خاص – هاني: نحو 400 مليون دولار لمشاريع زراعية خلال 3 إلى 4 سنوات (3)

في ظل التحديات المتزايدة التي يواجهها القطاع الزراعي في لبنان، من التغيّر المناخي وشحّ المياه إلى ارتفاع كلفة الإنتاج ومحدودية إمكانات الدولة، تبرز الحاجة إلى الانتقال من الخطط إلى التنفيذ، وتوجيه التمويل المتاح نحو مشاريع قادرة على إحداث تغيير فعلي في أساليب الزراعة والإنتاج.
فما حجم الأموال المرصودة اليوم لتطوير القطاع الزراعي؟ وكيف ستُترجم الخطة الوطنية للزراعة على أرض الواقع؟ وهل ينجح لبنان في تحديث قطاعه الزراعي واعتماد تقنيات أكثر كفاءة في استخدام المياه والموارد، بما يعزز قدرته على مواجهة التغيّرات المناخية؟
في هذا السياق، أكد وزير الزراعة الدكتور نزار هاني أن الجهود والمشاريع الزراعية في لبنان باتت تعمل ضمن رؤية موحّدة وتحت مظلة وزارة الزراعة، انطلاقًا من الخطة الوطنية للزراعة التي تشكّل المرجعية الأساسية للمشاريع والجهات المانحة، مشددًا على أن التحدي الأساسي لا يكمن في وضع الخطط، بل في تنفيذها على أرض الواقع.
وفي حديث لبرنامج «الاقتصاد أولًا» الذي يقدّمه ناشر ورئيس تحرير موقع Leb Economy ألفونس ديب، أوضح هاني أن عددًا كبيرًا من المشاريع الزراعية يُنفَّذ حاليًا ضمن هذه الرؤية، لافتًا إلى أن قيمة المشاريع الموجودة على منصة موحّدة تبلغ نحو 200 مليون دولار.
وأشار إلى أنه، مع احتساب قرض البنك الدولي، يصبح حجم التمويل المتاح للقطاع الزراعي بحدود 400 مليون دولار تقريبًا، موزّعًا على فترة تمتد بين ثلاث وأربع سنوات.
وأوضح هاني أن أهمية الخطة الوطنية للزراعة تكمن في أن الجهات المانحة باتت تعرض المشاريع التي ترغب في تمويلها استنادًا إلى أولويات هذه الخطة، بما يضمن تناغم المشاريع وتكاملها بدل تنفيذها بصورة متفرقة.
ولفت إلى أن موازنة وزارة الزراعة لا تزال محدودة، إذ تشكّل نحو 0.4% من الموازنة العامة، إلا أن الوزارة عملت على إدخال إضافات إلى موازنة عام 2027 بهدف تأمين بنية تحتية أساسية للقطاع.
وكشف في هذا الإطار عن توجه لإنشاء مختبرات في المرفأ والمصنع وعلى المنافذ البرية، إضافة إلى العبدة، بهدف تسريع عمليات الاستيراد والتصدير وتعزيز الرقابة على المنتجات الزراعية والغذائية.
وأشار هاني إلى أن الخطة الاستراتيجية الوطنية للزراعة تقوم على أربعة أعمدة أساسية تُعرف بالـ4Ps.
وأوضح أن الركيزة الأولى، People، تركز على تطوير قدرات المزارع وتدريبه على استخدام التقنيات الحديثة، ولا سيما في إدارة المياه.
أما الركيزة الثانية، Planet، فتهدف إلى بناء قطاع زراعي أكثر استدامة، يستخدم الموارد والمياه والمبيدات بكفاءة أكبر ويحدّ من الهدر والتلوث.
وتتمثل الركيزة الثالثة، Prosperity، في جعل القطاع الزراعي منتجًا ومربحًا للمزارعين وفي الوقت نفسه داعمًا للاقتصاد الوطني.
أما الركيزة الرابعة، Partnership، فتقوم على الشراكة بين وزارة الزراعة والمزارعين والقطاع الخاص، معتبرًا أن تطوير الزراعة لا يمكن أن تقوم به جهة واحدة، بل يحتاج إلى تكامل بين الزراعة والصناعة والاقتصاد.
وشدد هاني على أن الهدف هو الوصول إلى قطاع زراعي ناجح وقادر على التكيّف مع التغيّرات المناخية، وفي الوقت نفسه يساهم في تعزيز السيادة الغذائية والأمن الغذائي في لبنان.
وأشار هاني إلى أن تحديث القطاع الزراعي يتطلب إحداث تغيير جذري في أساليب الإنتاج، لافتًا إلى أن هذا التطور بات واضحًا في عدد من المناطق الزراعية، حيث يمكن ملاحظة، من خلال صور الأقمار الصناعية، كيف تتحول المناطق المحيطة بالبرك الزراعية إلى مساحات خضراء ومناطق زراعية ناجحة.
وأوضح أن الجزء الأكبر من المياه المستخدمة حاليًا في الزراعة بات يُضخ بواسطة الطاقة الشمسية، سواء من الآبار أو البرك الزراعية، معتبرًا أن ذلك يشكل تكيفًا مهمًا مع التغيرات المناخية.
ولفت إلى أن أساليب الري نفسها تشهد تطورًا مستمرًا، مشيرًا إلى أن معظم الزراعات في لبنان تُروى حاليًا بالتنقيط، إلا أن هناك تقنيات أحدث بدأت بالانتشار، ومنها استخدام أجهزة الاستشعار والحساسات التي توضع في التربة، والتي بات استخدامها قائمًا على مساحات زراعية كبيرة.
وأشار هاني كذلك إلى تطور الزراعة داخل البيوت البلاستيكية، ولا سيما البيوت البلاستيكية الحديثة التي توفر مستوى أكبر من الانضباط والتحكم والمراقبة الدقيقة للعملية الزراعية، معتبرًا أن هذه التقنيات تتطور تدريجيًا في القطاع الزراعي.
وأكد أن مساعدة المزارعين على الانتقال إلى هذه الأساليب الحديثة تأتي على رأس أولويات البرامج الزراعية، لافتًا إلى أن الهدف هو تحديث القطاع ودعم المزارع في اعتماد التقنيات الحديثة، بما يساهم في جعل إنتاجه مستدامًا وناجحًا ومربحًا.
وشدد على أن الإفراط في استخدام المياه والأسمدة وسائر الموارد يجعل الزراعة أقل استدامة ويرفع كلفة الإنتاج، بحيث تصبح الكلفة أكبر من الإنتاجية، ما يؤكد أهمية الانتقال إلى أساليب أكثر كفاءة في استخدام الموارد.


