النفط يعيد التضخم إلى الواجهة… كيف ستتحرك المصارف المركزية من دون خنق النمو؟

عادت أسعار النفط لتربك حسابات المصارف المركزية، بعدما تجاوز خام “برنت” 90 دولاراً للبرميل ولامس مستويات أعلى خلال فترات التصعيد، وسط اضطراب الإمدادات والملاحة في مضيق هرمز واستمرار المواجهة الأميركية الإيرانية. والنتيجة صدمة لا ترفع معدلات التضخم فحسب، بل تهدد وتائر النمو أيضاً.
يشعر المستهلك بالأثر أولاً في محطة الوقود وفاتورة الكهرباء والنقل، قبل أن ينتقل الأثر إلى أسعار الغذاء والشحن والسلع الصناعية. وفي البلدان المستوردة للنفط، ترتفع فاتورة الواردات ويتزايد الضغط على العملات. لكن للصدمة وجهاً آخر: ما تنفقه الأسرة على الوقود لن تنفقه في متجر أو مطعم، وكأن النفط المرتفع ضريبة إضافية تقتطع من قدرتها الشرائية.
هنا تبدأ معضلة المصارف المركزية. يمكن لرفع معدلات الفائدة تقليص الاقتراض والطلب، لكنه لا يستطيع زيادة إنتاج النفط أو إعادة فتح طرق الملاحة. وإذا بالغت السلطات النقدية في تشديد سياساتها، فقد تعاقب اقتصادات يتباطأ نموها أصلاً تحت وطأة ارتفاع تكلفة الطاقة.
تريث لا يخلو من الحزم
لذلك، يُرجّح أن تبدأ معظم المصارف بما يمكن وصفه بـ”التريث المتشدد”: تأجيل تخفيضات معدلات الفائدة التي كانت تتوقعها الأسواق، وتثبيت معدلات الفائدة الحالية، بدلاً من الانتقال فوراً إلى دورة جديدة وسريعة من الزيادات.
يتوقف القرار على مدى انتشار التضخم. إذا بقيت زيادة معدلاته محصورة إلى حد كبير في الوقود والكهرباء، ثم تراجعت مع استقرار النفط، يمكن للمصارف تجاوز أثرها الأولي من دون الرد فوراً برفع معدلات الفائدة. أما إذا رشح التضخم إلى الأجور والإيجارات والخدمات، وبدأت الشركات ترفع أسعارها تحسباً لاستمرار الغلاء، فسيصبح التدخل أكثر إلحاحاً.
المشكلة، إذاً، ليست في القفزة الأولى لأسعار الطاقة، بل في “الجولة الثانية” منها. ولهذا تراقب المصارف المركزية معدلات التضخم الأساسية، ووتائر نمو الأجور، وتوقعات الأسر والشركات، ومدى وصول الزيادات السعرية إلى سلع وخدمات لا ترتبط مباشرة بالنفط. وإذا ظهرت دلائل على ترسخ التضخم، فقد تلجأ السلطات النقدية إلى زيادات محدودة في معدلات الفائدة، بمقدار ربع نقطة مئوية مثلاً، بدلاً من تشديد عنيف يهدد الوظائف والاستثمار.
لا وصفة واحدة للجميع
يبدو المصرف المركزي الأوروبي أقرب من غيره إلى رفع معدلات الفائدة، بعدما تجاوز معدل تضخم منطقة اليورو ثلاثة في المئة مدفوعاً بغلاء الطاقة. لكن المصرف يدرك تكلفة التسرع؛ في عام 2011 رفع معدلات الفائدة في مواجهة ارتفاع أسعار النفط، فضعف معدل النمو الاقتصادي، وهي تجربة لا يرغب في تكرارها.
أما مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، فيقف أمام صورة أكثر تعقيداً. لا تزال سوق العمل متماسكة، لكن بعض مقاييس التضخم الأساسي بدأت تتحسن. لذلك، سيبقى قراره معلقاً بين التثبيت وزيادة محدودة، وفق ما تكشفه البيانات المقبلة.
ويميل بنك إنكلترا إلى الانتظار بسبب هشاشة وتيرة النمو وفتور سوق العمل. في المقابل، قد يضطر بنك اليابان إلى التحرك، لأن ضعف الين يجعل النفط المستورد أكثر تكلفة ويضاعف أثره التضخمي.
عربياً، تبدو الدول المستوردة الصافية للطاقة، وتلك التي تعتمد على الخارج لتغطية جزء مهم من احتياجاتها، أكثر عرضة إلى الضغط. في مصر والأردن والمغرب وتونس ولبنان، قد يؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى زيادة الأسعار والضغط على العملات والميزانيات، ما يفرض إبقاء معدلات الفائدة مرتفعة مدة أطول. أما المصارف الخليجية، فتتحرك في الأغلب في الاتجاه الذي يسلكه مجلس الاحتياطي الفيدرالي بسبب ارتباط معظم عملاته بالدولار، على الرغم من استفادة الاقتصادات المصدرة من ارتفاع الإيرادات النفطية.
لا تستطيع السياسة النقدية حل الأزمة وحدها. في مقدور الحكومات تخفيف العبء بدعم موقت وموجّه إلى الأسر الأشد تضرراً، من دون اللجوء إلى دعم شامل يرهق الميزانيات. ويتلخص التحدي الحقيقي في منع صدمة النفط من التحول إلى موجة غلاء طويلة، من دون أن يصبح علاج التضخم سبباً إضافياً لخنق النمو.



