مزدوج عام 1945 مبني جزئيا على مساعدة الدولة وجزئيا على نظام التأمين الذي تموله اشتراكات المستفيدين والمؤسسات التي يعملون فيها.
نمت دولة الرعاية خلال فترة الازدهار التي تلت الحرب العالمية الثانية، ولكن بدأت الدول تواجه صعوبات في تنفيذ سياستها الاجتماعية ابتداء من السبعينات، تلاها عجز متنام،. نُسب ذلك الى تراجع النمو وارتفاع نسبة الفقر والاستبعاد وخاصة عدد المتقاعدين بالنسبة الى القوى العاملة بحكم التطور الديمغرافي الحاصل من جراء تقدم الطب وانتشار العناية الصحية.
سيطر اقتصاد السوق انطلاقا من تلك الحقبة، وفرض تراجعاً في حجم الدولة : اولا لان الضرائب المرتفعة التي تحتاجها دولة الرعاية تعيق النشاط الاقتصادي، وثانيا لان تدخل الدولة بالاقتصاد يستبعد القطاع الخاص ويؤدي الى احتكارات غير منتجة للاستمرار. يختلف اقتصاد السوق عن النظام الراسمالي، وان انتشر في ظل هذا النظام، حيث يتحدد فيه الاستثمار والانتاج والاستهلاك وفقا للعرض والطلب، بمعزل عن ملكية وسائل الانتاج. وحقق اقتصاد السوق انتاجية عالية ومستمرة في الغرب ساهمت بانهيار النظام الشيوعي المبني على التخطيط ومركزية القرار.
لم يجعل اقتصاد السوق الدول تتخلى عن المسؤوليات الاجتماعية التي مارستها نصف قرن ولكن لم تعد تطورها، وتراجع بعضها كالضمان الصحي حتى في الدول المتقدمة، وتمنعت الدول الصاعدة من القيام بالتزامات اجتماعية ضرورية كضمان الشيخوخة وتأمين البطالة، كما هو الواقع حتى الآن في لبنان.
وارتفع مع الاسف التفاوت الاقتصادي والاجتماعي بين الدول الصناعية والدول النامية منذ زوال الخطر الشيوعي، كما ارتفعت نسبة الفقر والتهميش في معظم المجتمعات. وبلغ عدد السكان تحت خط الفقر نسبة 30% في عدد كبير من الدول الصاعدة وحتى الدول الصناعية، والوضع اسوأ في الدول النامية، الامر الذي ساهم بتدهور الاستقرار والامن في مناطق عديدة من العالم.
لا يرى جوزيف ستيغليتز بديلا عن اقتصاد السوق، ولكن يرى انه غير قادر على تأدية دوره بسبب تفاوت المعلومات التي تتداولها الاسواق، وبالتالي تتميز الدولة بدور رائد في تنظيم الاسواق وتصويب المسار حتى يحقق اقتصاد السوق ابعاده.
31- تنظيم المرافق العامة
تخلص دراسة السياسة الصحية في الفصل 15 من هذا الكتاب الى ضرورة تحويل الوزارة الى هيئة ناظمة وتحويل االنشاط الاداري و/او التجاري الذي تمارسه في استيراد وتوزيع الدواء وادخال ومتابعة المرضى على حساب الوزارة الى المستشفيات، وسائر الاعمال الروتينية، الى ادارات قائمة، كالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، او مستحدثة لهذا الغرض. وهذا ينطبق على نظرة ستيغليتز، والتي تبناها معظم الاقتصاديين، وهي ان الحرية الاقتصادية، مصدر الانتاجية، ليست موجودة تلقائيا في اقتصاد السوق ولا تتحقق ما لم تفرضها هيئة ناظمة تتمتع بالمعرفة والصلاحية.
اعترافا بضرورة تنظيم ومراقبة الاسواق اوجد المشترع هيئة ناظمة في مجال الاتصالات وهيئة ناظمة في مجال النفط والغاز ، ونتساءل ماذا كانت فعالية كل منهما؟ تتمتع الهيئة الناظمة بصلاحيات ولكن تتحمل الوزارة مسؤولية القطاع تجاه الحكومة، وهكذا يصعب تخطي المصالح المتناقضة والخلافات الكامنة لصالح الدولة. لذلك راينا ان تضطلع الوزارة بدور الهيئة الناظمة، وتمارس التخطيط والاجازة بالاستثمار والرقابة وتحديد الشروط التطبيقية، وتترك الشؤون الروتينية التي تستغرق 90 بالمئة من الوقت الى ادارات خاصة، لا سيما ادارات محلية بعد تطبيق اللامركزية الموسعة.
32- التوجه الحديث للانتاج
من طبيعة الاسواق ان تزول جدوى بعص الانشطة وتخلق جدوى لسواها؛ ويشكل ذلك اساس الربحية للمؤسسة التجارية، كما يشكل قاعدة تطور اجمالي الناتج المحلي. يخضع هذا التحول الى عبقرية اقتصاد السوق. كلما تمكنت البلاد من انتاج سلع وخدمات متطورة، كلما ازداد الدخل الفردي وارتفع مستوى المعيشة فيها. وهذا منوط بالتطور التقني والقدرة على الخلق والابداع وبناء سلسلة الجودة في كافة المجالات الانتاجية. وتضطلع الدولة بدور هام كمحفز للنشاطات المجدية، ومراقب للحد من الاحتكارات كما للمنافسة غير المشروعة، ومنظم للعلاقات الدولية والاتفاقات التجارية.
وحصل في السنوات الاخيرة تطور هام في الاقتصاد اللبناني:
ارتفعت حصة الخدمات في النشاط الاقتصادي، رغم نسبتها العالية اساسا، وادى ذلك الى ازمة خانقة بمجرد مقاطعة السياح منذ عام 2012 – الامر الذي يوحي ان لبنان هو بحاجة الى نشاطات اقتصادية منوعة واقل تأثرا بالاوضاع السياسية والامنية.
بات الاستثمار في القطاع الانتاجي منعدماً، رغم ان لبنان يستقطب سنويا حوالي ثلاثة مليارات دولار اميركي استثمارات عقارية ؛ الامر الذي يوحي ان انتاجية البلد منخفضة (وليس انتاجية الشباب الذين يجدون فرص عمل مميزة في الخارج)؛ الامر الذي يفترض العمل على مناخ الاستثمار.
تطورت الاسواق نحو “النوعية” من جراء تمركز الدخل في الطبقات الميسورة – ادى ذلك الى انتشار الفرانشايز بشكل غير معهود لاهم الماركات الاجنبية، وكان محفزا لخلق علامات فارقة لبنانية مميزة ونشرها في البلاد العربية وحتى في اوروبا.

4 – الخيارات الاقتصادية والاجتماعية
” تتحقق افضل النتائج للمجتمع اذا ما اتيح لكل امرئ العناية بمصالحه الخاصة ” (آدم سميث) وهكذا يحقق اقتصاد السوق اعلى ناتج محلي، شرط مجابهة كل ما يحد حرية المتعاملين. وتعود العوامل الاقتصادية التي تحسن الانتاجية الى ما يلي:
– مناخ الاستثمار، حيث توجد في الطليعة ظروف لا يستطيع ان يتحكم بها احد سوى الدولة؛ فان لم تعط الدولة للمنتجين فرصاً مشابهة للمنافسين، عبثا يسعى الفرد التعويض عنها. على سبيل المثال قانون الاستثمار والاتفاقات التجارية والحماية الجمركية وسعر الطاقة وقانون العمل وسهولة التمويل وفوائد التسليف والضرائب غير المباشرة والاعباء الاجتماعية وغيرها من القيود التي يخضع لها الانتاج .
– هذا لا يعني انه بوسع الدولة معالجة كل تلك الامور، الا انه باستطاعتها دائما السيطرة على عدد من الاكلاف التي تتناسب مع كلفة الطاقة البشرية حتى يتمكن البلد من توازن المستوردات والصادرات من السلع والخدمات.
– الحد من الممارسات الاحتكارية والمنافسة غير المشروعة؛ ومن اجل ذلك الرجوع عن الوكالات الحصرية ومنع الاتفاقات بالاسعار و/او كميات الانتاج؛ كذلك اتخاذ المبادرات الآيلة الى الحد من المؤسسات المكتومة ومنحها الحوافز اللازمة لتطبيق القوانين.
– المحافظة على مستوى التعليم بكل مراحلة والتحصيل الجامعي والتدريب المهني، وتحفيز ربط الجامعات والمدارس المهنية بالمؤسسات الاقتصادية.
41- الانتاجية الشاملة لوسائل الانتاج
تشكل الانتاجية الشاملة لوسائل الانتاج Total Factor Productivity ، التي حددها الاقتصادي المعاصر Robert Solow الاختصاصي بالنمو الاقتصادي، اعلى نسبة من الانتاجية التي يمكن ان يحققها اقتصاد ما انطلاقا من الطاقات الانتاجية التي يتمتع بها. وينتج ذلك عبر التفاعل الاكثر كفاءة بين مختلف عوامل الانتاج بمعنى Pareto : اي عندما لا يعود بالامكان زيادة رضا احد دون انتقاص رضا الآخر وذلك باجراء اي تعديل في تخصيص الموارد.
وبمعنى آخر، تتحقق الانتاجية الفضلى، كل شيء على حاله، عندما تتيقن سياسة الدولة اي من الموارد بات الاقتصاد اكثر حاجة اليها – ونرى في التحليل ما يلي:
– اولا : تترك البطالة حكما خارج نطاق حركة الانتاج جزءا من الطاقة الانتاجية المتوفرة في البلاد؛
– ثانيا : تبرز نسبة القوى العاملة، من السكان في سن العمل، فعالية مشاركة الموارد البشرية، لا سيما النساء والشباب الذين يعرفون نسبة منخفضة من المشاركة بالقوى العاملة الفعلية؛
– ثالثا : نتساءل اذا ما كان ضعف العمالة ناتجاً عن نقص بالاستثمارات، وبالتالي بفرص العمل، او عن انكماش بالاقتصاد جعل عدداً من المؤسسات عاجزة عن متابعة حركة الانتاج؛
– رابعا: اذا ما كان النظام الاقتصادي القائم يشجع بما فيه الكفاية على البحث والتطوير من اجل تحقيق الخلق والابداع الذين يشكلان من جهة قاعدة الانتاجية، ومن جهة اخرى جدوى النشاطات القائمة؛
– خامسا: يشير غياب الاستثمار المباشر الخارجي في قطاع الانتاج الى رداءة مناخ الاستثمار في لبنان، فضلا عن استنتاجات Doing Business in Lebanon والمرتبة 104 من بين 189 دولة التي يحتلها.
على سبيل المثال نطرح بعض التساؤلات حول السياسة الاقتصادية من ناحية انعكاسها على الانتاجية:
– مع قناعتنا الراسخة بسياسة الانفتاح، هل كان توقيع اتفاق الشراكة مفيدا قبل تصويب انتاجية النشاطات الاقتصادية التي انهارت من جراء الانفتاح دون تهيئة كافية، وتتحمل وزارة الاقتصاد مسؤولية كبيرة في هذا الشأن ؛
– ما هي كلفة تعثر الصناعات الكثيفة الاستعمال للطاقة، علما انها تشكل النشاطات الاكثر تطورا ؛
– ماهي كلفة قطاع الطاقة الكهربائية، اضافة الى التضحية التي تكبدتها الدولة من جراء العجز المستمر لشركة كهرباء لبنان، اذا اخذنا بالاعتبار الهدر الناتج عن توليد الكهرباء في المنازل والاحياء؛
– ما هي وطأة مزاحمة الدولة واستبعاد قطاع الانتاج من جراء الفوائد الحقيقية المرتفعة الناتجة عن تعاظم الدين العام – يحاول مصرف لبنان التعويض عن تلك السياسة بمنح تسليف بفوائد ميسرة في شتى المجالات – الا ان ذلك لا يستطيع تحريك الاقتصاد، وان خفف من وطأة الضرر؛
42- الاستثمار في قطاع الانتاج
تنحصر من الناحية الاقتصادية فوائد الاموال الوافدة الى لبنان، لاي جهة اتت ومن اي جهة كانت، باستعدادها للاستثمار بقطاع الانتاج. ويشير هذا الاستثمار، اذا حصل، عن تصويب الانتاجية المتردية في هذا القطاع، واستعادة الطاقة التنافسية للاقتصاد ؛ ويخلق هذا الاستثمار فرص عمل، لبنان اكثر ما هو بحاجة اليها، تستوعب البطالة المقدرة حاليا ب20 بالمئة، وتفسح المجال امام زيادة القوى العاملة التي تشكل الآن ما دون 45 بالمئة من السكان الذين هم في سن العمل ( تتراوح اعمارهم من 15 الى 64 سنة)، ويصلح ان تصبح نسبتهم 65 بالمئة من هذا المجموع.
وتنمي الاموال الوافدة للانفاق الاستهلاكي لدى العائلات فقط الاستيراد، مع اعترافنا بالحاجة اليها نظرا الى هجرة الشباب الكثيفة؛ كما تنمي الاستثمارات العقارية التضخم.
ويبدو من هذا التحليل ان تصويب قطاع الانتاج يشكل الاولوية بالنسبة للاقتصاد اللبناني وهذا يفترض نظرة جديدة شاملة، تتخطى الاعتبارات التي حالت دون تطور الاقتصاد اللبناني حتى ألآن:
– ينبغي تطوير مناخ الاستثمار ، وقد توسعنا في هذا الموضوع في الفصل الرابع، حتى بلوغ مرتبة مقبولة في تقرير Doing Business in Lebanon ، لجهة ان تشكل العلاقة مع الخارج في الدول الصغيرة، ومنها لبنان، حاجة حيوية اكثر بكثير من الدول الكبرى. وقد راينا ان الاقتصاد اللبناني مندمج الى حد بعيد باقتصاد الخليج، وينعكس عليه مناخ الاستثمار بشكل هائل سلبا او ايجابا؛
– كما يصح العمل على تأمين اكثر توازنا بين القطاعات. يشكل القطاع السياحي دون شك النشاط الاكثر جدوى في الاقتصاد اللبناني نظرا لانفتاح هذا الاقتصاد وارتباطه بالمحيط العربي؛ ولكنه يتأثر كثيرا باوضاع امنية ليس لدينا سيطرة عليها وتنعكس هشاشة الوضع اولا على السياحة؛ من هنا تبدو الحاجة الى تنمية قطاعات اقل جدوى ولكن تتميز بمناعة تجاه الظروف الامنية القلقة؛
– ويجب ان يتفاعل التوازن القطاعي مع توازن الميزان التجاري، بمفهوم ميزان السلع والخدمات، خاصة من اجل تعزيز فرص العمل في البلاد، وقد راينا ان البطالة ونسبة القوى العاملة يشكلان عائقا كبيرا للانتاجية التي تتوافق مع طاقة البلاد؛
– يحظى لبنان بجالية كبيرة في الخارج، تتمتع بامكانات عالية جدا، ترغب في توطيد العلاقات مع الوطن الام، وتكون اول المساهمين بالاستثمار الانتاجي والعلاقات الاقتصادية المتكافئة اذا ما قام لبنان بواجباته تجاهها: الاعتراف لاولادها واحفادها بالجنسية اللبنانية، واعطائها حق الانتخاب في الخارج.
يشكل تصويب الاستثمار في قطاع الانتاج المدخل الاساسي لتحسين الانتاجية في لبنان، وبالتالي لا مجال للتساؤل اذاما كان ذلك ممكنا ام لا، فمهما كانت كلفته يبقى الضمانة الوحيدة لاستقرار لبنان على المدى الطويل.

5 – القدرة على التطبيق
ماذا يعيق تحسين الانتاجية في لبنان ؟
امور عديدة : اولها البيروقراطية، وثانيها الزبائنية، وثالثها الفساد، ويليها اللامبالاة، وضعف الايمان بالتغيير. بالمقابل يوجد نوات تسعى الى فرض الحوكمة والشفافية وتؤمن بالديمقراطية وحقوق الانسان وترى ان الاستمرار في النهج الحالي يؤدي الى الهلاك. يتقدم المجتمع ويحدث التطور، بشكل قفزات، تحصل بعد ان يمل الناس من الانتظار مدى سنوات طويلة ويحدث التغيير. لذلك لا مجال لليأس، ويبقى على المؤمنين بهذا الوطن العمل على ارساء الحكم الرشيد علهم يصبحون الاكثرية.
1- ليس من السهل التخلي عن البيروقراطية، التي يدافع عنها البعض بحجة انها ضمانة العمليات الادارية؛ الا انها تخفي كثيرا من الفساد بحكم تعقيد المعاملات التي لا تحل الا بالرشوة. لقد تخلت المجتمعات المتقدمة عن البيروقراطية وتتبع اليوم نظما ادارية مرنة وحديثة ناجمة عن تطور الادارة العامة نحو ال Public management – وقد استعانت الادارة اللبنانية في الماضي بخبراء كنديين اصحاب شهرة عالمية في هذا التخصص، الا ان اقتراحاتهم لم تر طريقا في حينه الى التطبيق؛
2- تأخذ الزبائنية طابعا تارة حزبيا وطورا طائفيا واكثر ما تسعى اليه هو ضمانة اصوات الناخبين – ويعتقد البعض، لربما عن حق، انهم لا يستطيعون ايجاد فرص عمل الا عن طريق الزعيم الذي ينتمون اليه – وتصرف البعض يبرر ممارسة الآخرين، لذلك ليس من المنطق التصدي لهذا الداء قبل ايجاد الحلول – واعتقد ان الحل الوحيد هو باعتماد سياسات عامة توفر فرص عمل بحجم الطلب؛
3- تنبثق عن الزبائنية ” الصيغة اللبنانية ” اي المساواة بين الطوائف في الادارة وخاصة عند التوظيف – ويعتبر البعض ان ذلك لا يعيق الادارة حيث يمكن اختيار الافضل من كل طائفة – وهذا خطأ جسيم يعرف ” بالنظرية المستحيلة ” والتجربة اكبر برهان؛
4- لا ينفرد لبنان في انتشار ظاهرة الفساد والرشوة، ولكن المطلوب هو العمل على انتشار الوعي بالمقابل على نتائجها السيئة على النمو الاقتصادي والتطور الاجتماعي والحؤول دون اعتبارها داء طبيعيا على المجتمع ان يتحمله. يشكل نبذ الفساد الخطوة الاولى للقضاء عليه.
5- ان قيام الدولة بواجباتها الاجتماعية لا يحد من طاقاتها الاقتصادية، والعكس هو الصحيح، اذ ينمي نسبة القوى العاملة ويحول دون هجرة الشباب لاسباب اقتصادية، ويحقق “الانتاجية الشاملة لعوامل الانتاج” التي نسعى اليها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى