أخبار لبنانابرز الاخبارسياسة

الأخبار: «الخط الرمادي»: العدو يعيد إنتاج الاحتلال؟ (الأخبار 7 أيلول)

في تطوّر هو الأول من نوعه منذ وقف إطلاق النار الشكلي في حزيران الماضي، نقل إعلام العدو عن مصادر عسكرية وأمنية أن نقاشاً يجري حول إعادة انتشار قوات الاحتلال في الجنوب، بما يشمل تقليص عديدها والانسحاب إلى مواقع ثابتة داخل حزام أمني جديد، أقرب إلى الحدود.

وفي تقرير لهيئة البث الإسرائيلية، ورد أن المؤسسة الأمنية أجرت أخيراً نقاشات حول إنشاء «منطقة أمنية جديدة» أقرب إلى الحدود، من شأنها حماية مستوطنات الشمال. ويأتي هذا الانتشار بديلاً مما يسمّيه العدو «الخط الأصفر»، الذي يشمل المنطقة التي تنتشر فيها قواته حالياً، بما فيها مواقع تقع شمال الليطاني، مثل الشقيف. وبحسب التقرير، أُطلق على العملية اسم «الخط الرمادي»، على أن تتراجع قوات الاحتلال إلى مواقع تبعد نحو ثلاثة إلى أربعة كيلومترات عن الحدود.

لكن الخطة، وفق التقرير نفسه، لم تكتمل بعد ولم تحصل على موافقة المستوى السياسي، فيما لا يزال النقاش قائماً حول مصير المناطق التي ستنسحب منها القوات، ودور الجيش اللبناني، ومسار المفاوضات بين الجانبين.

في المحصلة، يتجه العدو إلى إعادة تنظيم احتلاله للجنوب، لا إلى إنهائه. ففي الوقت الذي يواصل فيه عمليات التدمير والجرف بكثافة، ولا سيما في القرى المحاذية للمناطق المحررة، لا يبدو أنه يريد العودة إلى الحدود الدولية، بل إعادة تركيز انتشاره ضمن شريط أضيق وأكثر قرباً منها. ويبدو أن نشر هذه المعلومات جاء في أعقاب الإعلان عن أن السيطرة على مرتفع علي الطاهر أنجزت المهمة الرئيسية، بما يسمح بالانتقال إلى صيغة انتشار أقل اتساعاً. وبمعزل عن أي بعد سياسي لهذه الخطوة، فإن العدو يقول، من خلال هذه الخطة، إنه لا يضمن الأمن لقواته المنتشرة في الجنوب، ولا يملك انتشاراً مريحاً ومستقراً. فقواته لا تثبت في أي نقطة لأكثر من 48 ساعة، فيما يختفي الجنود من مساحات تتجاوز 75 في المئة من الأرض المحتلة.

من هنا، يصبح «الخط الرمادي» أكثر من مجرد خطة عسكرية لإدارة انتشار القوات، ليتحوّل إلى اقتراح لإعادة تعريف الجغرافيا الأمنية في جنوب لبنان. فالخط الأزرق هو خط الانسحاب الذي أقرّته الأمم المتحدة، أما الخط الذي يقترحه العدو، فهو خط عسكري جديد داخل الأراضي اللبنانية، لا يملك، بحد ذاته، أي قيمة قانونية. لكن نجاح هذه الصيغة يبقى مرتبطاً بعامل أساسي: قدرة العدو على ضمان أمن المنطقة الواقعة خلف الخط الجديد، من دون إبقاء قواته منتشرة فيها.

وتحاول الرواية الإسرائيلية تقديم إجابات عن هذه الإشكالية بالقول إن المواقع الجديدة ستكون «قواعد لتنفيذ العمليات عند الحاجة». أي إن الانسحاب من موقع لا يعني التخلي عنه عملياتياً، بل الانتقال من وجود بري ثابت إلى قدرة على التدخل عند الضرورة. وهذا ما يجعل التصعيد الذي رافق الحديث عن «الخط الرمادي» ذا دلالة خاصة.

فالعدو لا يخفف الضغط على الجنوب بالتوازي مع الحديث عن إعادة الانتشار، بل يستخدم القوة بصورة مكثفة لإعادة تشكيل البيئة التي ستعمل فيها قواته بعد تقليص انتشارها البري. وخلال الساعات الـ48 الماضية، شهد الجنوب اعتداءات جوية، وتدمير مبانٍ وتفجيرات، وإنذارات إخلاء، واستهدافاً لمناطق تتجاوز الحزام الحدودي المقترح. وكلها أدوات تتيح للعدو محاولة الحفاظ على مجال أمني واسع، حتى في حال أصبح وجوده البري أضيق.

وفي هذا السياق، أفادت هيئة البث الإسرائيلية بأن الجيش يستعد لتفجير أنفاق في منطقة علي الطاهر خلال أيام، فيما نقلت قناة «i24» أن الجيش ينتظر موافقة المستوى السياسي لتنفيذ عملية تدمير الأنفاق، وسط تقديرات إسرائيلية بأن حزب الله يضغط على إيران لشن هجوم في حال تدمير المرتفع.

وأعطى العدو أمس إشارة إضافية إلى طبيعة ما يقصده بإعادة الانتشار، لجهة أن تقليص وجود قواته لا يعني تراجع نشاطه العسكري. فقد شهد الجنوب موجة من الغارات والتفجيرات طاولت مناطق تقع شمال منطقة الاحتلال البري الإسرائيلي، بينها النبطية الفوقا وكفررمان وعربصاليم، ما أدى إلى سقوط شهداء وجرحى مدنيين. كما طاولت الضربات منشآت مدنية وصحية، بينها مستشفى غندور في النبطية.

ومع ذلك، لا يزال من المبكر القول إن خطة «الخط الرمادي» ستدخل حيّز التنفيذ. فالمصادر الإسرائيلية تؤكد أنها لا تزال موضع نقاش ولم تحصل على موافقة المستوى السياسي. كما أن المسار الميداني نفسه يبدو مرتبطاً بما سيجري في علي الطاهر، وبقرار المستوى السياسي الإسرائيلي بشأن تدمير الأنفاق، وبالمسار التفاوضي الذي يفترض أن يُستأنف في روما الأسبوع المقبل.

وعليه، فإن «الخط الرمادي» لا يبدو، في جوهره، تراجعاً إسرائيلياً عن الجنوب، بقدر ما يبدو محاولة لإعادة صياغة طريقة السيطرة عليه: وجود بري أقل كثافة، مع إبقاء القدرة على الضرب والتدخل قائمة في مساحة أوسع. فالانسحاب من بعض المواقع لا يعني التخلي عنها عسكرياً، كما أن تضييق حزام الانتشار لا يعني بالضرورة تضييق المجال الذي يريد العدو إبقاءه تحت نفوذه الناري والأمني.

ومن هنا، بدأت تتبلور في إسرائيل فكرة «الخط الرمادي»: شريط عسكري أضيق من «الخط الأصفر»، لكنه لا يعني بالضرورة عودة السيطرة إلى أصحاب الأرض، ولا يضع حداً للقدرة الإسرائيلية على التدخل والضرب، فيما تصبح عودة السكان نفسها، وفق ما نقلته هيئة البث الإسرائيلية، جزءاً من معادلة التفاوض. فقد أفادت الهيئة بأن إسرائيل أبلغت الحكومة اللبنانية أن عودة السكان إلى المناطق التي أُخليت ستعتمد على نتائج المفاوضات التي يُفترض أن تُستأنف الأسبوع المقبل في روما.

المصدر
الأخبار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى