خاص- 380 ألف شقة شاغرة تحت مجهر الضرائب… موسى يكشف المحاذير ويفنّد الأرقام ويحذّر من النتائج

في ظل تفاقم أزمة السكن في لبنان، وما تفرضه من تحديات متزايدة على المواطنين، تقدّمت النائبة حليمة قعقور، إلى جانب النواب سيمون أبي رميا وإيهاب مطر وأسامة سعد مؤخرا باقتراح قانون يرمي إلى إلغاء إعفاء الوحدات والأبنية السكنية وغير السكنية الشاغرة من الرسوم والضرائب، بما فيها ضريبة الأملاك المبنية والرسوم والعلاوات البلدية.
ويأتي الاقتراح، بحسب ما أوضحته قعقور، في ظل تفاقم أزمة السكن نتيجة تدمير أبنية جراء الاعتداءات الإسرائيلية، وتوقف القروض السكنية منذ أكثر من ست سنوات، فضلاً عن انتهاء مهلة السنوات التسع للإيجارات القديمة وصدور أحكام قضائية مرتبطة بها.
لكن، إلى أي مدى يمكن أن يساهم فرض الضرائب والرسوم على العقارات الشاغرة في معالجة أزمة السكن وتحفيز أصحابها على طرحها في السوق، والحد من التهرب الضريبي؟ وهل يشكّل هذا التوجه أداة ضريبية لتنظيم سوق العقارات وتحقيق العدالة الاجتماعية، أم أنه قد يفتح الباب أمام تدخل في الملكيات الخاصة وفرض أعباء إضافية على أصحاب العقارات، من دون ضمان تحقيق الغاية السكنية المرجوة؟
في هذا الاطار، أكّد رئيس نقابة الوسطاء والاستشاريين العقاريين في لبنان وليد موسى أن تنظيم السوق العقارية ومكافحة المضاربة وتحفيز عرض الوحدات السكنية أهداف أساسية، لكنه أبدى تحفّظه على فرض ضريبة شاملة على الشقق الشاغرة من دون دراسة دقيقة لأسباب الشغور وطبيعة العقارات والمناطق التي تقع فيها.
وأشار موسى في حديث لموقعنا Leb Economy إلى أن القطاع العقاري اللبناني يعاني أساساً من تراجع القدرة الشرائية، وغياب التمويل السكني، وارتفاع تكاليف البناء والصيانة، إضافة إلى الظروف الاقتصادية والأمنية التي أثّرت على الاستثمارات. ولفت إلى ضرورة مراعاة أوضاع المطوّرين العقاريين الذين لم يتمكّنوا من بيع شققهم، والمغتربين الذين يحتفظون بعقارات للعودة إلى لبنان، والمستثمرين الذين يتعذّر عليهم استعمال ممتلكاتهم لأسباب خارجة عن إرادتهم.
وأوضح أن العديد من الشقق الشاغرة تقع في مناطق راقية وتستهدف فئات ذات قدرة شرائية مرتفعة، ما يعني أن طرحها في السوق لن يساهم بالضرورة في معالجة أزمة السكن لدى أصحاب الدخل المحدود والمتوسط. ومن هنا، شدّد على ضرورة حصر أي ضريبة محتملة بحالات الشغور الإرادي المرتبط بالمضاربة، وفي المناطق التي يمكن أن تؤدي فيها زيادة العرض فعلياً إلى تخفيف الضغط على بدلات الإيجار.
وحذّر موسى من أن فرض ضريبة بصورة عشوائية قد يؤدي إلى تراجع الاستثمارات وزيادة الأعباء على المالكين، وربما انتقال جزء منها إلى المستأجرين. كما شدّد على ضرورة إعفاء العقارات التي كانت خاضعة لقوانين الإيجارات القديمة لأكثر من أربعين عاماً لمدة لا تقل عن عشر سنوات من تاريخ استعادة أصحابها الحيازة الفعلية، معتبراً أن هؤلاء حُرموا طوال عقود من الاستفادة الاقتصادية من ممتلكاتهم.
التهرب الضريبي
وفي ما يتعلق بمكافحة التهرّب الضريبي، ميّز موسى بين فرض ضريبة جديدة على الشقق الشاغرة ومعالجة حالات التصريح غير الصحيح عن العقارات المشغولة أو المؤجّرة فعلياً على أنها شاغرة بهدف التهرّب من الضرائب المتوجبة قانوناً.
وأكّد تأييده الكامل لمكافحة التهرّب الضريبي، لافتاً إلى أن هذه الممارسات تضرّ بالمالية العامة وتخلق منافسة غير عادلة بين المالكين الملتزمين بواجباتهم الضريبية وغير الملتزمين بها. لكنه اعتبر أن معالجة هذه المخالفات لا تستوجب بالضرورة فرض ضريبة جديدة على جميع الشقق الشاغرة.
وأوضح أن المطلوب هو تحسين آليات الرقابة والتحقّق، وتطوير الربط الإلكتروني بين وزارة المالية والمديرية العامة للشؤون العقارية والبلديات، والاستفادة من البيانات المتاحة للكشف عن حالات التصريح غير الصحيح، إلى جانب تحديث قواعد البيانات العقارية وتسهيل إجراءات التصريح الضريبي، بما يسمح بتحديد العقارات المشغولة فعلياً وتلك الشاغرة.
وشدّد موسى على أن معالجة التهرّب الضريبي يجب أن تقوم على تطبيق القوانين القائمة وتعزيز الرقابة والمكننة، لا على تحميل جميع أصحاب الشقق الشاغرة أعباء إضافية، معتبراً أن العدالة الضريبية تقتضي محاسبة المتهرّب، لا معاقبة المالك الذي لا يحقّق أي دخل من عقاره.
380 الف شقة شاغرة؟
وفي ما يخص عدد الشقق الشاغرة في لبنان، أشار موسى إلى أن الأرقام التي استند إليها مقدّمو اقتراح القانون، والمبنية على بيانات وزارة المالية لعام 2023، تفيد بوجود نحو 380 ألف وحدة سكنية مصرّح عن شغورها، يقع نحو 62% منها في بيروت وجبل لبنان.
لكنه دعا إلى التعامل بحذر مع هذا الرقم، موضحاً أنه لا يشكّل بالضرورة إحصاءً دقيقاً لعدد الشقق الشاغرة القابلة للسكن أو المعروضة في السوق، كما أنه لا يعكس حكماً واقع الشغور في عام 2026.
ولفت إلى أن بعض هذه العقارات قد يكون غير مكتمل أو متضرراً أو بحاجة إلى ترميم، فيما يُخصّص بعضها الآخر للاستعمال الشخصي أو العائلي، وهناك شقق معروضة للبيع أو الإيجار من دون أن تجد طلباً فعلياً.
واعتبر أن تحديد العدد الدقيق للشقق الشاغرة حالياً يتطلّب إجراء مسح عقاري وطني محدّث يحدّد طبيعة هذه الوحدات وتوزيعها الجغرافي وقيمتها وأسباب شغورها. وشدّد على أن الأهم ليس معرفة العدد الإجمالي فحسب، بل تحديد عدد الشقق القابلة للإشغال فعلياً والتي يمكن أن تساهم في تلبية الطلب السكني لدى أصحاب الدخل المحدود والمتوسط.
ايرادات الشقق الشاغرة
أما في ما يتعلق بالإيرادات المحتملة من فرض الضرائب على الشقق الشاغرة، فرأى موسى أنه من المبكر تحديد رقم دقيق، إذ يتوقف
ذلك على طبيعة الضريبة المقترحة وآلية احتسابها والقيمة التأجيرية للعقارات ونسبة الوحدات التي ستخضع فعلياً لها، فضلاً عن الإعفاءات التي ينبغي اعتمادها.
وأوضح أنه لا يمكن احتساب الإيرادات المحتملة بمجرد ضرب عدد الشقق المصرّح عن شغورها بقيمة ضريبية موحّدة، نظراً إلى الاختلاف الكبير بين العقارات من حيث الموقع والمساحة والقيمة والحالة القانونية والفنية.
وأضاف أن جزءاً مهماً من هذه الوحدات يجب أن يستفيد من الإعفاءات، ولا سيما العقارات المتضررة أو غير الصالحة للسكن، والشقق التي لم يتمكّن أصحابها من بيعها أو تأجيرها، والعقارات العائدة للمغتربين في حالات محدّدة، وتلك التي تحرّرت حديثاً من قوانين الإيجارات القديمة.
كما شدّد على ضرورة التمييز بين الإيرادات الإضافية الناتجة عن كشف الشقق المشغولة التي يُصرّح عنها خطأً على أنها شاغرة، وتلك التي يمكن تحصيلها من استحداث ضريبة جديدة على الشغور الفعلي، موضحاً أن الحالة الأولى ترتبط بتحسين الجباية وتطبيق الضرائب القائمة، فيما تتطلب الثانية دراسة اقتصادية واجتماعية مستقلة.
وأشار موسى أيضاً إلى أهمية احتساب كلفة الإدارة والرقابة والتحصيل، وعدم الاكتفاء بتقدير الإيرادات الإجمالية.
وختم بالتأكيد أن الهدف الأساسي من أي ضريبة من هذا النوع يجب ألا يقتصر على زيادة الجباية، بل أن يساهم في معالجة أزمة السكن، مقترحاً تخصيص جزء أساسي من إيراداتها لدعم القروض السكنية وبرامج الإسكان، بدلاً من إدخالها بالكامل ضمن الإيرادات العامة من دون ربطها بهدف اجتماعي واضح.
واعتبر أن نجاح هذه السياسة لا يُقاس فقط بحجم الأموال التي تدخل إلى خزينة الدولة أو البلديات، بل بمدى مساهمتها في زيادة العرض السكني المناسب وتحسين قدرة اللبنانيين على الاستئجار والتملّك.



