بيروت تحتاج مجلساً لا وصاية… نحو خريطة طريق إنقاذ العاصمة من العجز البلدي (اللواء ٢٣ نيسان)

يترسّخ اليوم واقع مرير في قلب بيروت المدينة التي كانت تُعرف يوماً بـ«باريس الشرق»، مدينة تنهشها المحاصصات بلا إدارة فعلية، بلا رؤية تنموية، تُترك فريسة للاختناق العمراني، واللامبالاة الإدارية، وتآكل الحياة العامة… كيف وصلنا إلى هنا؟ وكيف يمكننا إعادة إحياء هذه المدينة المعلّقة بين الذاكرة والمأساة؟
بيروت تُدار بالوصاية لا بالشراكة، أزمة صلاحيات تعطيل الحكم المركزي! من يعتقد أن العاصمة تُدار محلياً كما البلديات الأخرى في لبنان فهو واهم. فبينما يُنتخب رئيس بلدية بيروت ومجلسه عبر الاقتراع العام، إلّا أن صلاحياته تُنتزع منه بالكامل وتُمنح إلى المحافظ، أي الموظف المعيّن سياسياً، والذي يُمسك وحده بكل الملفات التنفيذية من دون أي مساءلة شعبية.
في النظام القائم رئيس البلدية ليس أكثر من مستشار منزوع الدسم. أما المجلس البلدي، فيُقيّد بتقسيم طائفي جامد، حيث تُفرض المناصفة كقاعدة، ولو على حساب الكفاءة والتمثيل السكاني، والنتيجة؟ بيروت مدينة خارج الخدمة!
لماذا الخدمات الغائبة بالرغم أن الرسوم المستوفاة هي الأعلى؟ لا شرطة بلدية، لا استدامة بإدارة نفايات، لا نقل عام متكامل وفوضى الكهرباء والماء. فيما تملك بلديات مجاورة، كبلديات الضاحية الجنوبية أو الدكوانة أو سن الفيل شرطة بلدية وأجهزة رقابة ونُظم نقل ومراقبة، لا تملك بيروت اليوم أي حضور بلدي فعلي في الشارع. قوى الأمن الداخلي هي من تتولى متابعة النظام العام، وغالباً ما تُغرق في مهامها الأمنية الأوسع تاركة الشأن البلدي لمصيره.
تتكدّس النفايات من وقت لآخر، تغطي المولدات الأحياء وتتسبب بارتفاع مضطرد للتلوث المسبب بارتفاع نسبة الأمراض السرطانيّة والمزمنة، الإنترنت والساتيلايت يُوزّع على أسس زبائنية من قبل قوى أمر واقع الشبكات الحزبية المسيطرة على الأحياء. كل ذلك وسط صمت بلدي مطبق، لا تكسره إلّا اليافطات الترويجية أو الإعلانات الموسمية للرموز والإستثمار بغرائزيّة لعبة العواطف!
ما نعني بقوى الأمر الواقع واحتلال الناعم لحياة الناس؟ منذ الحرب الأهلية، استُبدلت الدولة بسلطات محليّة ميليشياوية تسيطر على الأزقة، انتشرت أخيراً ظاهرة «المجتمع البديل» الذي يقدّم خدمات ويقوم بأعمال تجميل، لكن بلا شرعية ولا مساءلة، فمقابل قوى أمر واقع الشبكات الحزبية ظهرت جمعيات مثل «Brain Beirut» في منطقة الأشرفيّة التي تسيّج أحياء، تدهن الأرصفة، وتضع شعاراتها كبلدية رديفة أو بلديّة ظلّ بديلة.
أين الحل؟ بعيداً عن العواطف والشتم؟ ما هي أسس إعادة التأسيس؟ في دراسة موسّعة تستند إلى الدستور اللبناني ووثيقة الطائف ودراسات عالمية عن الحكم المحلي، يُطرح اليوم مشروع جذري، إنشاء «مجلس مدينة بيروت»، وإعادة تقسيم العاصمة إلى 12 بلدية محلية، على أن تُمنح كل واحدة منها صلاحيات حقيقية في نطاقها الجغرافي.
مجلس مدينة بيروت سيكون بمثابة مجلس تنسيقي ينبثق عن البلديات، يرسم السياسات الكبرى للمدينة، من التخطيط الحضري، التعليم الثانوي، النقل العام الى إدارة الشواطئ، بينما تتولى البلديات الفرعية إدارة الشوارع ونظافتها وترتيبها، المدارس الابتدائية، البيئة، النفايات، الملاعب، المكتبات، خدمة اجتماعية والإشراف على لجان الأحياء والبنايات وليعود المحافظ للعب دوره الأساسي كهمزة وصل بين المجلس والإدارة المركزية.
لماذا 12 بلدية؟ لأنها بيروت بأحيائها وتراثها لا بكتلها الخرسانية فكل من الأشرفية، الرميل، المدور، الصيفي، رأس بيروت، المزرعة، زقاق البلاط، الباشورة، المرفأ، المصيطبة، دار المريسة، وميناء الحص هي ليست فقط أسماء مناطق، بل نسيج اجتماعي وثقافي متمايز، وحدها البلديات القريبة من المواطن يمكنها التفاعل مع خصوصيات كل حي يسمح لها بالقيام بمسؤوليّة المؤسسات الراعيّة.
خطة تشجير؟ مدارس؟ نقل عام؟ نعم وطبعاً، وأصبح ذلك واجباً على كل المعنيين وليست بحلم. فالخطة ليست طموحاً حالماً، بل قائمة على خطوات عملية، زرع 30 ألف شجرة عبر خطة تشجير تشاركية تشترك فيها المدارس والأهالي والجمعيات تحت اشراف البلديات. إطلاق شبكة باصات بإشراف مجلس مدينة بيروت تربط الأحياء ببعضها، مع خطوط سير محسوبة وعدادات رقمية. ترميم المدارس الرسمية وتأمين حصة بلدية لكل مبنى تربوي…
نظام رقمي للمحاسبة! كل مواطن بمثابة خليّة ضمن بلدية متنقلة؟ المشروع يقترح منصة إلكترونية لكل بلدية، يستطيع من خلالها المواطن أن يتابع تنفيذ المشاريع، يقدّم شكوى، يطّلع على الميزانيات، ويقيّم أداء المسؤولين. إنه انتقال من بلدية الجدران إلى بلدية شفافية المؤسسات الراعيّة.
في الختام نقول، آن الأوان لبيروت أن تُنقذ من الأسفل إلى الأعلى، ففي بلد تتآكل فيه الدولة من الرأس، قد يكون الحل في بنائها من القاعدة، من الحي، من المدرسة، من اللجنة. بيروت لا تحتاج إلى منقذ فرد وفق منطق الزعامات البائدة والفاشلة بل إلى نظام بلدي مؤسساتي عادل، عصري، ممثّل وشفاف.
إذا كنا نؤمن بالمواطنيّة ولا نريد لعاصمتنا أن تكون نسخة فاشلة في تمثيل نفسها ووطننا، فلنُعِد لها روحها عبر تطوير بنيّة مؤسسات الحكم المحلي وفق قواعد الدستور والطائف، فبيروت لا تموت… لكنها بحاجة لعمل مؤسساتي حديث وديمقراطي متجدد يُنقذها من داء عضال الوصاية والتهميش.



