أخبار لبنانابرز الاخبار

المركز العربي للأبحاث يناقش تحديات التغطية الإعلامية لقضايا المناخ في زمن الحروب

نظم المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في بيروت، ورشة عمل متخصصة بعنوان “ما بعد بون 2026: كيف يغطي الإعلام قضايا المناخ في زمن الحروب والتحولات الجيوسياسية؟”، شارك فيها كل من الكاتب والصحافي المتخصص في القضايا البيئية حبيب معلوف، المديرة التنفيذية لمنظمة “غرينبيس” الشرق الأوسط وشمال أفريقيا غوى النكت، عضو أمناء مجلس الطاقة العالمي بيار الخوري، مدير المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في بيروت الدكتور ناصر ياسين، إلى نخبة من الإعلاميين والمتخرجين الجدد.

وقد ناقشت الورشة “التغطية الإعلامية لقضايا المناخ في المنطقة العربية، بدءا بتداعيات المفاوضات الدولية حول المناخ، وصولا إلى تأثير النزاعات في قطاعات الطاقة والغذاء والمياه”. وكان انطلاق الأهداف من رؤية المركز الساعية إلى “تعزيز الحوار الفاعل بين المعرفة العلمية الدقيقة والإعلام، ودعم إنتاج تغطيات صحافية أكثر عمقا للقضايا الاستراتيجية التي تحدد مستقبل مجتمعاتنا”.

افتتحت الورشة بكلمة ترحيبية لمدير المركز الدكتور ناصر ياسين، شارحا أهدافها، قبل أن يعطي الكلمة للمتحدث الرئيسي في الورشة حبيب معلوف.

معلوف

وشدد حبيب معلوف في مداخلته على توصيف الإعلامي البيئي والمناخي بأنه “صاحب قضية ومبادئ، مهمته غاية في النبل، تقضي بالدفاع عن الحياة ومقوماتها”، وتحدث عن “تاريخ قضية تغير المناخ والمفاوضات الدولية حولها والاتفاقيات الدولية التي أبرمت ولم تحترم”، وتطرق إلى “العراقيل ومسؤولية الدول المتقدمة”، محددا “الثورة الصناعية بداية لهذه القضية وزيادة الانبعاثات العالمية”، محملا “النظام الحضاري الغربي المسيطر المسؤولية الكبرى”، ملمحا إلى أن “تبني الدول النامية النموذج الحضاري نفسه يجعلها من الآن وصاعدا شريكة في تحمل جزء من المسؤولية التاريخية”.

ثم حاول معلوف في مداخلته الإجابة على سؤال الاتي: “كيف يعمل الإعلامي: من البيانات إلى القصة المناخية؟”، مشددا على “أهمية البيانات في الصحافة المناخية”، معتبرا أن “المناخ لا يرى بالعين دائما، بل يقاس بالبيانات، وهذه البيانات تمنع الوقوع في التضليل أو التهويل”، مميزا بوضوح الرأي من الادعاء من الدليل.

واستعرض معلوف مصادر البيانات المناخية، وذكر منها الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، والمنظمة العالمية للأرصاد الجوية، وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، واتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، إضافة إلى قواعد البيانات الوطنية والمحلية، وصور الأقمار الصناعية، والخرائط التفاعلية، والدراسات الجامعية، والمقالات العلمية، وصولا إلى فلسفة البيئة.

وفي معرض كلمته، تناول معلوف كيفية قراءة البيانات أيضا، مميزا الطقس من المناخ، مشددا على “ضرورة فهم الاتجاهات، لا الأرقام المنفردة، مع كيفية قراءة الجداول والرسوم البيانية، والانتباه للفترة الزمنية والمقارنة، وضرورة التمييز بين دلالات المصطلحات”.

كما تحدث عن كيفية تحويل البيانات إلى قصة صحافية ضمن تسلسل يبدأ بالبيانات، ثم بالسؤال والتفسير والتأثير في الناس وصولا إلى القصة الصحافية. وقدم مثلا عن ارتفاع الحرارة بمقدار درجتين، طارحا أسئلة عن الأسباب، وعن معنى ذلك، وعن كيفية تأثيره في الصحة والمياه والزراعة والخدمات، وعن المتضررين، وعن الذين يتحملون المسؤولية، والذين يجب أن يحاسبوا والحلول المقترحة.

وحول عناصر القصة المناخية الجيدة، حدد معلوف وضع الإنسان في قلب القصة باعتباره مسؤولا ومتضررا، واستخدام الأدلة العلمية، وربط البعد المحلي بالبعد العالمي، حيث إن ذلك كله ضمن قواعد العدالة المناخية ومتطلباتها، مشددا على “التطرق إلى الحلول وعدم الاكتفاء بوصف المشكلة”، وأشار إلى الأخطاء الشائعة في الإعلام المناخي “كالخلط بين الطقس وتغير المناخ، والاعتماد على تصريح واحد، واستخدام أرقام من دون سياق، والتركيز على الكوارث وإهمال الأسباب والسياسات، وتجاهل الفئات الأكثر هشاشة، والبقاء على السطح من دون النزول إلى أعماق المشكلات وتداعياتها وتعقيداتها في أبعادها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعلمية”.

كما تحدث عن مبادئ يفترض اعتمادها في الكتابة، “لا سيما مبدأ أن يكون الإعلامي نقديا لا ساعي بريد، وجريئا يسمي الأشياء بمسمياتها من دون محاباة، ويحمل المسؤولين مسؤولياتهم ويظهرها بوضوح، ويجعل من القارئ شريكا ومسؤولا أيضا”.

بعد ذلك تم تقسيم المشاركين إلى مجموعات، حيث طلب منهم اختيار موضوع مناخي مثل تأثيرات ارتفاع درجات الحرارة، أو الأمطار المتطرفة، أو حرائق الغابات، أو المياه، لاستخراج أهم معلومة، وكتابة عنوان صحافي، واقتراح زاوية القصة وأبعادها المحتملة، وتحديد الأشخاص الذين تجب مقابلتهم، واقتراح وسائط داعمة كالخرائط والصور والإنفوغرافيك.

وتوجه معلوف إلى المشاركين برسالة أكد فيها أن الصحافي المناخي “ليس ناقلا للأرقام، بل مترجم لها، وأن مهمته تكمن في تحويل البيانات العلمية إلى قصة إنسانية دقيقة ومؤثرة تساعد الجمهور وصناع القرار في فهم ما يحدث واتخاذ قرارات فاعلة”. واعتبر أن “الأسئلة الرئيسية التي يجب أن يسألها الإعلامي تبدأ بتحديد القضية، ثم الانتقال إلى مصدر البيانات وكيفية فهمها ومقارنتها وتدقيقه فيها، والخلفية الفكرية والقواعد الأخلاقية التي يجب أن يستند إليها، وصولا إلى كيفية صناعة قصة صحافية مؤثرة منها”.

النكت

وفي الجلسة الثانية، أجابت غوى النكت على سؤال حول سبب وجوب اهتمام الإعلامي العربي بمفاوضات المناخ، فربطت بين “المناخ وتأثيراته في الاقتصاد والطاقة والمياه والغذاء والتجارة والتنمية والاستثمار”، مركزة على “اجتماعات بون الأخيرة التي كشفت اتجاهات المفاوضات وحددت الملفات العالقة، وشكلت مختبرا للثقة السياسية بين الدول، إضافة إلى كونها ترسم سقف الطموح وتحدد ما يمكن تحقيقه في مؤتمر الكوب 31 (مؤتمر الأطراف) المقبل في أنطاليا”.

ورأت أن “مفاوضات المناخ أصبحت أكثر تعقيدا كونها باتت تعكس الكثير من السياسات حول أمن الطاقة، والتحولات الاقتصادية، وتراجع المساعدات والتمويل الدولي، وبسبب الحروب والتوترات الجيوسياسية، فضلا عن أزمة الديون والضغوط المالية التي تحد من قدرات الدول النامية على الاستثمار المناخي وتصعب على الإعلامي فهم ما يحدث”.

وتحدثت عما كشفته اجتماعات بون من “خلافات بقيت مفتوحة حول قضايا التمويل، والتكيف، والخسائر والأضرار، وموضوع الانتقال الطاقوي، وعن بعض التقدم في آلية مؤتمر بيليم الذي عقد العام الماضي في البرازيل، والذي سيستكمل الحديث عنه في مؤتمر الأطراف 31 في أنطاليا”.

وركزت على موضوع “التمويل الذي يربط جميع مفاصل المفاوضات”، مشيرة إلى “الفجوة الكبيرة بين حجم التمويل المطلوب والمقدر بتريليون وثلاثمئة مليار دولار، وما حصل منه، حيث لم يقدم سوى مبلغ مئة وستة وثلاثين مليار دولار، تمثل المنح منه 15 في المئة فقط، والباقي قروض، مع وعود بأن يصل الرقم إلى ثلاثمئة مليار بحلول العام 2035، وهذا يظهر الفرق الشاسع بين المطلوب والمقدم”.

وشددت على “أهمية تمويل التكيف بالنسبة للمنطقة العربية، والذي يقاس بقدرة الناس على حماية المياه والغذاء والصحة والمدن وسبل العيش، مع تأكيد أهمية متابعة الإعلام لموضوع الخسائر والأضرار وضرورة أن يصل الدعم إلى المتضررين من الكوارث المناخية في أقصى سرعة”.

وتناولت النكت مسارات الانتقال العادل للطاقة المترابطة، “لا سيما الطاقة المتجددة، وتغيير مسار إنتاج الطاقة، وتغيير طريقة استخدام الكهرباء في النقل والمباني والصناعة، والتحول بعيدا من الوقود الأحفوري”، معتبرة أن هذا الموضوع الأخير “بقي خارج النص في بون، لكنه ظل حاضرا سياسيا بقوة”، وأكدت أن “المنطقة العربية تحتاج إلى أربع أولويات في المفاوضات المقبلة في أنطاليا، وهي انتقال طاقوي يحمي التنمية والوظائف، وأمن الطاقة وسياستها، وتكيف يحمي الأمن المائي والغذائي، وتمويل عادل وكاف لا مجرد تعهدات”.

وقدمت النكت خمس قواعد لتغطية مناخية أعمق تتمثل في أن “يبدأ الإعلامي من الأثر لا من النص التفاوضي، وضرورة تسمية الفاعلين والمصالح بوضوح، ومتابعة رحلة القرار من البداية إلى النهاية، ووضع المناخ في سياقه الأوسع، واختبار الادعاء بالدليل والمقارنة”.

وعن تغطية الصحافيين مؤتمر الكوب 31، ركزت على الأسئلة التي يفترض طرحها حول من يدفع، ومن يستفيد، ومن يتحمل الكلفة، وهل التمويل تمويل جديد، وكيف ينعكس على الناس، معتبرة أن “مهمة الصحافة ليست نقل البيانات فقط، بل مساءلة القرارات وشرح ما تعنيه للناس”.

الخوري

بدوره، قدم بيار الخوري عرضا تفصيليا عن أمن الطاقة وتقلبات أسواقها في زمن النزاعات، وأثرها على مسار الانتقال العادل والعمل المناخي. وتناول عرضه قضية “العلاقة الوثيقة بين التغير المناخي، والأزمات الجيوسياسية، وأمن الطاقة، والتحول العالمي نحو مصادر الطاقة المتجددة”، مؤكدا أن “التغير المناخي أصبح أحد أبرز التحديات التي تواجه العالم، لا سيما في العقد الأخير الذي يعد الأكثر احترارا في التاريخ الحديث”، وأكد العرض أن “مواجهة هذا التحدي تتطلب اتخاذ إجراءات عاجلة للحد من انبعاثات غازات الدفيئة وتعزيز التكيف مع آثار التغير المناخي”، مبينا أن “قطاع الطاقة يمثل المصدر الرئيسي لانبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري، ما يجعل التحول نحو الطاقة النظيفة ضرورة لتحقيق أهداف اتفاق باريس والوصول إلى الحياد الكربوني في حلول العام 2050”.

وأشار إلى أهداف التنمية المستدامة، “لا سيما الهدف السابع الذي يدعو إلى ضمان حصول الجميع على طاقة حديثة وميسورة التكلفة وآمنة ومستدامة، من خلال زيادة حصة الطاقة المتجددة وتحسين كفاة استخدام الطاقة وتعزيز الاستثمارات في البنية التحتية”. وركز على التأثيرات الجيوسياسية في أسواق الطاقة، خصوصا في ظل التوترات المرتبطة بمضيق هرمز الذي يمر عبره نحو خمس تجارة النفط العالمية”، موضحا أن “أي تصعيد في المنطقة يؤدي إلى اضطرابات في الإمدادات وارتفاع أسعار النفط وزيادة حالة عدم اليقين في الأسواق العالمية، الأمر الذي ينعكس بشكل مباشر على أمن الطاقة والاقتصادات المعتمدة على الوقود الأحفوري”.

وعلى الرغم من هذه التحديات، فقد أوضح العرض أن “الأزمات قد تشكل فرصة لتسريع التحول نحو الطاقة المتجددة، حيث شهد العام 2024 رقما قياسيا في إضافة قدرات جديدة من الطاقة المتجددة على مستوى العالم، واستحوذت الطاقة الشمسية وطاقة الرياح على معظمها، الأمر الذي يعكس تنامي دور مصادر الطاقة النظيفة في تلبية الطلب العالمي على الكهرباء وتعزيز أمن الطاقة”.

وعلى المستوى العربي، أشار العرض إلى “امتلاك المنطقة إمكانات كبيرة لتطوير مشاريع الطاقة المتجددة خصوصا الشمسية، على الرغم من اختلاف وتيرة التحول من دولة إلى أخرى بحسب الأوضاع الاقتصادية والسياسات الوطنية”، مشيدا بتقدم دول عربية كالإمارات والسعودية والأردن ومصر. أما في لبنان، فأوضح العرض أن “الاعتماد الكبير على استيراد المشتقات النفطية، يجعل قطاع الطاقة شديد التأثر بتقلبات الأسعار العالمية، ما ينعكس على كلفة إنتاج الكهرباء والنقل والاقتصاد الوطني بشكل عام”، مبرزا “أهمية تسريع الاستثمار في الطاقة المتجددة وتحسين كفاية الاستخدام لتعزيز أمن الطاقة وتقليل الاعتماد على الوقود المستورد”.

واختتم العرض بالتشديد على أن “الأزمات الجيوسياسية قد تشكل حافزا لإعادة النظر في سياسات الطاقة وبناء أنظمة أكثر استدامة ومرونة ودعما لمسار العمل المناخي”.

رعد

من جهته، تناول الصحافي المتخصص في القضايا البيئية مصطفى رعد، موضوع أنسنة الأرقام المناخية عبر سرد قصة مزارع أو صياد بحري واحد يعكس الأثر المباشر لارتفاع حرارة الأرض أو شح المياه، بدلا من الاكتفاء بالنسب المجردة. وتحدث عن كيفية “استخدام البيانات البيئية لبناء حبكة صحافية واضحة تفسر التسلسل السببي بين السياسات العامة والتغيرات المناخية على الأرض”، وأوضح طرائق “تبسيط المؤشرات البيئية المعقدة ورسم خرائط أو إنفوغرافيك، إضافة إلى تحديد بطل لأي قصة مناخية، يمكن الجمهور من فهم القصة مباشرة”.

وأشار رعد إلى “ضرورة تفعيل صحافة الحلول عبر توظيف البيانات لتتبع المبادرات البيئية الناجحة وسياسات التكيف مع المناخ وتقييمها”، مشددا على “ضرورة الالتزام بنزاهة البيانات العلمية المناخية وعدم التلاعب بالمقاييس أو اقتطاعها من سياقها بهدف الحفاظ على الصدقية أمام الجمهور”.

وفي نهاية الورشة، طلب معلوف من المشاركين اختيار مواضيع مناخية من وحي النقاشات التي دارت، وساعدهم في اختيار المواضيع والعناوين والمحاور والخبراء الممكن استشارتهم في التحقيقات. كما طلب منهم البدء بإعداد مقالات تمهيدا لمراجعتها، حتى تصبح قابلة للنشر قبل مؤتمر الكوب 31 في أنطاليا في شهر تشرين الثاني المقبل”.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى