ابرز الاخبارالاقتصاد العربي والدولي

البنوك المركزية تكدّس الذهب: هل يبدأ عصر جديد للاحتياطيات العالمية؟

لم يعد اندفاع البنوك المركزية نحو الذهب تحوطاً تقليدياً من الأزمات، بل أصبح جزءاً من إعادة رسم خريطة الاحتياطيات العالمية. ومع مشتريات تقترب من ألف طن سنوياً، يعود المعدن الأصفر إلى قلب النظام المالي كأداة استراتيجية لا كملاذ آمن فقط.

لماذا يهمنا؟

نحو 1000 طن سنوياً هو تقريباً متوسط مشتريات البنوك المركزية من الذهب في الأعوام الأربعة الماضية. وهذا الرقم مهم لأنه يعادل نحو ضعفي متوسط العقد السابق.

ما يعنيه ذلك هو أن الذهب لم يعد مجرد ملاذ يلجأ إليه المستثمرون عندما تخاف الأسواق. صار جزءاً أكثر ثباتاً من استراتيجية الدول لإدارة احتياطياتها.

والقصة لا تتعلق بسعر الذهب فقط. إذا استمر هذا التحول، فقد ينعكس على الطلب على الدولار، وسندات الخزانة الأميركية، وطريقة توزيع الاحتياطيات العالمية.

من يشتري الذهب؟

في النصف الأول من 2026، جاءت بولندا أولاً بـ82 طناً، ثم أوزبكستان بـ41 طناً، والصين بـ40 طناً. والخلاصة هنا هي أن الشراء لم يعد استثناءً، أو ردة فعل قصيرة الأجل على أزمة واحدة.

289 طناً هو حجم صافي مشتريات البنوك المركزية والمؤسسات الرسمية من الذهب في الربع الثاني من 2026، وفق مجلس الذهب العالمي، بزيادة بلغت 62% مقارنة بالفترة نفسها من 2025، والاتجاه مرشح للاستمرار.

في أحدث مسح لمجلس الذهب العالمي، قال 89% من مسؤولي الاحتياطيات إنهم يتوقعون ارتفاع حيازات البنوك المركزية العالمية من الذهب خلال 12 شهراً مقبلة. واللافت أكثر أن 45% يتوقعون أن تزيد مؤسساتهم نفسها احتياطياتها.

ملاحظات لا بدّ منها

ليست الذهب بدلاً من الدولار، فالصورة أشد تعقيداً. البنوك المركزية تريد تنويع الاحتياطيات، والتحوط من التضخم والمخاطر السياسية والمالية، والاحتفاظ بأصل لا يحمل مخاطر ائتمانية مرتبطة بدولة أخرى.

صحيح أن 74% من المشاركين في مسح مجلس الذهب العالمي يتوقعون انخفاض حصة الدولار من الاحتياطيات خلال خمس سنوات، لكن الأرقام الحالية لا تشير إلى انهيار هيمنة العملة الأميركية.

وفق بيانات صندوق النقد الدولي، بلغت حصة الدولار نحو 57.13% من احتياطيات العملات الأجنبية العالمية في الربع الأول من 2026، بارتفاع طفيف.

وهناك تفصيل مهم أيضاً. صعود وزن الذهب في الاحتياطيات خلال السنوات الأخيرة لا يعود كله إلى زيادة عدد الأطنان، فجزء كبير منه سببه ببساطة ارتفاع سعر الذهب نفسه.

مع وضد!

الحجة الصعودية أولاً. البنوك المركزية مشترٍ لا يتحرك مثل المضارب، وهي لا تدخل السوق صباحاً وتخرج مساءً. لذلك، فإن طلباً رسمياً يدور حول ألف طن سنوياً يوفر أرضية قوية للأسعار. يضاف إلى ذلك عالم مليء بالحروب، والعقوبات، والتوتر التجاري، وارتفاع الدين السيادي، وهذه كلها عوامل تزيد جاذبية الذهب.

في الربع الثاني من 2026، بلغ متوسط سعر الذهب نحو 4506 دولارات للأونصة، بزيادة 37% على أساس سنوي.

لكن هناك الوجه الآخر، فالذهب ليس محصناً ضد التصحيح، والسعر تراجع بنحو 8% مقارنة بالربع الأول من 2026. كما شهدت صناديق الذهب المتداولة خروج نحو 45 طناً خلال الربع الثاني.

وإذا بقيت الفائدة الحقيقية مرتفعة، أو قوي الدولار، أو تراجعت المخاطر السياسية، يمكن أن يتعرض الذهب لضغوط واضحة، أي أن شراء البنوك المركزية لا يعني أن الطريق إلى الأعلى سيكون خطاً مستقيماً.

خلاصة القول

التحول الحقيقي ليس أن الذهب “يهزم الدولار”، بل إن الدول بدأت تتعامل معه بطريقة مختلفة، من أصل احتياطي ثانوي إلى أداة استراتيجية.

الدول تريد احتياطيات أكثر تنوعاً، أقل تعرضاً للمخاطر السياسية، وأكثر قدرة على الصمود في عالم تزداد فيه العقوبات والانقسامات.

الدولار لا يزال في الصدارة، وبفارق كبير، لكن الذهب أصبح مرة أخرى لاعباً مركزياً في خزائن البنوك المركزية. وهنا تكمن القصة الأهم: النظام المالي العالمي لا يتخلى عن الدولار، لكنه يتحوط منه أكثر من السابق.

بواسطة
غاندي المهتار
المصدر
النهار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى