أخبار لبنانابرز الاخبارسياسة

صناعة سردية الحرب: كيف يتحوّل التفوّق الإسرائيلي إلى عقيدة لبنانية؟ (الأخبار 14 أيلول)

ليست أخطر نتائج اختلال موازين القوى أن يصبح الطرف الأضعف أقل قدرة على فرض شروطه، بل أن يتحوّل هذا الاختلال نفسه إلى مرجعية سياسية تحدّد له ما يجوز أن يريده وما لا يجوز، وما ينبغي أن يحتفظ به وما يتعيّن عليه التخلي عنه. عندها لا يعود ميزان القوى مجرّد واقع ينبغي التعامل معه، بل يتحوّل إلى حجة تُستمد منها شرعية الخيارات السياسية: بما أن الخصم أقوى، تصبح الاستجابة لشروطه «واقعية»؛ وبما أن كلفة مواجهته مرتفعة، يصبح التخلّي عن عناصر القوة «حكمة». ثم لا يلبث ما يطلبه الخصم نفسه أن يُعاد تقديمه بوصفه مطلباً سيادياً داخلياً.

هذا ما يفعله الخطاب السياسي الرسمي للسلطة اللبنانية اليوم. فهو يتظلّل بالحرب الأخيرة ونتائجها لتبرير خيارات استراتيجية تقوم، عملياً، على الاستجابة للمطالب الأميركية والإسرائيلية، ثم يعيد إنتاج هذه المطالب بلغة لبنانية: السيادة، حصرية السلاح، قرار الحرب والسلم، وبسط سلطة الدولة. هكذا يصبح تبديل العنوان كافياً، في الخطاب على الأقل، لتبديل طبيعة المضمون، كما لو أن الوقائع تتغيّر بمجرد تغيير المفردات المُستخدمة في توصيفها.

لكنّ العودة إلى ما قبل الثاني من آذار تكشف أن الحرب لم تكن هي التي ولّدت هذه الخيارات. فالموقف نفسه، تقريباً، كان قائماً قبلها: الدعوة إلى نزع سلاح المقاومة، وتفكيك بنيتها العسكرية، وإنهاء المعادلة القائمة مع إسرائيل، والتعامل مع اختلال موازين القوى باعتباره دليلاً على استحالة أي خيار آخر. وكانت الحجج المطروحة آنذاك هي نفسها التي تُطرح اليوم، وإن ازدادت حدّتها بعد الحرب.

وهذا يعني أن الحرب لم تنشئ هذا الاتجاه السياسي بقدر ما وفّرت له فرصة إضافية لتقديم نفسه بوصفه النتيجة الوحيدة الممكنة. والمسألة هنا ليست في الاعتراف بتغيّر موازين القوى أو إنكاره. فمن الواضح أن البيئة الاستراتيجية للمقاومة تبدّلت بصورة كبيرة، وأن بعض عناصر قوتها تضرّرت، وأن شروط المواجهة لم تعد هي نفسها. لكنّ ثمة فارقاً كبيراً بين أن يكون اختلال ميزان القوى مُعطىً تُدخِله الدولة في حساباتها، وبين أن يتحوّل إلى فلسفة سياسية كاملة، مؤداها أن تنفيذ كل ما يطلبه الطرف المتفوّق عسكرياً يصبح أكثر عقلانية من مقاومته. عندها لا تعود الواقعية قراءةً للواقع، بل تصبح اسماً آخر للتكيّف مع إرادة العدو لأنه أقوى عسكرياً وتكنولوجياً.

وعندما يُطرح السؤال عن أصل هذا المسار، يعود الخطاب سريعاً إلى أنه لولا قرار إسناد غزة لما وصل لبنان إلى ما وصل إليه، ولما تعرّض لكل هذه الاعتداءات، ولما وجد نفسه أمام الضغوط الحالية. لكنّ هذا التفسير لا يمثّل الحقيقة كلها.

قرار الإسناد كان عنصراً أساسياً في فتح مسار المواجهة، ويمكن، بل ينبغي، مناقشة جدواه السياسية والعسكرية وكلفته ونتائجه. لكن اختزال كل ما أعقب ذلك في هذا القرار وحده يفترض أن بقية المتغيّرات التي طرأت لاحقاً لم تكن ذات أثر مستقل، وأن إسرائيل بقيت تتحرك وفق قواعد واحدة لم تتغيّر. وهذا ما لا تؤيده الوقائع.

فالحرب انتهت إلى اتفاق 27 تشرين الثاني، الذي نصّ على انسحاب إسرائيل. لكن المشهد الذي أعقب الاتفاق تبدّل بصورة جذرية مع سقوط النظام السوري السابق، وانقطاع خطوط الإمداد عن المقاومة، وتغيّر البيئة الإقليمية التي كانت تشكل جزءاً من توازن الردع السابق.
هذه التحوّلات أعادت صياغة ميزان القوى بصورة أعمق بكثير مما يمكن تفسيره بمجرد استمرار تداعيات حرب الإسناد. وقد قرأت إسرائيل هذه التحوّلات باعتبارها فرصة، وتعاملت مع تغيّر البيئة الإقليمية باعتباره هامشاً جديداً لتوسيع حريتها في العمل، واستمرت الاعتداءات لأشهر طويلة، في محاولة واضحة لترجمة الاختلال العسكري والإقليمي إلى وقائع أمنية وسياسية جديدة.

وفي موازاة ذلك، نشأت في الداخل اللبناني سردية تفسّر كل اعتداء إسرائيلي بوصفه نتيجة مباشرة لفعل المقاومة، حتى بدا أحياناً أن إسرائيل لا تمتلك استراتيجية خاصة بها، ولا تبادر ولا تخطّط ولا تستثمر التحوّلات، بل تنتظر دائماً فعلاً لبنانياً كي ترد عليه. وهذا تحديداً ما يجعل هذه القراءة قاصرة. فما جرى خلال السنوات الأخيرة، من غزة إلى سوريا وإيران، يكشف عن تحوّل أوسع في السلوك الإسرائيلي لا يمكن تفسيره بالساحة اللبنانية وحدها.

إسرائيل باتت أكثر ميلاً إلى المبادرة بدل الاحتواء، وإلى العمل الاستباقي بدل انتظار اكتمال التهديد، وإلى ضرب القدرات قبل تحوّلها إلى خطر، فضلاً عن استعداد أكبر لخوض مواجهات ممتدّة ونقل خطوط الدفاع إلى داخل أراضي الآخرين، من خلال الاحتلال أو إقامة مناطق أمنية أو نقاط تموضع متقدّمة.

إذا كانت هذه هي البيئة الاستراتيجية الجديدة، يصبح من المُتعذِّر افتراض أن لبنان كان سيبقى استثناءً دائماً منها. فالقول إن كل ما أصاب لبنان كان يمكن تجنبه بمجرد عدم الدخول في حرب الإسناد، يفترض ضمناً أن إسرائيل كانت ستتبنّى تجاه لبنان وحده سياسة مختلفة جذرياً عن السياسة التي أخذت تعتمدها في محيطها: لا عمليات استباقية، ولا استهداف لقدرات الخصم، ولا محاولة لتغيير الواقع الأمني على الحدود الشمالية، ولا استثمار لأي لحظة ضعف إقليمية.

من هنا تظهر المشكلة الأساسية في الخطاب القائم: فهو لا يكتفي بالقول إن ميزان القوى تغيّر، بل يستنتج من هذا التغيّر أن المطلوب هو إزالة ما تبقّى من عناصر القوة، كأن التفوّق الإسرائيلي دليل على أن المشكلة تكمن في وجود القدرة اللبنانية على المقاومة، لا في طبيعة الاستراتيجية الإسرائيلية نفسها.
ومع كل محطة جديدة يُستدعى المثال الذي يُفترض أن يثبت هذه الخلاصة مرة أخرى. واليوم جاء دور معركة «تلة هرمز» في علي الطاهر.
وهنا أيضاً تسود ثنائية مُبالغ فيها: إمّا التعامل مع المعركة كأنها لم تكن ذات أهمية، وإمّا تحويلها إلى لحظة فاصلة كان من شأنها أن تقرر مصير النبطية برمّتها. ولا هذا دقيق ولا ذاك.

لتلة علي الطاهر أهمية عسكرية واضحة، بحكم طبيعة الموقع وارتفاعه وما يوفّره من مزايا في الرصد والسيطرة النارية والحركة. لكن الاعتراف بهذه الأهمية شيء، والقول إن فقدان الموقع كان سيعني حكماً فتح الطريق أمام احتلال النبطية شيء آخر تماماً. فالمدن لا تُحتل لأن تلة واحدة سقطت، ولا تُحمى لأن تلة واحدة بقيت تحت السيطرة. أي عملية بهذا الحجم ترتبط بمحاور تقدّم، وأعداد قوات، وإسناد ناري وجوي، وقدرات لوجستية، وقرار سياسي، وأهداف عملياتية، وطبيعة المقاومة التي ستواجه القوة المهاجمة.

غير أن المُبالغة في دلالة المعركة تصبح مفهومة إذا نُظر إليها ضمن السياق الأوسع. فالمطلوب أن تدخل الواقعة العسكرية في السردية نفسها: المقاومة اتخذت قرارات خاطئة، وكل مواجهة خاضتها عرّضت لبنان لخطر أكبر، وبالتالي يصبح التخلص من قدرتها العسكرية الطريق الطبيعي إلى الاستقرار.

الدول الصغيرة لا تختار الجغرافيا التي تعيش فيها، ولا حجم القوة التي يمتلكها خصومها، لكنها تختار الكيفية التي تتعامل بها مع هذا الاخْتلال. وقد تفرض التحوّلات الكبرى مراجعة الأدوات، وإعادة تنظيم عناصر القوة، وتغيير أنماط استخدامها، لكنّ ثمة فارقاً جوهرياً بين إعادة بناء القدرة الوطنية بما يلائم ميزان القوى الجديد، واعتبار القدرة نفسها عبئاً ينبغي التخلّص منه.
من هنا، فالسؤال الحقيقي ليس ما إذا كان لبنان أضعف من إسرائيل؛ فهذه حقيقة سبقت الحرب. الخطورة لا تكمن فقط في اختلال ميزان القوى، بل في أن يتحوّل هذا الاختلال إلى مبدأ مُنظِّم للسياسة، وأن تُختصر الواقعية في التكيّف مع شروط المعتدي الأقوى، وأن يُعاد تعريف السيادة بما يلبّي مطالبه.

بواسطة
علي حيدر
المصدر
الأخبار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى