أخبار لبنانابرز الاخبارسياسة

الجنوب خارج الرقابة الدولية (الجمهورية 7 أيلول)

يحلو لعدد من المراقبين تشبيه المرحلة الحالية التي يمرّ فيها الشرق الأوسط بالمرحلة التي شهدت تفكّك وسقوط السلطنة العثمانية نهاية الحرب العالمية الأولى وتلتها. وينطلق هؤلاء من أنّ ولادة الشرق الأوسط بالحدود التي تمّ رسمها، إنما جاءت على أنقاض وحطام الأمبراطورية العثمانية، والتي تولتها فرنسا وبريطانيا. واليوم هنالك ما يشبه تحلّل النفوذ الإقليمي لإيران، إثر الحروب التي عصفت عقب عملية السابع من أوكتوبر، وهو ما يشكّل فرصة لإعادة تشكيل المنطقة مجدداً، ووفق حدود جغرافية وسياسية جديدة، بعدما أدّى تمدّد النفوذ الإيراني خلال العقود الماضية إلى سقوط هذه الحدود عملياً ومعنوياً، وهو ما كرّس إلى حدّ كبير، تواصل ما اصطلح على تسميته «الهلال الشيعي». تحليلسياسي

في واقع الأمر ومع شيء من التدقيق، فإنّه يتبين بأنّ ما يجري اليوم لا يشبه مرحلة تفكّك وسقوط الإمبراطورية العثمانية من ناحية الشكل، ولكنه يشبهها لناحية العمل على نقل المنطقة من معادلة نفوذ كانت قائمة إلى معادلة جديدة لم تتبلور عناوينها النهائية بعد. ولا شك في أنّ لبنان يقع في قلب هذه المرحلة الإنتقالية، لا بل هو يشكّل أحد عناوينها الأساسية.

ففي نهاية الحرب العالمية الأولى، لم يكن الأمر مجرد هزيمة عسكرية عثمانية، بمقدار ما كان انهيار نظام إقليمي كامل استمر زهاء أربعة قرون. وبعد العام 1918 باشرت القوى الكبرى بالتعاون مع القوى المحلية بإعادة توزيع النفوذ. ثم جاء مؤتمر سان ريمو في إيطاليا وبعده معاهدة سيفر عام 1920 ومسار الإنتدابات، لتثبيت الواقع الجديد. وثمة عناوين مشابهة اليوم. فطهران كانت قد بنت طوال العقود الماضية شبكة نفوذ إقليمية تمتد من إيران إلى العراق وسوريا ولبنان وفلسطين إضافة إلى اليمن. وهذه الشبكة كانت تعتمد في شكل أساسي على ممر بري وبنية عسكرية وسياسية متصلة ومتكاملة، وتعمل باستقلالية عن كل جوارها. لكن سقوط نظام بشار الأسد في سوريا كسر إحدى أهم حلقات تواصل هذا الممر. كذلك أدّى سقوط حركة «حماس» في غزة إلى غياب البريق الذي كانت تستند إليه إيديولوجية المحور. وجاء معها تراجع قدرات «حزب الله» إثر الضربات القاسية التي تعرّض لها، ليس فقط على صعيد البنية العسكرية إنما أيضاً على مستوى النفوذ السياسي، وهو ما أدّى إلى تبدل ميزان القوى داخل لبنان وخارجه. فالضاحية الجنوبية لبيروت شكّلت خلال المراحل الماضية «غرفة عمليات» هذا المحور وصولاً إلى ساحات اليمن. وفي العام 2026 تعرّضت إيران نفسها لضربات طاولت قدراتها، وأظهرت أنّها أصبحت مكشوفة إقليمياً. العربوشعوب الشرق الأوسط

على رغم من ذلك، ثمة فارق مهمّ جداً بين الحاضر والماضي. فالدولة العثمانية إنهارت فعلياً وتفكّكت أوصالها واختفت عن الوجود. أما الجمهورية الإسلامية في إيران، فليست أمام سيناريو مشابه، في الوقت الراهن على الأقل. فهي لا تزال دولة كبيرة ذات مؤسسات وجيش وتركيبة أمنية داخلية قوية واقتصاد وسكان ونفوذ جغرافي، والأهم أنّ شبكتها الإقليمية لم تختف على رغم من الضعف الذي أصابها، وما يحدث هو أقرب إلى السعي لإعادة تشكيلها.

والمحور الذي كان يعتمد بشدة على سوريا ولبنان بدأ يتحول أكثر في اتجاه العراق واليمن. أي أنّ إيران تسعى لإعادة تنظيم نفسها حول العراق واليمن بعد خسائر سوريا ولبنان وغزة. ولكن هذا لا يعني أبداً أنّها بوارد التفريط بموقعها ونفوذها على الساحة اللبنانية، فهي وجّهت أكثر من رسالة بأنّها مستعدة لكل الإحتمالات كي لا تخرج من لبنان.

لذلك، قد لا يكون دقيقاً الإعتقاد أننا أمام أفول النفوذ الإيراني بكامله، وقد يكون من الأصح القول، إننا أمام نهاية مرحلة لهذا النفوذ وبداية مرحلة أخرى تشهد معارك، بهدف تثبيت الحصص وتحديد الأحجام. وهنا تصبح المقارنة مع العام 1918 أكثر عمقاً ودلالة. فبعد سقوط السلطنة العثمانية وتحلّلها ولد العراق وسوريا ولبنان وفلسطين بالحدود والشكل الذي نعرفه. وشهدت تلك المرحلة حالات فراغ لإعادة توزيع خريطة النفوذ. أما اليوم فهنالك تحالفات ومحاور يجري إنشاؤها بهدف إرساء خريطة النفوذ المستقبلية.

فها هي تركيا تعود، بعد أكثر من قرن على سقوط السلطنة العثمانية وانكفائها عن الشرق الأوسط، لتباشر ببناء النفوذ الذي تطمح إليه، إنطلاقاً من سوريا نفسها. أخبارلبنان

في العام 1918 خرج العثمانيون ليدخل البريطانيون والفرنسيون، ثم بدأت القوى المحلية بإعادة بناء نفسها. واليوم ومع تراجع النفوذ الإيراني في سوريا ولبنان والعراق، فإنّ تركيا وإسرائيل والسعودية وقطر والإمارات تسعى لملء أجزاء من هذا الفراغ ولو بأشكال مختلفة، طبعاً تحت المظّلة الأميركية.

والملاحظة المهمّة، أنّ سوريا الجديدة تحاول أن لا تعود إلى «الوظيفة» التي كانت تشغلها طوال المراحل الماضية كممر إيراني، والتي تعززت بمقدار كبير خلال وجود بشار الأسد على رأس السلطة. كذلك يسعى الرئيس السوري أحمد الشرع لكي لا تكون بلاده الممزقة ساحة للنزاع الإقليمي، وهي مهمّة شاقة وصعبة جداً، في ظل واقع فوضوي ومشتت. لذلك يسعى الشرع لضبط الحدود مع لبنان والعراق، والحدّ ما أمكن من انتقال السلاح والمقاتلين.

أما الساحة الأكثر حساسية فتبقى الساحة اللبنانية. فالمشهد الذي سيرسو عليه لبنان سيكون أحد المؤشرات إلى ولادة النظام الإقليمي الجديد. وإذا كان لبنان قد شكّل خلال السنوات السابقة جزءاً من المنظومة الإقليمية للنفوذ الإيراني الواسع، فإنّ السؤال اليوم، ليس فقط ما إذا كان «حزب الله» سيتراجع نفوذه وتضعف قوته، بل من سيملأ الفراغ الناتج من انكفائه؟ خصوصاً أنّه احتل الموقع الإقليمي الأول ورأس حربة «محور المقاومة». وهنا تدخل قوة التأثير الجاري تثبيتها للولايات المتحدة الأميركية والسعودية بدرجة أولى، إضافة إلى سعي كل من إسرائيل وفرنسا وتركيا للمشاركة ورسم الحدود الإقليمية في الداخل اللبناني. ومن هنا النزاع الخفي حول الدولة والجيش. وهو ما يصلح تسميته «نزاع الورثة». ومن هذه الزاوية يمكن فهم الحرب المستمرة في الجنوب، وسعي إسرائيل إلى توسيع منطقتها «الصفراء» وصولاً إلى ربطها بالحزام السوري، والتوجّه لاحقاً في اتجاه الساحل اللبناني الجنوبي من خلال التمدّد في اتجاه الزهراني. وبخلاف ما يعتقده بعض اللبنانيين وتأمله فرنسا، فإنّ التوجّه الأميركي هو لعدم التمديد لقوات «اليونيفيل»، وأيضاً لعدم ملء الفراغ الناشئ بأي قوات أخرى. ما يعني أنّ الجدل القائم سيكون بلا نتيجة، وأنّ غايته إظهار التشابكات لنسف أي بديل آخر لـ«اليونيفيل». أما الهدف، فهو دفع الجيش اللبناني إلى تنسيق مباشر مع الجيش الإسرائيلي بحكم الأمر الواقع والفراغ القائم. وثمة مشكلة يجري درسها منذ الآن، وتتعلق بالرقابة البحرية التي تتولّاها ألمانيا من ضمن مهمّاتها في قوات «اليونيفيل»، ومخاطر ترك البحر مفتوحاً، خصوصاً أمام حالات اللجوء في اتجاه السواحل الأوروبية. وفي وقت تعتبر بعض الدول أنّ الجيش اللبناني قد لا يستطيع إقفال الساحل بكامله، خصوصاً في الليل، يجري ترتيب حل آخر يقضي بابتداع حل للتمديد لألمانيا في رقابتها البحرية.

ووفق ما سبق، فإنّ النزاع الحالي في لبنان أعمق من مسألة «سلاح حزب الله» كمدخل لتأمين الإستقرار الداخلي. هو نزاع على موقع لبنان ومن سيمسك بهذا الشاطئ المهمّ والمؤثر في النظام الإقليمي الجاري تركيبه. مراجعجغرافية

خلال الأسابيع الماضية، ظهر «تحالف مكة» المؤلف من السعودية وباكستان وتركيا. وفي المقابل تمّ تطوير تحالف الدول المعنية بغاز المتوسط، وهي إسرائيل وقبرص واليونان، من خلال صفقة تسليحية تتجاوز قيمتها 3 مليارات يورو، وهي الأكبر من نوعها بين إسرائيل واليونان، لا بل هي من أكبر صفقات تصدير السلاح في تاريخ إسرائيل. والصفقة ليست مجرد إتفاق تجاري جديد لمصلحة الصناعات العسكرية، بمقدار ما يحمل دلالات سياسية واستراتيجية تتجاوز حدود البلدين لتصل مباشرة إلى خريطة التوازنات المعقّدة في الشرق الأوسط. صحيح أنّه لم يرافق الصفقة أي كلام حول اعتبارها موجّهة ضدّ تركيا، لكن حجمها وطبيعتها وتوقيتها تضع تركيا في خلفية المشهد.

أما «تحالف مكة»، فاتُفق على إنشاء أمانة عامة في السعودية، على أن يرأسها أمين عام باكستاني لمدة ثلاث سنوات، وذلك وفق البيان المشترك الصادر عقب اجتماع في اسطنبول. ما يعني أنّ «حلف مكة» لم يعد مجرد فكرة أو تفاهم قيد البحث، ولو أنّه لم يتحول بعد إلى إتفاقية عسكرية كاملة متكاملة.

وهنا لا يمكن إغفال ملاحظة أساسية، وهي أنّه في العام 1918 تطلّبت عملية إعادة تشكيل المنطقة سنوات عدة، ولم يحصل ذلك خلال أسابيع أو أشهر، بل استغرق الأمر سنوات عدة حتى اتضحت الحدود والدول والأنظمة الجديدة. حتى معاهدة «سيفر» نفسها لم تؤدِ إلى نتائج حاسمة، بل جاءت بعدها ما عُرف بحرب الإستقلال التركية ومعاهدة لوزان عام 1923. العربوشعوب الشرق الأوسط

وهذا ما يدفع إلى القول إنّ من الخطأ التصرف على أساس أنّ النفوذ الإيراني انتهى. وقد يكون من الأدق القول، إنّ مرحلة إحتكار إيران للنفوذ الإقليمي بنحو مؤثر إلى أفول، في مقابل تصاعد النزاع حول حصص النظام الإقليمي البديل، وهو ما قد يستغرق سنوات وليس أشهراً، للوصول إلى شرق أوسط جديد وبتوازنات مختلفة. ومن المنطقي طرح التساؤلات حول احتمالات مستقبلية توحي بتغيير الحدود الجغرافية القائمة، ولو أنّ ذلك لا يبدو قائماً في المدى المنظور.

ويبقى السؤال الأخطر بالنسبة إلى لبنان، وهو هل سيكون هذه المرّة من الدول التي تنتج موقعها في النظام الجديد، أم سيكون مرّة أخرى ساحة يُعاد فيها رسم توازناته من خارج الحدود؟

وما يرفع من منسوب القلق هو هذا الخواء السياسي والفراغ القاتل على مستوى ابتداع المشاريع والخطط والرؤى، في مقابل جموح للمصالح الضيّقة والخاصة والحسابات البسيطة. فالمنطقة ومعها لبنان عند مفترق حاسم. ألم تبادر إسرائيل إلى قصف مطار «أبو الظهور» في سوريا في إطار رسم حدود النفوذ والخطوط الحمر؟ كذلك ألا يعني شيئاً إفراغ الجنوب اللبناني من أي رقابة دولية مستقبلاً؟ ومن هنا، ألّا يستوجب الواقع اللبناني رؤية أعمق وأبعد، قادرة على منحه الدور والوظيفة، لا أن يبقى ساحة لتقاسم النفوذ، وبالتالي لاستمرار النزاعات وإنتاج حالات عدم الإستقرار.

 

بواسطة
جوني منير
المصدر
الجمهورية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى