أخبار لبنانابرز الاخبارمقالات خاصة

خاص- هل ترفع الفوائد العالمية كلفة إعادة هيكلة اليوروبوندز اللبنانية؟

مع دخول لبنان مرحلة أكثر جدية في البحث عن تسوية لأزمة الدين وإعادة هيكلة سندات اليوروبوندز، تبرز أسعار الفائدة العالمية كعامل إضافي في حسابات الدولة والدائنين على حد سواء. فهل ارتفاع كلفة الاقتراض عالمياً سيضعف موقف لبنان التفاوضي ويدفعه إلى تقديم عوائد أعلى على السندات الجديدة؟ أم أن شكل إعادة الهيكلة، من خفض أصل الدين إلى تمديد الآجال وفترات السماح، يمكن أن يحد من أثر ارتفاع الفوائد؟

في هذا السياق، أكد الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق كارابيد فكراجيان في حديث لموقعنا Leb Economy أن هناك رابطاً بين ارتفاع أسعار الفائدة عالمياً ومسار إعادة هيكلة سندات اليوروبوندز اللبنانية، موضحاً أن الدولة، عند دخولها في مفاوضات مع حاملي السندات، لن تتعامل مع كل مستثمر بشكل منفصل، بل مع كبار الدائنين والمؤسسات التي تمتلك حصصاً كبيرة من هذه السندات.

الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق المحامي كارابيد فكرجيان

وأشار إلى أن الدائنين يدركون أن لبنان، إذا أراد العودة إلى الأسواق المالية مستقبلاً، سيكون عليه معالجة ملف ديونه والتوصل إلى تسوية أو إعادة هيكلة لسنداته. وبالتالي، فإن الشروط التي كان يمكن للدائنين قبولها في السابق قد لا تكون مقبولة اليوم في ظل ارتفاع أسعار الفائدة العالمية.
وأوضح أن ارتفاع كلفة الاقتراض عالمياً يعني ارتفاع كلفة التمويل على الخزينة اللبنانية، كما يمنح حاملي اليوروبوندز ورقة ضغط إضافية في المفاوضات، إذ يمكن للمستثمر أن يتساءل: لماذا أقبل اليوم بتسوية أو إعادة هيكلة بعائد منخفض، في حين يمكنني الحصول على عائد أعلى في الأسواق؟
إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة أن لبنان سيضطر إلى دفع فوائد أعلى على السندات الجديدة، إذ إن المعادلة ترتبط أيضاً بسعر السندات في السوق وآلية إعادة الهيكلة التي سيتم الاتفاق عليها. فإذا ارتفع الطلب على اليوروبوندز وارتفعت أسعارها، فقد تتمكن الدولة، وفق صيغة التسوية، من دفع قيمة أقل لحاملي السندات.
وفي سيناريو آخر، قد لا يحصل الدائنون على كامل مستحقاتهم، بل يجري استبدال السندات الحالية بسندات جديدة بشروط مختلفة، بما في ذلك آجال استحقاق ومعدلات فائدة جديدة. وبالتالي، تصبح شروط التسوية النهائية العامل الحاسم في تحديد القيمة التي سيحصل عليها حاملو السندات والكلفة الفعلية التي ستتحملها الدولة.

الفوائد العالمية ليست العامل الوحيد
ويرى فكراجيان أن المسار الحالي يرتبط بمجموعة من العوامل، أبرزها تحسن الوضع الأمني، ومساعي لبنان للتوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي واستعادة الثقة الدولية، إلى جانب عوامل اقتصادية ومالية أخرى. وفي المقابل، تؤثر عوائد سندات الخزانة العالمية وارتفاع كلفة الدين في حسابات المستثمرين وتوقعاتهم بشأن العائد الذي سيطلبونه من لبنان.
ومن هنا، فإن ارتفاع أسعار اليوروبوندز في المرحلة الحالية قد يكون نتيجة مزيج من المضاربات والتداولات في السوق من جهة، وتوقعات المستثمرين بشأن المرحلة المقبلة من جهة أخرى، ولا سيما ما يتعلق بالوضع الأمني، والمفاوضات مع صندوق النقد الدولي، والدعم الدولي للبنان، واحتمال الوصول إلى تسويات سياسية وأمنية في المنطقة.
لكن فكراجيان يشدد على أنه لا يمكن الجزم حتى الآن بالنتيجة النهائية، إذ يبقى العامل الأساسي ما ستسفر عنه المفاوضات. وفي المرحلة اللاحقة، من المفترض أن يجري استبدال السندات الحالية بسندات جديدة، وعندها ستتحدد فعلياً شروط التسوية وحجم ما سيحصل عليه حاملو السندات.

على ماذا يراهن المستثمرون؟
وفي هذا السياق، يشير فكراجيان إلى أن بعض المستثمرين يشترون اليوروبوندز اليوم على أساس توقع أن تكون للسندات الجديدة التي ستصدر بعد إعادة الهيكلة عوائد مجزية. إلا أن هذا الرهان يختلف من مستثمر إلى آخر.
فقد يشتري مستثمر السندات انطلاقاً من قناعة بأن وضع لبنان سيتحسن مستقبلاً، ما يسمح له بتحقيق أرباح من ارتفاع قيمتها. في المقابل، قد يشتري مستثمر آخر اليوروبوندز رغم استمرار المخاطر، انطلاقاً من اعتقاده بأن وضع لبنان أصبح أفضل مما كان عليه سابقاً، وأن فرص التفاوض على تسوية أصبحت أكبر.
ويلفت فكراجيان إلى أن أسعار اليوروبوندز الحالية لا تزال بعيدة جداً عن قيمتها الاسمية، ما يعني أن السوق لا تزال لا تفترض أن الخزينة اللبنانية قادرة على تسديد كامل الدين. ويضيف أن اقتراب سعر السند من قيمته الاسمية سيكون مؤشراً إلى ارتفاع ثقة المستثمرين بقدرة الدولة على معالجة ديونها، وبالتالي تحسن نظرتهم إلى قدرتها على السداد.

هل تضعف الفوائد العالمية موقف لبنان التفاوضي؟
أما في ما يتعلق بتأثير ارتفاع أسعار الفائدة العالمية على المفاوضات، فيرى فكراجيان أن ذلك يضعف بالفعل الموقف التفاوضي للبنان، إلا أن القضية الأساسية لا تتعلق فقط بمستوى الفائدة التي ستدفعها الدولة، بل بقدرتها الفعلية على تأمين الأموال اللازمة لخدمة الدين.
ويشير إلى أن لبنان لم يكن يملك الأموال اللازمة لسداد ديونه عندما توقف عن الدفع، وبالتالي فإن التركيز يجب أن يكون على كيفية بناء قدرة مالية مستدامة تتيح للدولة الوفاء بالتزاماتها. وهذا يتطلب موازنة تأخذ في الاعتبار حجم الإنفاق وخدمة الدين والفوائد، بالتوازي مع العمل على خفض النفقات وزيادة الإيرادات.
وفي هذا الإطار، يلفت إلى أهمية تخفيف الأعباء الضريبية في بعض المجالات، باعتبار أن خفض العبء الضريبي قد يشجع الأفراد والشركات على التصريح عن أعمالهم بشكل أكبر، ويحفز النشاط الاقتصادي والاستثمار، بما يؤدي في النهاية إلى توسيع القاعدة الضريبية وزيادة الإيرادات.
ويشير إلى أن ارتفاع الإيرادات لا يرتبط بالضرورة برفع معدلات الضرائب، إذ إن توسيع حجم الاقتصاد والقاعدة التي تُفرض عليها الضرائب يمكن أن يؤدي إلى زيادة الإيرادات حتى مع معدلات ضريبية أقل.

بواسطة
ايفا ابي حيدر
المصدر
خاص-Leb Economy

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى