تجربة 1990 تعيد القاء ظلالها (النهار 28 آب)

كتبت روزانا بومنصف في “النهار”:
ليست معالم ولادة حكومية ما يجري من تطويق مسبق لرئيس الحكومة المكلف نجيب ميقاتي في تكرار لما سبق ان جرى مع رئيس الحكومة سعد الحريري. فبين اصدار قاضي التحقيق طارق البيطار مذكرة احضار في حق رئيس حكومة تصريف الاعمال حسان دياب على نحو يصيب المقاربة التي اعتمدها بشكوك تطعن في صوابيته وقانونيته واصدار القاضية غادة عون مذكرة بحث وتحر في حق حاكم مصرف لبنان رياض سلامه مؤشرات احراج وتضييق وفرض امر واقع مسبق على ميقاتي.
ولا يقل اهمية كذلك لا استقدام الامين العام ل” حزب الله” السيد حسين نصرالله بواخر نفط ايرانية واتخاذ العهد من ذريعة الخطة الاميركية لاستجرار الغاز المصري لفتح قنوات علنية للتفاوض مع النظام السوري علما ان هذه الخطة لم تنضج بعد ولا ايضا اسباغ رئيس الجمهورية العماد ميشال عون استحضار واسباغ عمل ” جماعات متشددة ” في انفجار بلدةالتليل في عكار. وليست كذلك معالم تشكيل حكومة الاستهداف المروحي ان لرئيس مجلس النواب نبيه بري او ايضا لحزب القوات اللبنانية وتوظيف القضاء والاجهزة الامنية على طريق اثارة غبار ضد المحتكرين او المخزنين من جهات محددة وغض النظر عن جهات اخرى في السلطة فيما يشمل الاستهداف رؤساء الحكومات السابقين ولا يستثنى مرحليا سوى رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط .
من عايش مرحلة 1989 -1990وما بعدها بقليل يجري مقارنات تزيد التأكيد ان الزعماء السياسيين الذين هم زعماء تلك المرحلة ايضا يستحضرون العدة نفسها. فعون في قصر بعبدا اكثر من يتواصل معه ويؤمن له ” شبكة امان ” هي فرنسا ايا يكن موقفها الضمني او تحفظاتها وملاحظاتها على اداؤه فيما هو راهنا في موقع رئاسة الجمهورية ويتمتع بشرعية الموقع على عكس ما حصل في بداية التسعينات. ولكن الاستعصاء هو نفسه في الضغوط او الجهود الغربية لانهاء الوضع الشاذ الحالي من دون جدوى. وفي الوقت نفسه تجاوزات للدستور تحت عنوان تفسيرات واجتهادات قانونية تبرر له ذلك. والفارق الاساسي انه يحمي ظهره راهنا بتحالفه مع ” حزب الله ” ما يحد من امكان التلاقي الشامل ضده باعتباره يشكل راهنا جزءا من محور اقليمي الى جانب النظام السوري بغض النظر عن اقتناعاته العميقة ام لا.
هناك في المقابل التقاء مصالح على الاعتراض على الاداء الذي يقوم به كرئيس للجمهورية وعرقلته لتأليف الحكومة. وهذا يشمل الكنيسة المارونية كما يشمل سائر الافرقاء السياسيين غير الحزب الحليف انما في عجز كلي وممانعة ايضا لدى بكركي كما لدى اخرين على استحضار مرحلة 1990 والاعتراض الكبير على انتخابه رئيسا تماما على غرار الاعتراض الراهن داخليا وخارجيا على توريث صهره من بعده.
وهناك مشكلة كبيرة تتفاعل مسيحيا في ظل العجز عن توفير اي موقف مشترك وجامع ضاغط لتأليف الحكومة كما العجز عن التلاقي مع الاخرين فيما يعبر بقوة عن مأزق مسيحي داخلي كبير لا يقل عن المأزق داخل كل طائفة من الطوائف الاساسية الكبرى والمأزق في البلد ككل. واذا اضيفت الى هذه الابعاد المباشرة الكارثية لهذا المأزق تلك المتعلقة بالكباش ان لمساعدة النظام السوري على ابقائه عموما اقتصاديا بعد تعويمه سياسيا والكباش الكبير المتعلق بالمنطقة ربطا بالملف النووي الايراني وتداعياته على صعيد الملفات الاخرى المتعلقة بنفوذ ايران والاتفاق على اطره ومداه ومدى قبول الدول الخليجية بذلك، فان لبنان سيبقى معلقا على خشبة مجموع هذه المصالح حتى اشعار اخر على رغم عدم اقرار الدول الغربية المؤثرة والتي لا تزال مهتمة بلبنان سوى بالاعتبارات المحلية ولا سيما بالانتخابات المقبلة الرئاسية والنيابية ومن هنا الاصرار على تأليف الحكومة ليس الا راهنا .
على غرار استفادة النظام السوري انذاك من الوضع والذي ساهم انتظاره الطويل لحسمه كما تحالفاته لاحقا من اجل اطاحته عون من قصر بعبدا ما مكنه لاحقا من السيطرة على كل لبنان، يثق كثر بتموضع الحزب على النحو نفسه بعيدا من الواجهة المباشرة لعرقلة تأليف الحكومة لكنه حتى الان يعتبر المستفيد الاكبر من الانهيار الحاصل ومن المرجح ان يكون كذلك ايضا اذا انتهى التأزم الحالي الى ازمة نظام تعيد النظر ليس في الصيغة السياسية للكيان اللبناني بل ايضا في صيغته الاقتصادية والمالية والنفطية وعلى كل المستويات. ويخشى ديبلوماسيون معنيون ان يكون بيع الحزب لعون او فريقه كما حصل في اتفاق الدوحة حين تغير موقف الحزب من دعم انتخاب عون الى انتخاب العماد ميشال سليمان امرا غير مستبعد اذا حضرت ايران لاخذ الثمن المناسب لها على طاولة انهاء الوضع الكارثي في لبنان.
ومع خيار القوات اللبنانية الابتعاد عن المشاركة في الحكومة ثمة امران من حيث تحميلها من جهات سياسية عدة مسؤولية توفير الذريعة لعون للاستئثار بالحصة المسيحية ورفع ذلك كسبب من اجل عرقلة الحكومة مه الحريري كما مع ميقاتي راهنا بسبب الوزيرين المسيحيين العالقين خارج الحصة المباشرة لعون وتياره. كما ان الابتعاد عن الحكومة يخشى ان ينعكس سلبا حين لا تكون هناك لا انتخابات نيابية ولا انتخابات رئاسية في الوقت الذي قد تستهدف جماعات موالية له بذرائع مختلفة تشهيرا وملاحقة. ولا تجوز المقارنة في هذه الحال مع ابتعاد القوات عن الحكومة بعد اتفاق الطائف ما ادى لاحقا الى افتعال تفجيرات ادت الى سجن سمير جعجع ولكن هناك اوجها مختلفة سلبية لهذا الابتعاد وفق ما يخشى البعض على رغم ان الظروف مختلفة كليا عن السابق.



