تصعيد متدحرج ألهب الجنوب غداة “علي الطاهر”… جعجع يوجّه انتقادات صارمة للدولة ويستعجل “الحسم” (النهار 7 ايلول)

أثارت إسرائيل بعاصفتها النارية العنيفة التي سلّطتها على منطقة النبطية أمس، مزيداً من الضبابية الكثيفة التي تغلّف مصير الجولة التفاوضية المقبلة التي لا يزال موعدها عالقاً بين التكهنات والتقديرات، كما وسّعت إطار المخاوف من “المجهول” الميداني لمرحلة ما بعد السيطرة الإسرائيلية على تلال علي الطاهر. ذلك إن الموجتين التصعيديتين يومي الجمعة والأحد بدتا أقرب إلى اعتماد الأرض المحروقة تمهيداً لتطور ما يلي استكمال السيطرة على أنفاق علي الطاهر. ولذا لم يؤخذ التلميح الإسرائيلي عبر هيئة البث الإسرائيلية مساء السبت بإمكان تقليص المنطقة الأمنية وحصرها بعمق أربعة كيلومترات فقط على محمل الجدية، خصوصاً في ظل التصعيد الواسع والعنيف المتدحرج بما لا يوحي إلا بتوسيع المنطقة الأمنية لا تضييقها. ومع أن مواقف الرئيسين جوزف عون ونواف سلام المندّدة بالتصعيد الإسرائيلي لم تعكس اتجاهات لتعقيد المفاوضات العالقة أصلاً، فإن مخاوف جدية من تطويل أمد تحديد الجولة المقبلة في روما سادت الأوساط المعنية.
التطورات الأمنية في الجنوب
أما العاصفة التصعيدية أمس، فبدأت مع شنّ الجيش الإسرائيلي غارات على مبنى في عربصاليم ردًا على إطلاق “حزب الله” مسيّرتين في اتجاه قواته. كما تزامن هذا التطور مع سلسلة غارات إسرائيلية متتالية استهدفت قرى في قضاء النبطية، وهي: كفررمان، دوحة كفررمان، النبطية الفوقا والتحتا، حي الرويس وحي الراهبات بمدينة النبطية. واستهدف “مستشفى الغندور” ما أدى إلى تدميره بالكامل بما أثار استنكارات للتعرض للمستشفى، فيما زعمت إسرائيل أن “حزب الله” كان يستخدمه كمقر قيادة.
وفي وقت لاحق، كتبت المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي إيلا واوية عبر حسابها على أكس: “هاجم الجيش الإسرائيلي مخربين وبنى تحتية تابعة لتنظيم حزب الله الإرهابي في جنوب لبنان، وفي إطار الغارات، هاجم سلاح الجو مستودعات وسائل قتالية ومباني إرهابية كانت مخصصة لاستخدام مخربي تنظيم حزب الله الإرهابي لتخطيط وتوجيه مخططات إرهابية في المنطقة الأمنية”.
وتابعت: “بالإضافة إلى ذلك، هاجم الجيش مقر قيادة تابعًا لتنظيم حزب الله الإرهابي، أُقيم داخل مبنى كان يُستخدم سابقًا كمستشفى في منطقة بجنوب لبنان”. ومساء استهدفت غارة سيارة في النبطية التحتا ما أدى إلى سقوط ثلاث ضحايا بالإضافة إلى أربع ضحايا وعشرين جريحا سقطوا في الغارات السابقة.
في غضون ذلك، اعتبر وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن السيطرة على تلة علي الطاهر تمثل ختام إحكام القبضة على المنطقة الأمنية جنوب لبنان. وجدّد التأكيد “أننا لن ننسحب من المنطقة الأمنية بلبنان حتى نزع سلاح حزب الله في جميع أنحاء لبنان”، مشيراً إلى أن “الجيش الإسرائيلي سيستكمل تحييد الأنفاق وتدميرها وسيتمركز وفق ترتيب تكتيكي ملائم”.
واثار هذا التصعيد ردود فعل لدى الرؤساء الثلاثة، فدان رئيس الجمهورية جوزف عون “تجدّد الاعتداءات الإسرائيلية على مدينة النبطية وبلداتها”، مؤكداً أن “هذا الاستهداف يشكل تصعيداً خطيراً يتجاوز حدود الخروقات المتكررة لاتفاق وقف الأعمال العدائية واتفاق الإطار، ليطال هذه المرة مؤسسات الدولة اللبنانية ومرافقها الخدماتية التي تعنى بشؤون المواطنين ومصالحهم الحياتية إضافة إلى مستشفى ومراكز صحية”. وحمّل الجانب الإسرائيلي “المسؤولية الكاملة عن هذا التصعيد المستمر، مطالباً الولايات المتحدة الأميركية والمجتمع الدولي بالتحرّك العاجل لوقف هذه الخروقات ومحاسبة مرتكبيها، مؤكداً أن لبنان، رغم كل هذه الاعتداءات، ماضٍ في التزامه بما يصون سيادته واستقرار جنوبه وسلامة مواطنيه”.
ووصف رئيس مجلس النواب نبيه بري ما جرى بأنها “جرائم إسرائيلية في طبيعتها وحجمها، ترقى إلى جرائم إرهاب الدولة مدانة ومستنكرة، وهي إن دلّت على شيء إنما تدل على أن إسرائيل تثبت بالدليل القاطع أنها لم تلتزم بأي صيغ من صيغ وقف إطلاق النار وهي متفلتة من كل القواعد والاتفاقات والتفاهمات، وهي الآن بكل مستوياتها السياسية والعسكرية ماضية في تحويل الجنوب وأهله وممتلكاتهم إلى صندوق اقتراع بالدم، في سباق الانتخابات المقبلة في معركة يتنافس فيها الجميع حول من يقتل ومن يدمر أكثر”.
واتصل رئيس مجلس الوزراء نواف سلام برئيس بلدية النبطية عباس فخر الدين، مؤكداً أن هذه الاعتداءات لن تثني الحكومة عن التمسك بدعم عودة الأهالي وصمودهم، وتأمين كل ما يلزم لاستمرار عمل المرافق العامة وتلبية حاجات المواطنين”.
احتفال القوات
مجمل هذه التطورات كانت ماثلة في الخطاب الذي ألقاه رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع مساء امس في معراب في الاحتفال السنوي إحياء “لشهداء المقاومة اللبنانية” تحت شعار “فجر السيادة “، علماً أن جعجع لم يحجب انتقادات صارمة لرئيسي الجمهورية والحكومة على بطء الإنجازات الإصلاحية للحكومة كما في إقامة دولة المؤسسات “التي راهنا عليها”، وفجّر علناً انتقاداته الحادة لاستبعاد وزير الخارجية عن الزيارات الخارجية لرئيسي الجمهورية والحكومة وهو الوزير المعني بكل ما له علاقة بالعلاقات الخارجية. ولكن الأبرز في مواقفه تمثل في مناداته بقوة بـ”دولة تحكم وتجزم وتحسم ونرفض دويلة تستجلب الويلات وتتورط في حروب الآخرين وتدافع عن ايران على حساب اللبنانيين”، داعياً إلى حلّ كل الهياكل العسكرية غير الشرعية اللبنانية والفلسطينية وفي مقدمها حزب الله”، معلناً أنه “إما أن يقدم “حزب الله” بكل وضوح وجرأة ومن دون تسويف أو تذاكٍ على حل أجنحته العسكرية والأمنية، وإما على الدولة اللبنانية أن تحزم أمرها”. ولفت إلى “أن “حزب الله” كان في انتظار إيران ولكنه أصبح واضحاً الآن أن ايران محاصرة وهي في انتظار بارقة خلاص من مكان غير موجود، وتالياً ما الذي ينتظره حزب الله”. وشدّد على أن جمع السلاح غير الشرعي هو مطلب لبناني بالدرجة الأولى.
وأكد جعجع “أننا في وضع صعب جداً ومأسوي في بعض جوانبه وأنها ساعة الحقيقة والقرارات الصعبة”. وقال: “لقد دقّت ساعة قيام الدولة وتوافرت لها الظروف والمقدمات ولا يبقى إلا أن يحزم المسؤولون والقيّمون على الدولة أمرهم ويسارعوا إلى التقاط الفرصة”. وقال إن الحكومة قامت ببعض الإصلاحات ولم تنبعث منها رائحة فساد، لكن النزاهة لا تقاس فقط بغياب الفضيحة بل بسرعة الإصلاح، فالمطلوب كثير فيما العمل بطيء ولا يتم أحياناً وفق الأصول السليمة.



